المستنقع العربي بين أطماع القوى الأجنبية وتطاحن التنظيمات الإسلامية المتطرفة

عبد اللطيف مجدوب
المشهد العام

تكاد جغرافية أكثر البلدان العربية ، خاصة العراق والشام واليمن .. لتبدو ممزقة الأوصال ، والأطراف .. من قبل تحالفات عسكرية ، تطل ؛ بين الفينة والأخرى ؛ بطلعاتها وقذائفها باتجاه تنظيمات إسلامية ، ومجموعات أخرى متطرفة ؛ تبحث لنفسها عن موطن قدم في هذا الموقع أو ذاك بإيعاز من قوى أخرى إقليمية وأجنبية ..
يوميا ؛ وعلى مدار الساعات ؛ يشتد الصراع ، ليأخذ أحيانا صورا دموية مروعة ؛ في دك المباني ، والمواقع ، وتهجير السكان الأهالي أو قصفهم بالبراميل المتفجرة أو استهدافهم من قبل جماعات مسلحة ، تعمل لحساب هذه الجهة أو تلك ؛ موجات واسعة من النازحين ، لجأت إلى العراء ، ومن ثم إلى المجهول ؛ منها من تقطعت به السبل ، ومنها من ركب البحر ، طمعا في الوصول إلى ملجأ ، وقلة قليلة منها ممن نجا من الغرق وجدت نفسها على مشارف حدود بعض الدول الغربية لتبدأ شوطا جديدا في المعاناة !
ولعل من أبرز المؤشرات في تأزيم الوضع القائم ؛ دخول القوات الروسية على الخط ؛ تحت ذريعة مكافحة الإرهاب ، وتنظيم داعش تحديدا .

حكاية الأزمة الاقتصادية العالمية ومبيعات الأسلحة

كانت للأزمة المالية ( 2007 ـ 2008 ) التي شلت كبريات المصارف والمؤسسات المالية العالمية ، أكبر الأثر على مستقبل الحكومات الغربية ، فلجأ دهاقنها إلى مخرج يقيها من انهيار اقتصادياتها والنتائج الأكثر تراجيدية المترتبة عنها ، تمثل بالأساس في توظيف ” الربيع العربي ” وتحويله إلى مورد لضخ أكبر قدر من الموارد والمعدات العسكرية ، وبالتالي إنعاش مخزونها المالي . وهكذا نشط قطاع بيع الأسلحة .. وأصبح الأكثر رواجا لدى كثير من الدول المنتجة للأسلحة ، كالولايات المتحدة الأمريكية ، والمملكة المتحدة ، وفرنسا ، وروسيا ، وإسرائيل .. فتحولت سياساتها ؛ بالدرجة الأولى ؛ إلى تأجيج الصراعات الإقليمية بين الدول العربية ، وإيقاظ أنشطة عديد من الخلايا النائمة لمجموعات وتنظيمات إسلامية متطرفة .

الدول العربية أكبر سوق لترويج الأسلحة

يكفي ؛ في هذا السياق ؛ تقديم رقم 196 مليار دولار ؛ يمثل حجم الإنفاق العسكري لدى الدول العربية ، مع استئثار دول الخليج والسعودية على رأسها بحصة الأسد في تحديث ترسانتها العسكرية ، التي تنهك وتستنزف هذه الأيام من خلال التحالف العربي بقيادة العربية السعودية ، والتحالف الدولي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية .

المستنقع العربي تحت المجهر

من المعلوم أن الربيع العربي ، وتحريفه عن سكته نحو مشاهد من الفوضى ، والتطاحن عن السلطة ؛ كان مقدمة للتشرذم العربي وتأثيث واقعه بفيروس استنبات وتوالد المجموعات الإسلامية المتطرفة ؛ منها من انسلخ عن تنظيم القاعدة ، واتخذ لنفسه مسارا سلفيا ومرجعية تكفيرية غاية في شدة وقسوة إنزال الأحكام ، كتنظيم داعش الذي أخذت شوكته تتقوى ؛ مع مرور الأيام ؛ في توسع رقعته الجغرافية ، سواء في العراق أو سوريا أو اليمن أو ليبيا .. هذا عدا بعض خلاياه النائمة ، المنبثة في كل رقعة جغرافية من الوطن العربي … كما أن هناك تنظيمات أخرى مسلحة ؛ لا تقل تطرفا عن الأولى ، كجبهة النصرة ، والجهاد الإسلامي ، وجند الله ، وتكاد بلاد الرافدين تزدحم بها ، إلى جانب جماعات تطلق على نفسها إما جماعات المعارضة المسلحة أو الجيش الحر ، وهي موالية ؛ في برامجها ؛ إلى دول إقليمية مجاورة ، أو تعمل لفائدة أجندة استخباراتية تابعة لدول التحالف الغربي أو للموساد الإسرائيلية . هذا بالإضافة إلى ميليشيات مسلحة كحزب الله ، أو تابعة للشيعة في العراق ، أو أجنحة مسلحة منضوية تحت لواء الحرس الثوري الإيراني . أما على الرقعة اليمنية ، فتتواجد ؛ في الواجهة ؛ جماعة الحوثي التي تقاوم ؛ منذ تنحية علي عبد الله صالح ومن معه عن السلطة ؛ وتتلقى الدعم ، على ما يبدو ، من النظام الإيراني ، فضلا عن وجود قدم راسخة لكل من تنظيمي القاعدة وداعش اللذين أكدت الوقائع والأحداث ضلوعهما في العديد من عمليات التفجير ، التي تهز مدن ومواقع يمنية بين الحين والآخر .

أطماع الدول الأجنبية وراء انضمامها إلى التحالف

منطقة الشرق الأوسط ، غنية بمواردها النفطية والغازية ، ومياهها الجوفية .. عدا موقعها الاستراتيجي في مرور المراكب وأساطيل السفن التجارية العملاقة التي تربط ممراتها المائية بين آسيا وأروبا وأمريكا … لهذا كانت ؛ عبر حقب تاريخية خلت ؛ محط أطماع الدول الغربية التي تستورد منها% 90 من حاجياتها من الوقود ، والغاز الطبيعي .
وقد يعيد التاريخ نفسه ، فتتحول ـ هذه المنطقة ـ إلى غنائم ؛ تتقاسم جغرافيتها هذه الدول ، بما فيها روسيا التي كشفت التقارير الاستخباراتية ؛ في الأحداث الأخيرة عن تواجد خبراء عسكريين روس في مواقع سورية إلى جانب بوارج وسفن ، وطائرات حربية ؛ تكثف من غاراتها على مواقع ترصدها الاستخبارات الروسية نفسها ، أو تقصف مواقع معينة بالتنسيق مع القوات الإسرائيلية ، المتواجدة على هضبة الجولان السورية .

الخيار العسكري يزيد الوضع تعقيدا

بالنظر إلى تعدد المواقع والجبهات القتالية للتنظيمات الإسلامية المتطرفة من جهة ، وأطراف المعارضة المسلحة ؛ سواء في العراق أو سورية ، أو اليمن ، وموالاة بعضها سواء إلى دول التحالف أو الجيش السوري ، والعراقي واليمني .. يبدو ؛ من العسير ؛ حسم المعركة لصالح هذا التنظيم العسكري أو ذاك ، فالوضع الأمني ؛ بجوار المدن وأريافها ؛ جد خطير ، يعرف انفجارات دموية بين الحين والآخر … ودول التحالف ؛ حسب ما يروج له الإعلام الغربي ؛ يستهدف مواقع داعش ، والتنظيمات الإرهابية عموما ، وتبقي على المعارضة ( المعتدلة ) ، لكن دخول القوات الروسية على خط النيران زاد من تعقيد الوضع العسكري ، ومهام التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية . وبالتالي فالوضع مرشح لمزيد من التصعيد ، والتوترات داخل الجماعات ، والتنظيمات المقاتلة ، بيد أن تنظيم الدولة الإسلامية ( داعش ) قد يبني لتحركاته المستقبلية استراتيجية جديدة ؛ رما قد تفاجئ الدول المجاورة ، ودول التحالف وتحدث انهيارا في المعادلات العسكرية ، ما دام يسيطر على موارد بترولية ، دون أن نغفل تمرسه الطويل بحرب العصابات ، وخبرته في مجال التكنولوجيا العسكرية .

منظمات حقوقية وإنسانية تسغيث

الميديا الغربية ، وكذا العربية تركز ؛ في سردها للوقائع والأحداث ؛ على الجوانب العسكرية ، من ضربات ، وعمليات تفجير ، وتداعياتها على السكان المدنيين ، دون أن تثير الجانب الإنساني ؛ من الوجهة الحقوقية ؛ الذي تقوده العديد من المنظمات ، والمؤسسات الدولية التي تنشط في إطار حقوق الإنسان ، وشؤون اللاجئين … فهناك دعوات ؛ على مستوى عالمي ؛ تناشد العالم بوقف نزيف هذه الحروب ، والتطاحنات واللجوء إلى آلية الحوار في حقن دماء شعوب هذه البلدان . وهذا البابا فرنسيس يوجه صفعة حارة إلى أمريكا !

بابا الفاتيكان يصفع أمريكا في عقر دارها

في كلمة له أمام الكونجرس الأمريكي بتاريخ 24/09/2015 ، وبخ البابا فرنسيس أمريكا وحلفاءها عن إمعانها في تجارة الأسلحة بغض الطرف عما تسببه من ويلات الحروب وضحاياها من المدنيين . وتساءل : ” … لماذا الأسلحة الفتاكة تباع لأولائك الذين يخططون لإلحاق معاناة بالأفراد والمجتمعات ..؟ للأسف الإجابة ببساطة كما نعلم جميعا هي المال . والمال الغارق في الداء ..دماء كثير من الأبرياء ، وفي مواجهة هذا الصمت المخزي وتحت طائلة المسؤولية ، من واجبنا مواجهة المشكلة ووقف تجارة الأسلحة …”²

هوامش : ² ، نقلا عن USA TODAY ;
In historic address pope urges peace…


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني