عبد اللطيف مجدوب
المشرع أمام الطلب أكثر من العرض
التوظيف حاليا ؛ في القطاع العمومي ؛ أصبحت تحكمه ضوابط تشريعية ، كما هو منصوص عليه في الجريدة الرسمية ، تراعي ؛ وبالدرجة الأولى ؛ عدد المناصب الشاغرة ، أو بالأحرى المناصب المالية المفتوحة في وجه أي قطاع حكومي . بالأمس وغداة فترة الثمانينات إلى بداية الألفية الثالثة ، كانت الوظيفة العمومية تخصص لها ؛ ضمن قانون الميزانية العامة ؛ مناصب مالية هامة تبدأ عقب فترة التكوين ، وحصول الطالب على الشهادة “الديبلوم” ، دون المرور إلى مباراة التوظيف ، إذ كانت الشهادة وحدها كافية للولوج إلى الوظيفة أو التعيين فيها . وكان مصير الراسبين العودة بهم لإعادة تعيينهم في مناصبهم القديمة ، حتى ولو بعد إمضائهم فترة تكوين لا تقل عن سنتين كما كان جاريا به العمل في قطاع التفتيش التربوي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ
لكن ، ونظرا لسياسة التقشف التي تنهجها الحكومة ؛ في الظرفية الاقتصادية الحالية ، وما يستتبعها من نقص في الموارد المالية ؛ اضطر المشرع إلى إحداث حواجز تصفية لإحداث توازن مالي بين العرض والطلب على حساب الأول الذي هو المورد البشري . فإذا كانت المناصب المالية ـ مثلا ـ في قطاع التعليم الأساسي محدودة في 600 منصب وظيفي ؛ في سنة مالية معينة ؛ فذلك يعني أن التباري عليها سيقع من بين أكثر من 1000 خريج معاهد التكوين . والسؤال الحرج الموجه إلى الأمانة العامة للحكومة ، ووزارة قطاع الوظيفة العمومية هو ما مصير الخريجين الذين لم “يسعفهم” الحظ في النجاح في مباراة التوظيف ؟ هل سينتظرون وماذا سينتظرون ؟ مباراة أخرى ، وفي السنة الموالية ؟ فقد يكون تكوينهم أصابه نوع من التقادم ، وبالتالي ستمنح الأسبقية للطلبة حديثي العهد بالتخرج لا القدماء منهم !
لماذا لا يحسم في أمر التوظيف بدءا من ولوج مراكز التكوين ؟
عمدت ؛ عن قصد ؛ إلى تمديد هذا العنوان الجزئي لتوضيح مسألة ذات أهمية قصوى في تنزيل المرسوم ” المشؤوم ” ، وهي أن مركز التكوين ؛ في مباراة الولوج إليه ؛ يقبل عدد الناجحين بعدد المقاعد الشاغرة ( المركز كله ) وليس أقل ، حتى يستمر عمل المركز عاديا بالنسبة لساعات عمل الأساتذة المكونين ، وإلا سيقع هناك تعثر في حالة وجود مقاعد شاغرة والتي ستؤول إلى تعطل عمل أستاذ مادة ما ، أو تخفيض في ساعات عمله ، وهذا غير وارد بحكم أن الأستاذ متعاقد مع الدولة بساعات عمل محددة .
مرسوم مباراة التوظيف يسري على قطاعات أخرى
مرسوم مباراة التوظيف هذا ، ليس قصرا على قطاع التعليم فحسب ، بل هو موجود ؛ وجاري به العمل ؛ ضمن إجراءات توظيف الأطباء بعد استيفائهم لفترة التداريب والتكوينات . وهذه معضلة هي الأخرى ؛ لم تبت فيها الوزارة الوصية حتى الآن ؛ بالرغم من موجة الإضرابات التي عرفها قطاع الأطباء لأزيد من أربعة أشهر متواصلة ؛ لأنه أصبح ملزما ، وضمن نصوص الوظيفة العمومية ، لا يمكن إلغاء سريان أثره إلا بصدور مرسوم آخر يستنسخه .
أبعاد إلغاء مرسوم مباراة التوظيف
من الجانب الإداري الصرف ، سيلحق ضررا بالميزانية العامة المرصودة للمناصب المالية ، لكن من الجانب التربوي قد يفضي إلى وجود فائض في أساتذة المؤسسات التعليمية ، مما سيخلق تنافرا بين خريطة الموارد البشرية ، والموارد المالية . لكن ستكون له تبعات جد خطيرة على الساحة السياسية ، إذ ستطالب قطاعات أخرى ؛ ومنها القطاع الصحي ؛ بإلغاء مرسوم مباراة التوظيف أو ” التوظيف المباشر ” إسوة بالتعليم ! .. هذا فضلا عن ظهور قناعة ؛ لدى الرأي العام الوطني ؛ بأن الدولة لا تمنح حقوق مواطنيها إلا تحت الضغط ، والعنف وأساليب التظاهر والتجمهر والاحتجاج
اقتراح صيغة توافقية
أقرب صيغة ؛ يمكن أن تكون محل توافق بين الطرفين الحكومة والطلبة الأساتذة هي العمل بالمباراة شريطة الاحتفاظ بالطلبة الراسبين ، ومنحهم حق اجتياز مباراة التوظيف عند نهاية السنة التكوينية ، بدلا من تركهم يواجهون الضياع ، كما يلزم الحكومة ؛ ممثلة في الوزارة المعنية ؛ إحاطة الراغبين ؛ في ولوج مؤسسات التكوين ؛ علما بمحتوى التكوين ، وإنهائه بمباراة التوظيف وإجراءاته العملية .
قد يلوح في الأفق ؛ أمام هذا الإشكال الوظيفي ؛ عقب الدورات التكوينية موضوع خوصصة التعليم ، من جانبه الوظيفي ، الخاص بالموارد البشرية ، والذي يحصر العملية في أطر التربية والتكوين ، والمؤسسات الحاضنة ، والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين لإمداد الساحة التعليمية بالخصاص الذي تشكو منه الخريطة المدرسية في جهة ترابية ما .




