عندما تابعت وتفاعلت مع مضامين خطبة جمعة فقيهنا السلاوي حول زلزال الريف وعلاقته بالمعاصي والمنكرات،ورد في ذهني السؤال التالي:هل نريد فكر ابن رشد العقلاني أم فكر ابن تيمية الاجتراري؟
لقد جعل “ابن رشد” الدين مرادفا للعقل وملازما له، ولم يلبس الدين بنزعات النقل وأفنى عمره مدافعا على هذه الفكرة مواجها السلطان، مناصرا لسلطان أوحد هو الاجتهاد والتجديد،رغم أن السياق آنداك كان غير قادر على فهم الظواهر الطبيعية الماكروسكوبية كالزلزال والبركان ولم يجرؤ على نقد ما جاء به”بطليموس” حول مركزية الأرض…ولم يتم بعديتجاوز كل المسلمات العلمية العتيقة ولم يفسر الظواهر الميكروكوبية ولم يعرف بوجود نظرية زحزحة القارات وتعدد المجرات ولم تتطور بعد نظرية الجينيوم ولم يتحدث عن نظرية الأوتار…ومع ذلك واجه “ابن رشد” فكر الغزالي وكشف كيفية تحويل مقتضيات الشريعة إلى مبادئ دافعة نحو العلم بلغة بديعة، تجعل النص القرآني في خدمة العقل والعكس صحيح…كلنا نتذكر بكل فخر عبارته المشهورة “وإذا كانت هذه الشريعة حقا وداعية إلى النظر المؤدى إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدى النظر البرهانى إلى مخالفة ما ورد به الشرع، فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له”
بهذه العبارات الدقيقة والنزعة العقلانية الرزينة نجيب فقيهنا،فندعوه إلى استبدال النقل بالعقل. فالزلزال ظاهرة علمية لها أسبابها العلمية الموضوعية، وبمنطق القياس العقلي “لابن رشد” فإذا كان سببه كثرة المعاصي واستفحال المآسي، فالأحرى أن يضرب الزلزال مراكش أو الدار البيضاء أو أن يضرب قوى الاستكبار العالمي مثلا… تم ما سنقوله عن انحباس المطر وظاهرة النينيو وذوبان الجليد…يذكرني الأمر بأحدهم عندما قال مازحا أن انحباس المطر يرتبط بكمية الملابس التي ترتدي النساء، فكلما قلت كمية التوب قل المطر وهذه قاعدة يتداولها القاصي والداني من وطني الحبيب، وهي نظرية تتجاوز مفاهيم النظرية النسبية الخاصة والعامة لأنشتين بلا شك.
لقد تلقف العقل الغربي الحلم الراشدي في تأسيس سؤال النقد بعد عصور من الاتحطاط والخضوع لسلطة رجال الدين،فتمكن من الانطلاق والتحرر خاصة مع الثورة الكوبرنيكية والفلسفة الديكارتية والتأسيس لنظرة علمية تجريبية مع فرانسيس بيكون ونيوتن…وتم تأسيس التوافقات السياسية بعد الثورة الفرنسية وما تلاها من إعلاء للقيم الإنسانية.لماذا يصر فقهاءنا أن يبقو خارج التاريخ ويصرون الركون للتاريخانية والاعتقاد بامتلاك الأجوبة وتحميل الشرع مالا يحتمل وتوقيف النظر في أمور الدنيا وأحوالها.
ينزعج الفقيه من فصل أمور الدين عن الدنيا لكنه من حيث لا يدري أشد المدافعين عن هذا الأمر عندما يوقف الدين بوصفه بنية مغلقة حاملة للأجوبة الجاهزة ترفض ما يقدمه العقل من إنتاج معرفي.يجب أن يدرك الفقهاء أن شعار الإسلام هو الحل ينبغي صياغته بشكل مختلف إن اتصال العقل بالنقل هو الحل.
إن لقب الفقيه يعهد للعالم المتفقه المشتغل بعقله المواكب لقضايا عصره.لهذا ينبغي أن نعيد النظر في هذه التسمية حيث لا يصلها إلا العلماء بالمعنى الراشدي لا بالمعنى التيمي.يمكن تسميتهم وعاضا مثلا، وهذا أصلح لهم حتى يعرفوا حدود عملهم ومقدار اجتهادهم.
أعلم أن النقاش هو أعمق وأخطر خاصة مع استحضار فتح المساجد لخطباء تكوينهم ضعيف متواضع بتواضع المجالس العلمية المحلية والمجلس الوطني.لكن هل يستشعر المسؤولون عن الدين في بلادنا هذه المنزلقات.أحيانا يخيل إلي أن هناك هوة وانفصال تام بين المؤسسة والشعب،فالمؤسسة ما تزال تشتغل بمنطق التحكم والاستبلاد والشعب يقبل لعبة الاستعباد بوعي وصبر لكن إلى متى؟
الشعب الفيسبوكي يا سادة، صار أكثر تأثيرا من المؤسسة.هذه حقيقة بدأت تكتمل وهو شعب ينتقد بشدة ويواكب باستمرار،قد لا يظهر هذا الأمر بشكل مادي لكن دلائل قوته شاخصة.عندما يصبح رجل الدين محط سخرية فإننا نضرب آخر نعش في المؤسسة ونفتح الباب لما يسميه هوبز حرب الكل ضد الكل.فأصدقاءنا في الريف يعتقدون أن هذه خطبة تمس المنطقة خصوصا.ألا ننمي الحقد تلو الحقد من جوج فرنك إلى إثنا وعشرون ساعة إلى تعنيف أطباء المستقبل وأساتذة المستقبل وممرضي المستقبل.هل ننسف المستقبل؟هل نقتل الأمل؟
لا يضر الدين في شيء أن نعترف للناس بشأن العلم وانسجامه مع الدين وأن نخبرهم عن الأسباب الحقيقية للانحدار الذي نعيشه اليوم.في اليابان يواجهون الزلزال يوميا دون أن يعتبروا أنفسهم الشعب الأكثر تعرضا للسخط الإلهي،بل يواجهونه بسكن مضاد للزلازل وبالملاجئ الآمنة وتطوير مراكز البحث العلمي والمراصد،وهذا الأمر يستقيم طبعا من خلال تنمية الإنسان وجعله مركزا في كل سياسة حكومية، لا أن تتجه السياسة الحكومية إلى ربط الزلزال بالمواطن.كل المصائب التي يعرفها هذا البلد سببها المواطن المغربي سواء كان كائنا ماديا كالأستاذ المتدرب والطبيب المتدرب والممرض المتدرب أو كان كائنا هلاميا كالعفاريت والتماسيح والدولة العميقة…
أيها الخطباء احترموا ذكاء المخطوب فيهم فالكثيرون ينتظرون أن تسهموا في بناء الإنسان لا في بناء السلطان.
الباحث: لحسن الحميدي
أستاذ الفلسفة ومتخصص في القضاء الإداري
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



