هل نحن بصدد تحقيق التقارب السني كمرحلة انتقالية في منطقة الشرق الأوسط!؟

الحسين بوخرطة
في إطار التطورات التي تعرفها الاستراتيجيات في مجال العلاقات الخارجية لدول منطقة الشرق الأوسط بالمكونين التركي والإيراني، واستحضارا لفرضية وجود انشغال لدى الأنظمة السياسية لإيجاد أرضية “تفاهمية” يمكن أن تحمل بوادر بناء مشروع سوق اقتصادية موحدة بقيم سياسية لا تترك مجالا للصراع المذهبي السنى-الشيعي، يبقى من الأفيد طرح سؤال الفرضيات المرتبطة بمستقبل بناء العلاقات الدبلوماسية بأهداف لها صلة وثيقة برفاهية شعوب المنطقة؟. إن هذه الفرضية بطبيعتها تفرض علينا طرح سؤالا آخر بالغ الأهمية وهو كالتالي: هل هناك نية أو جهد تبذله الأنظمة السياسية في المنطقة يجعل التقارب السني مرحلة محورية انتقالية لإيجاد أرضية تفاوضية صلبة مع المحور الإيراني تنتصر من خلاله أولوية النماء المادي للشعوب بدل ضياع الوقت في الصراعات المذهبية والطائفية العقيمة!؟.
ومن أجل مناقشة هذين السؤالين، نقدم للقارئ بعض المعطيات والإشارات لعلها تكون فعلا تصب في المبتغى الذي يأمله بلا شك كل المتتبعين.
دوليا، لا يمكن لأية أسرة في العالم، وهي تفتح يوميا أحد القنوات التلفزية، أن لا تصادف أخبارا في موضوع الشرق الأوسط، والإرهاب الديني (القاعدة وداعش)، والصراع المذهبي والطائفي السني-الشعي، مع التلميح من تارة إلى أخرى إلى المكون الكردي. إنه واقع أعاد إلى الساحة السياسية ما يسمى بالحرب الباردة ومسألة القطبية في العالم، حرب وجدت في المنطقة عوامل، لا تمت بمصالح الشعوب العربية الاقتصادية والسياسية بصلة. على عكس ذلك، لقد تمكنت هذه الحرب الدبلوماسية من توفير كل ما من شأنه أن يمكن هذا الصراع من الامتداد لينبثق عنه محوران متناحران تمت تسميتهما بالمحور الشيعي والمحور السني. لقد تم استغلال ظهور الإرهاب والتناحر المذهبي والطائفي من أجل تحويل الظاهرتين إلى شماعة لتشكيل التحالفات. لقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عن تشكيل تحالف دولي لمحاربة “داعش” في ليبيا يشارك فيه، إضافة إلى أمريكا، كل من فرنسا، وبريطانيا، وبلجيكا، واستراليا، ونيوزيلاندا، وهولندا، والنرويج، وكندا، والدانمارك، واسبانيا، والسويد، وتركيا بمشاركة وفد من الأمم المتحدة. إقليميا، شكلت كذلك المملكة العربية السعودية حلفا سنيا للتدخل في اليمن باعثة إشارة سياسية لمن يهمه الأمر تحت شعار “ساعة الحزم قد دقت”، لتبقى الرياض متناغمة مع قرارها في دعم الحراك العربي منذ سنة 2011 في كل من مصر واليمن وسوريا. كما دعت بعد ذلك إلى تشكيل قوة عسكرية إسلامية سنية بقيادة الرياض تضم 34 دولة، وأعلنت قرار تدخلها العسكري المرتقب في سوريا في الأيام المقبلة باعثة بذلك رسالة أخرى إلى المحور الدولي بقيادة روسيا والإقليمي بقيادة إيران. كما أن الترحيب بقرار التدخل في سوريا ومساندته من طرف تركيا، قد يشجع على طرح فرضية وجود مفاوضات سرية لتشكيل حلف سني قوي لدفع المحور الشيعي إلى التفاوض بشأن مستقبل المنطقة برمتها، وبالتالي تشكيل أرضية سياسية مشتركة قد تكون في مستوى التأثير على القرار الدولي والإقليمي.
لكن، ونحن نتحدث عن هذه الفرضية، لا ننسى الوجود المصري ومكانته في الصراع الليبي الداخلي. لقد تتبعنا في تصريحات المسؤولين المصريين في شأن العودة إلى الحديث عن الأمن القومي، والدعوة إلى تشكيل قوة عسكرية عربية دائمة التواجد بدون أن تكون متمركزة في دولة معينة، وتكون متأهبة للتدخل السريع كلما دعت الضرورة إلى ذلك، وتسهر على الحفاظ على أمن وسلامة الدول الأعضاء وسيادتها الوطنية. لقد تتبعنا الدعم المصري لخليفة حفتر، على عكس ما تهدف إليه إستراتيجية المملكة العربية السعودية بعد سقوط نظام القذافي. كما من شأن المبادرة المصرية هاته أن تتحول في الأيام المقبلة إلى تدخل أمريكي في ليبيا بدعم تحالف عربي تقوده مصر.
في إطار طرح القضايا وتقديم المعلومات دائما في هذه المرحلة الحساسة، لا ننسى، كما أشرنا إلى ذلك في مقالات سابقة، النجاح النسبي للنموذج السياسي المغربي في مسألة التقدم في فصل الدين عن السياسة نتيجة للتراكمات السياسية والحقوقية التي حققها منذ الاستقلال والإصلاح الديني الذي باشره هذا البلد المتوسطي بعزيمة حقيقية تحت قيادة إمارة المؤمنين في العهد الجديد. إن قضية استكمال وحدته الترابية تبقى مطلبا يستدعي دوام الدعم والتأييد القويين العربي والتركي والإيراني، وبالتالي فهو، في رأي المتتبعين، قطر بمعطيات جغرافية وسياسية وثقافية إستراتيجية تؤهله لضمان التكامل الاقتصادي والتقارب السياسي ما بين المنطقة المغاربية ومنطقة الشرق الأوسط.
في الختام، لا يمكن لأحد أن لا يطمح في بناء سوق عربية-مغاربية-تركية-إيرانية تحول التناحر المذهبي والطائفي إلى تعاون وتكامل اقتصادي وعسكري في مصلحة الشعوب، سوق بمقومات تحقق رفاهية مستوى العيش للأفراد والجماعات، وتضمن سلامة وسيادة الدول المشاركة. فالتنافر الذي عرفته العلاقة الدبلوماسية ما بين المملكة العربية السعودية ومصر مؤخرا على إثر القرارات المتخذة في شأن ملف الإخوان المسلمين، وما يطرح من قضايا متعلقة بالديمقراطية هنا وهناك، يتطلب اليوم، وبنوع من الاستعجال، إيجاد مخرج لكل العراقيل في الآجال القريبة. إنه عامل يفترض أن يكون مؤثرا جدا في حالة ما إذا تم تحقيق نوع من الالتقائية في الإرادة السياسية لبناء قطب سني قوي لن يترك أي مجال للتحرك الدبلوماسي الإيراني سوى الجلوس على طاولة المفاوضات لإعطاء الانطلاقة للتشاور في شأن بناء سوق اقتصادية تشارك فيه كل بلدان المنطقة بمقومات ثقافية وسياسية منفتحة على العالم في إطار الديمقراطية واقتصاد السوق الضامنين للعدالة الاجتماعية.
إن الإسلام يدعوا إلى الوحدة، والإسلام الحركي الطائفي والمذهبي له ارتباط أكثر بالتمويل الأجنبي ولا علاقة له بالروح المتسامحة للدين الإسلامي ودعوته إلى الوحدة والعلم واستعمال العقل. لقد أكد التاريخ، غربا وشرقا، أن ظهور المذهبية والطائفية على أساس ديني كانت سببا قويا في تأجيج صراع الأصول والفروع كخروج داعش من صلب القاعدة كنموذج حي لذلك.
وعليه، لا نملك في الأخير، من أجل تجاوز هذا الوضع الدموي في المنطقة، سوى التذكير بقوله عز وجل:
• “وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين” (الأنفال)،
• “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا…” (آل عمران)
• “إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون” (الحجرات).


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني