ماذا لو اصطفت أغلبية حزبية ضد حزب المصباح ما بعد استحقاقات أكتوبر القادم؟

الحسين بوخرطة
والأحزاب السياسية الكبرى تعيش “تصخينات” مرحلة ما قبل الاستحقاقات البرلمانية التي من المتوقع أنها ستجرى في شهر أكتوبر القادم، كل المغاربة منشغلين بمسألة التحالفات في إطار الخصوصية المغربية، التي تتقدم بخطى ثابتة، وتزداد وضوحا يوما بعد يوم كلما ابتعدنا عن ما يعرف بفترة الحراك العربي. وقبل الحديث عن مسألة التحالفات، ونظرا لأهميتها مغربيا، لا بد من التذكير بثلاث ملاحظات:
• قيادة مؤسسة إمارة المؤمنين للشأن الديني بالمغرب كان لها وقع جد إيجابي في إنعاش الحقل السياسي والمجال الحقوقي كما هو متعارف عليه كونيا. وحدة المذهب، والتقدم في الإصلاح الديني ليمتد مؤخرا إلى إصلاح المناهج والكتب التربوية، يمكن أن يجعلا من المغرب بلدا رياديا على المستوى الإقليمي، ريادة سيزداد تجسيدها على أرض الواقع كلما تقدمت البلاد خطوة إلى الأمام في تثبيت الديمقراطية بجوانبها وأبعادها المعروفة،
• لقد تأكد للمغاربة أن خطابات الأحزاب السياسية عندما تكون في المعارضة، أي قبل المشاركة السياسية في قيادة السلطة التنفيذية أو المشاركة فيها، لا يمكن استنساخها، بنفس الحمولة ونفس النبرة، في مراحل لاحقة ولو بالخروج من جديد إلى المعارضة. المغرب بلد موارده معروفة، ومستوى عيش شعبه معروف، والمستوى الثقافي والوعي السياسي للأفراد والجماعات يزداد تحسنا مع مرور الأيام،…..
• عبد الرحمان اليوسفي، عندما قاد تجربة الانتقال الديمقراطي التوافقي سنة 1998، وبالطبع كان وراء هذه المشاركة مفاوضات تلتها مشاورات مستمرة مع القصر الملكي، كان يعرف أوضاع البلاد ومسارها السياسي أشد المعرفة… والحالة هاته، كان كلامه موزونا إلى درجة لا تتصور… وكان انشغاله اليومي هو تحقيق الانتقال إلى الديمقراطية عبر صناديق الاقتراع في استحقاقات 2002 … لقد كان انشغاله الأساسي هو النجاح في إدخال المغرب المنعطف المطلوب الذي ناضلت من أجله الأجيال منذ الاستقلال، منعطف يحل من خلاله التفاوض الحزبي على أساس نتائج الاقتراع الانتخابي محل التوافق… لقد كان هذا الرجل، أطال الله في عمره، وزيرا أولا لكل المغاربة، وقدم تضحيات سياسية كبيرة الكل يعرفها من أجل الوطن والمواطنين…. عاش هذا السياسي الاستثنائي في التاريخ الحزبي المغربي معاناة شخصية ازدادت حدتها جراء تفجير الخلافات المتراكمة ما قبل المؤتمر السادس لحزبه….
على أي، ونحن نستحضر الملاحظات السالفة الذكر، نذكر، على سبيل الاستئناس فقط، أن المغرب عرف حدثا سياسيا بارزا سنة 2011، حدث نعتبره، من باب المسؤولية السياسية، النقطة الأكثر استحقاقا وانسجاما لتكون امتدادا للبناء السياسي الديمقراطي الذي ابتدأه عبد الرحمان اليوسفي. لقد صادق المغاربة على دستور جديد، بمنهجية تشاركية ذات خصوصية إقليمية، وعرف المغرب استحقاقات برلمانية تم اعتماد نتائجها في تشكيل السلطة التنفيذية برئيس حكومة له اختصاصات واسعة. لقد أصبح من سلطة هذا الأخير التعيين في المناصب العليا، الاختصاص الذي برعت حكومة الدستور الجديد في استخدامه،….، وعرف المغرب السياسي لأول مرة دسترة السلط والفصل بينهما …. ومع ذلك، تابع الرأي العام من حين لآخر تصريحات مقصودة هنا وهناك تخندق الحكومة عامة، ومؤسسة رئيس الحكومة خاصة، في وضعية “الضحية” بحيث يعطى الانطباع، للأسف الشديد، وكأن الحكومة لا يمكن لها أن تتقدم في تنفيذ برامجها لوحدها…. وتابع المجتمع المغربي كذلك تصريحات وصراعات ذات طبيعة جديدة تعطي الانطباع تارة أن الحكومة قادرة على رفع صوتها معلنة أنها المتحكمة في مسار الشأن التنفيذي، وتارة ترسل رسائل للمتتبعين وكأن أساس الممارسة السياسية في المغرب هو التحكم…. عاش المغرب هذه الازدواجية وهو يتوفر على دستور جديد متقدم ديمقراطيا، ولم يعشها وعبد الرحمان اليوسفي، وهو مجرد وزير أول خاضع لمقتضيات دستور 2006، في صراع مستمر مع الأمواج العاتبة المناهضة لجهود إنعاش “الأزمة القلبية” للبلاد لتجاوز ما يعرف ب”السكتة…”.
والمغاربة يعيشون السنة الأخيرة من عمر حكومة قادها حزب المصباح، ونتيجة لطبيعة التحركات والتفاعلات التي ابتدأت تزداد حدة، أصبح سؤال التحالفات المرتبطة بما بعد برلمانيات أكتوبر 2016 حاضرا بقوة ولأول مرة في المغرب… لقد انقلبت الحمامة على المصباح… وترمي السنبلة من حين لآخر أحجارا في البركة الراكدة….. وكما تتبعنا في الشبكات الاجتماعية، أعلن رئيس الحكومة أنه سيطلب من جلالة الملك استمرار وزير العدل في منصبه لإتمام الإصلاح في الحكومة المقبلة ولو في حالة عدم مشاركته فيها، وهذا تواضع غير معهود لا يمكن للمتتبع إلا أن يفكر فيه مليا بالرغم من تناقضه مع المقتضيات الدستورية… واجتمع المكتبان السياسيان لحزبي الوردة والجرار للتنسيق في الفترة الإعدادية لما قبل أكتوبر…. إنها تحركات وتفاعلات لا تستبعد استحضار سؤال: ماذا لو اصطفت أغلبية حزبية ضد حزب المصباح ما بعد استحقاقات أكتوبر القادم ولو في حالة حصوله على المرتبة الأولى (كما وقع للحزب اليميني الإسباني)؟، وهل من طبيعة هذا الاصطفاف المفترض أن يكون نافعا للسياسة في البلاد أم مضرا لها؟
وختاما نقول، أن ما يتفوه به رئيس الحكومة من حين لآخر ليس كلاما اعتباطيا…. لقد مارس هذا الرجل السياسة في صفوف اليسار فيما قبل، وتعلم كيف يصبح زعيما لحركة إسلامية… من الممكن أن تتحالف في المستقبل القريب أغلبية حزبية من أجل خفض العتبة الانتخابية كمرحلة أولى…. وقد تكون الإشارات الأخيرة لرئيس الحكومة تعني فعلا “كيف ما كانت الأحوال أنا مستعد للمشاركة”، وقد يدافع، من أجل تبرير موقف حزبه هذا، على فكرة إتمام الإصلاحات… بالموازاة، قد يكون حزب المصباح محظوظا في حالة ما إذا تزعم النتائج الانتخابية مرة أخرى… وسيكون حظه قويا، في حالة ما إذا استمر منطق ربط التحالفات بنتائج يوم الاقتراع…. أي إذا ما استمر “طغيان” منطق “الكرسي” في التفاوض السياسي على حساب التحالفات الحزبية الإيديولوجية القبلية…. على أي، وكيف ما كانت الاعتبارات، من الممكن أن يكون التلويح بعدم القدرة على التطبيق الحرفي لمقتضبات الدستور في ظل الحكومة الحالية مؤشرا من شأنه أن يرجح فرضية تشكيل حكومة ائتلاف وطني…. ففي حالة عدم إعلان التحالفات القبلية، كل السيناريوهات ممكنة… فلننتظر… وكيف ما كان الحال، الأهم في كل هذه التطورات هو مرور المغرب إلى مرحلة الصراع السياسي الأفقي، والرهان المطروح بحدة من أجل التقدم في تقوية الممارسة السياسة مجتمعيا هو الاجتهاد في خلق “التحفيزات” للرفع من نسبة المشاركة الانتخابية….


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني