ينحدر الرشيد منتصر، مدير برنامج من فلاح إلى فلاح الذي أطلقته الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وتشرف عليه مؤسسة الأطلس الكبير، من إقليم الرحامنة المغربي. وساهم في تنظيم أولى نسخ مؤتمر القمة المعني بالمناخ الخاصة بالشباب، الدورة التي جرت فعالياتها في نيويورك سنة 2019.
ويطرح هذا المقال نظامًا فعالًا لإمداد المياه بأسلوب من ابتكار السكان الأصليين – الخطارة – والذي ساعد في تشييد الحضارات وتحويل الصحاري إلى روابي خضراء بالرغم من تحديات المناخ. والهدف من نشر هذه السطور هو إظهار قيمة هذا التراث المائي والتخطيط لمبادرات تعمل على استدامة المياه.
تستمر الحياة ما دامت المياه تملأ مجاريها، فهي عصب الحياة الأعظم الذي يبعث الانتعاش ويغذي النباتات والحيوانات والبشر سواء. بالإضافة إلى ذلك، فإن المياه ركيزة التخطيط الحضري والاستقرار، حيث ازدهرت العديد من الأماكن المهجورة واستعادت نبض الحياة بسبب وفرة المياه، في حين تلاشت أماكن أخرى مفعمة بالحيوية والنشاط إثر تضاؤل إمدادات المياه، لتفتر معها روح المكان.
الماء هو الجوهر الذي يدور حوله تاريخ البشرية. وقد بلغ تأثيره الأعمال الجماعية التي يشرف عليها السكان المحليون فكان في نفس الوقت مرجعًا تاريخيًا وطقسيًا بحتًا، وعنصرًا مهمًا ومتأصلًا يضمن بقاء البشرية. ظلت هذه حقيقة راسخة، لا سيما في منطقة الحوز، خلال عهد المرابطين. فيما تقتصر الوسائل الهندسية المبتكرة لتزويد السكان المحليين بالمياه الكافية على ما تمنحه الطبيعة من مصادر المياه أو ما توفره الوديان أو الأحواض الجوفية. وأثمرت الابتكارات عن طرق ذكية لإحضار المياه واستخدامها عند الحاجة، ومن أهم الأدوات والتقنيات الإبداعية نجد مستجمعات المياه (الخطارات)[1]. ظلت هذه التقنية أبرز النماذج المستخدمة وأكثرها إبداعًا في ظل الهندسة التقليدية، تقنية ساهمت في إدارة المياه بشكل سلس وفعال، فجعلت من الممكن معرفة آليات وسبل توجيه وتوزيع المياه الجوفية.
لطالما شكل تدفق ووفرة المياه عاملاً طبيعياً رئيسًا ساهم في تأسيس مدينة مراكش وازدهارها. ولحسن الحظـ فإن المدينة، ومنطقة الحوز بشكل عام، تزخر دائمًا بحوض جوفي واسع من المياه السطحية التي يمكن استخراجها بأقل مجهود بفضل نظام الخطارات. وتعتبر مستجمعات المياه المحيطة بمراكش بشكل خاص – ومنطقة الحوز بشكل عام – لاعبا محوريًا في النمو التاريخي والاقتصادي والاجتماعي للمنطقة. وفي هذا السياق، تقف المناظر الطبيعية الرائعة شاهدة على هذا الإرث الرمزي لتاريخ المنطقة.
وتعد مستجمعات المياه من بين التقنيات التقليدية التي تسعى إلى التكيف مع تغييرات الطبيعة وإلى مواكبة التكنولوجيا الحديثة. وتسمح هذه الأنظمة بتصنيف أحواض المياه الباطنية انطلاقا من عدة ميزات بارزة، وبالتالي مقارنتها وفقًا لتضاريس والموقع الجغرافي للمنطقة المعنية.
وبالحديث عن الموروث الثقافي، كانت نشأة مدينة مراكش خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر إنجازًا جوهريًا يرتبط بمرحلة مهمة تاريخيًا في ما يتعلق بتنظيم وإدارة الموارد المائية. وقد لعبت مدينة مراكش، مهد الثقافة والحضارة في جنوب المغرب، دورًا حاسمًا في ازدهار الحياة الاقتصادية بالبلاد. ومع أن تزويد المدينة بالمياه كان بمثابة تحدٍ منذ نشأتها، إلا أنه كان من الضروري ري البساتين والمراعي. دعت هذه الحاجة الماسة إلى تسريع وتيرة إدارة كميات كبيرة من المياه لتغطية احتياجات المدينة المتزايدة باستمرار، مع كون زراعة السقي النشاط الوحيد في منطقة الحوز. ولا ينجح هذا النوع من الري إلا إذا كانت المياه وفيرة وإذا استخدمت تقنيات الإدارة الأنسب والأكثر نجاعة في استخراج المياه الباطنية بحيث يمكن توزيعها بعد ذلك على مختلف الأراضي الزراعية.
فضلا عن ذلك، ارتبطت الخصائص الطبيعية والظروف الجوية القاسية التي تميز منطقة الحوز بوتيرة تطور الأنشطة الزراعية التي تعتمد على تقنيات فعالة تسهل استخراج المياه الجوفية. وفي هذا السياق، طوال قرون مضت وانقضت، استخدم سكان الحوز مهاراتهم المكتسبة للتزود بالمياه. وهكذا، تمكنوا من ري آلاف الهكتارات باستخدام أكبر عدد ممكن من الموارد المائية، العنصر الذي ما فتئ يشكل المادة الخام للاستمرارية. وكان السكان مضطرين للتنقيب عن المياه من ينابيع على سفوح جبال الأطلس، ثم نقله على بعد كيلومترات من الممرات الترابية. ومع ذلك، فإن المياه المنقولة بهذه الطريقة تكون دائمًا عرضة للتبخر بسبب ارتفاع الحرارة، لتضيع كميات كبيرة منها قبل وصولها إلى الحقول الزراعية. هكذا أثمرت هذه التحديات عن استخدام تقنيات معينة كانت تعرف في ذلك الوقت باسم السانية[2] أو الناعورة[3] لتلبية احتياجات السكان من المياه باستخدام السدم المفتوحة.
خلال نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، استخدمت طرق بارعة في الري لإمداد المياه، أساليب مرتبطة بنظام الخطارات لتجميع المياه، طرق يبدو أنها ساهمت بشكل كبير في ظهور الواحات في هذه المنطقة. وعقب ذلك، تغيرت خصائص وميزات الظروف والسلوكيات الاجتماعية تماشيًا مع تقلبات أنظمة إدارة المياه.
كلمة خطارة أصلها فعل عربي يفيد التذبذب والحركية. وبالتالي، لغويًا، فالخطارات هي امتداد للماء المتحرك، شأنها شأن الكلمات ذات الصلة كالسانيا (الجمل الناقل للماء)، أو الناعورة (الساقية)، أو الشادوف (آلة الري بالماء)[4]. أما اصطلاحًا، فالخطارة نفق طويل ومنتظم أو قبو يربط بين آبار المياه ومنابعها، الغرض منه تصريف المياه المحاصرة داخل السديم المفتوح وقاع الماء واستخراجها إلى سطح الأرض أو إلى نقاط الاستخدام حيث يشكل النفق نفسه مجرى مائيًا بمنحدر منتظم.
يقوم نظام أحواض المياه على تعبئة المياه الجوفية عبر ممر أو سرداب، مما يسمح بمرور المياه الجوفية باتجاه سطح الأرض. ويعتمد هذا النظام أيضا على استغلال أحواض المياه الجوفية عن طريق نقل المياه عبر “الأنفاق الباطنية” لتمر من طبقة عليا نحو طبقة سفلية باستغلال الانحدار الطبوغرافي في المنطقة. ويمكن النفق الجوفي من توفير التهوية الضرورية ويسمح بصيانة الخطارة من تراكم الرمل والطين نتيجة العواصف الرملية. تضم الخطارات ثلاثة أقسام رئيسية:
منطقة التغذية: تسمى أيضًا المدخل، وهي أولى الآبار العميقة بما فيها منابع المياه التي تغذي الخطارة؛
مجرى المياه: القنوات التي تمر عبرها المياه من أعلى مجرى باتجاه القاع؛ و
قنوات التوزيع: الشعاب الصغيرة والمصارف السطحية التي تفصل مساقط المياه عن الحقول والمزارع (انظر الرسم أدناه).
رسم توضيحي لنظام الخطارات تاريخ المجاري المائية في المغرب
بعد وصول الخطارات إلى المغرب، كونها أحد أبرز الأنظمة التقليدية لإدارة المياه، في عهد المرابطين، القرن السادس عشر الميلادي، انتشرت أحواض المياه الباطنية بشكل كبير في منطقة تافيلالت. وتلعب الخطارة دورًا رئيسيًا في ضمان استقرار حياة سكان القرى واستمرار أنشطتهم الزراعية، وبالتالي التعويض عن كل نقص محتمل في المياه.
يتكون الهيكل الداعم للمنظار أعلاه من أنابيب الصلب المجلفن، مع لمسة إضافية تضمن ثبات الرؤيا. تتم تغطية الهيكل بطبقة واقية بعيدة عن الأنظار. من أجل جرد العناصر والجذور والمكونات المختلفة للسينوغرافيا، يتم ختم عبوات البولسترين الموسع وألواح الألياف الزجاجية بالسيراميك لتمثيل التضاريس البسيطة.
وتبقى الأحواض الباطنية ذات أهمية بالغة اقتصاديًا واجتماعيًا، فلولاها لما نمت مدينة “مراكش” لما هي عليه، بحجمها الحالي ومرافقها الحضرية والدينية وحدائقها وبساتينها المترامية، ولولاها لما ازدهرت هذه المساحات الزراعية في بضواحي المدينة.
وتختلف الأهمية الاقتصادية والاجتماعية التي تلعبها مستجمعات المياه وصبيبها المتغير من مالك إلى آخر، ويعود ذلك إلى الإمدادات الكبيرة التي يتطلبها استغلال الخطارات وصيانتها بشكل دائم. فضلا عن ذلك، فمعظم الأحواض يقع ضمن ملكية الدولة. ومع ذلك، فقد تراجعت مساهمتها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي تراجعا كبيرا فيما يتعلق بالوضع الحالي لغالبية مستجمعات المياه: جف مخزون معظمها، وتدهورت حالة البعض الآخر بسبب عدم قدرتها على مواكبة تقنيات وأنظمة الري الحديثة.
حيازة الأحواض المائية وأثرها الاجتماعي والاقتصادي على منطقة الحوز
تعتبر ملكية مستجمعات المياه أحد العوامل الرئيسية التي تبرر تطورها واستمرارها أو تدهورها وزوالها. ونظرًا لارتفاع التكلفة المطلوبة لصيانتها، قد يتخلى الملاك عن هذه الأحواض بدعوى ارتفاع تكلفة حفظها. وهذا يعزز موجة الاختفاء التدريجي التي تشهدها الخطارات. يمكن جرد وأنواع ومنافذ الأحواض الباطنية كما يلي:
أحواض المياه القصيرة (أقل من 1 كلم) بصبيب تدفق لا يتجاوز 15 لترًا في الثانية. ويكون هذا النوع في الغالب ملك أفرادٍ أو مجموعات، ويستخدم بشكل أساسي لري الأراضي الخاصة؛
أحواض المياه المتوسطة (بين 1 إلى 4 كلم) بصبيب يتراوح بين 15 إلى 40 لتر في الثانية، ملك للأحباس[5]، ويتم استخدامها لتوفير المياه للمنشآت الدينية والأماكن العامة، إلى جانب ري الحدائق التي تقع ضمن ملكية الأوقاف. ومن الشائع أيضًا أن نجدها مملوكة للزوايا (سيد الزوين مثلا) بسبب حاجة هذه النقاط إلى تزويد الناس بالمياه خلال المهرجانات الموسمية؛ و
أحواض المياه الطويلة (التي تزيد عن 4 كلم) بصبيب مرتفع يتجاوز 40 لترًا في الثانية، وعادة ما تكون مملوكة للدولة. وتقوم الشركات المشرفة على قطاع أحواض المياه الباطنية (مثل كوماكري، الشركة المغربية لاستغلال الأراضي الزراعية) باستغلال المجمعات لري أراضيها. إضافة إلى ذلك، يحق للإدارات العامة، مثل المكتب الوطني للماء الصالح للشرب، استخدامها لمصالح المدينة.
لا تزال نسبة كبيرة من أحواض المياه تحت الملكية الخاصة: ملكية عائلية أو مشتركة بين مجموعة من الساكنة، وتشكل ما يعرف باسم “القرية”. ويرجع ذلك إلى حقيقة أن عملية استغلال الخطارات هي في حد ذاتها عملية صعبة ومضنية تتطلب وقتًا وموارد كثيرة، الشيء الذي يستدعي تظافر الجهود البشرية والجماعية على طول موقع مستجمعات المياه. وعلى الرغم من أنها تمثل أربعة وثلاثين في المائة من منطقة الحوز، تتميز معظم الخطارات الجماعية بصبيب ضعيف لا يتجاوز 15 لتر في الثانية، بينما تصل حصة الأحباس إلى اثني عشر في المائة من إجمالي أحواض المياه في الحوز، مثل خطارات عيون مولاي إبراهيم. وفي المقابل، لا تمتلك الدولة أكثر من أربعة في المائة من إجمالي أحواض منطقة الحوز، وهي نسبة تتوافق مع جزء الإنتاج الأطول والأعلى صبيبًا، مثل حدائق المنارة الكبرى.
في الصورة: طوبوغرافيون تقليديون (خطاطريا) أثناء حفر الأحواض المائية.
المصدر: مقتبس من مقطع فيديو أعده الباحث الجغرافي تييري روف حول المتحف
وأشار الدكتور مصطفي عيشان، أستاذ الجغرافيا بجامعة القاضي عياض مراكش، ومتطوع برنامج من فلاح إلى فلاح التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، في مقابلة دارت حول الموضوع إلى ما يلي: “لقد نشأت وترعرعت في مراكش، وجبت شوارع القصبة، أحد أقدم أحياء المدينة، منذ فترة كانت فيها الخطارة هي المصدر الوحيد للمياه الصالحة للشرب وللأنشطة الزراعية، وما زلت أتذكر عمق وطول الحوض الباطني ذاك، ممتد إلى أبعاد أشبه بالدور الذي كان يلعبه في تطوير الحياة الاقتصادية والاجتماعية لآبائي وأجدادي في تلك الحقبة. الخطارات إذا أكثر من مجرد تقنية تهدف إلى تعبئة الموارد المائية، لقد ساهمت كثيرًا في استدامة ثقافة واقتصاد الواحات. ورسالتي الوحيدة للشباب هي: ابحثوا بصدق وجدية عن الكنوز التي صنعها وطورها عصر الأجداد العباقرة. فهذا هو مفتاح الحفاظ عليها وإعطائها القيمة الحقيقية التي تستحق، تخليدًا لذكرى ومجهودات أجدادنا “.
في ضوء ما سبق يتضح أن الخطارات تراث تاريخي مهم، وكنز بيئي موجود الآن في معروضات متحف محمد السادس لحضارة الماء (أمان). وتحظى هذه الأخيرة بتقدير واهتمام كبيرين من مختلف الفئات العامة (الباحثون، الطلاب، والسياح …)، اعترافا منهم بالتقنية التي ساعدت في صنع الواحات والحفاظ على رونقها وتكاملها. وقد لعبت أيضًا دورًا رئيسًا في إدارة موارد المياه الجوفية. فهذا المقال ليس إلا دعوة موجهة إلى جيل الشباب لإحياء هذا التراث المغربي بشتى الطرق والمناهج:
توعية الشباب والسياح الأجانب بالأهمية البيئية لنظام الخطارات
خلق برنامج لتأهيل أحواض المياه
إعادة تأهيل أنظمة الري التقليدية القائمة على الخطارات لضمان استدامتها
إعطاء قيمة لهذا التراث حرصًا على استدامته.
أمر التغيير، قرار بسيط بين أيدينا.
[1] قناة الري أو الفقارة (كاريز) عبارة عن قناة تحت الأرض بانحدار طفيف لنقل المياه من طبقة المياه الجوفية أو آبار المياه إلى السطح للري والشرب، وتعمل كقناة ناقلة للثروات الباطنية.
[2] تقنية كانت تستخدم في الماضي لاستخراج المياه من الآبار العميقة.
[3] العجلة المائية، آلة تحول طاقة المياه المتدفقة أو المتساقطة إلى أشكال أخرى مفيدة من الطاقة، غالبًا في ما تستغل كطاحونة مائية. وتتكون هذه الآلة من عجلة، بها عدد من الشفرات أو الدلاء مرتبة على الحافة الخارجية لتشكيل نظاما يكتسب قوة من تدفق المياه.
[4] آلة لاستخراج مياه الري تم اختراعها في مصر القديمة (عصر الفراعنة)، حيث استخدمه قدماء المصريين في الري عبر نقل المياه من المناطق المنخفضة إلى المرتفعة. [5] بمعنى وقف منفعة الشيء مادامت قائمة في يد من يعطيها، حتى لو كانت المنفعة متوخاة.
نستخدم في كواليس اليوم ملفات cookies للتأكد من أننا نقدم لك أفضل تجربة على موقعنا. إذا واصلت استخدام هذا الموقع ، فسوف نفترض أنك موافق على ذلك تبعا لقوانين GDPR سياسة الخصوصية