قراءة في حدث.. قضية بعيوي والناصري تجسد الإرادة الصلبة للدولة المغربية في مكافحة جرائم الفساد المالي

قررت النيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء، في الساعات الأولى من صباح اليوم الجمعة، متابعة 25 شخصا من بينهم سعيد الناصيري رئيس نادي الوداد الرياضي لكرة القدم، وعبد النبي بعيوي رئيس جهة الشرق، بعد أبحاث معمقة استمرت عدة شهور لدى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، على خلفية ما بات يعرف بـ”قضية بارون المخدرات المالي” أو ”إسكوبار الصحراء”.
وبعد مثول المتهمين أمام قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف، بناء على مطالبة بالاعتقال من طرف الوكيل العام للملك، تقررت متابعة جميع المتهمين وإيداعهم رهن الاعتقال الاحتياطي في سجن عكاشة، في انتظار إنجاز تحقيق تفصيلي معهم، قبل عرضهم على المحاكمة.
كان هذا خبرا موجزا ومقتضبا لتفاصيل هذه القضية التي بات القاصي والداني على اطلاع وإلمام بخباياها وخفاياها، لكن النقطة الأهم في كل هذا، وهي تسجيل إرادة صلبة وقوية لدى الدولة المغربية، تجسد تحولا جذريا لسلطات المملكة المغربية، في مكافحة جرائم الفساد المالي والإداري واستغلال الصفات والنفوذ في ارتكاب جرائم تقع تحت طائلة القانون الجنائي المغربي، ولا يمكن غض الطرف عنها أو تجاوزها من طرف الدولة المغربية، تحت أي ظرف من الظروف، أو أي اعتبار من الاعتبارات.
ما وقع في قضية بعيوي رئيس جهة الشرق، وشقيقه، رئيس الجماعة، والناصيري، رئيس فرق الوداد والبرلماني وصاحب العديد من الألقاب السياحية والقيادي في حزب البام، وأكثر من 20 شخصا آخر، هو دليل قوي على وجود إرادة راسخة للدولة المغربية في تطهير البلاد من الفاسدين، وما على هؤلاء الفاسدين وأمثالهم، إلا أن يستعدوا للمساءلة القانونية، وهذا أمر بديهي، في ظل الإرادة الصادقة والحقيقية لمكافحة الفساد والقضاء على رموزه.
والواقع أنها ليست القضية الأولى ولا والأخيرة، إذ يأتي تفكيك هذه الشبكة الإجرامية وإحالتها على العدالة، في ظرفية اتسمت بمتابعة واعتقال العشرات من الشخصيات السياسية، من مؤسسات عمومية، وأجهزة أمنية، ومؤسسات سياسية منتخبة، ورجال أعمال، وغيرهم، وكل من يثبت تورطه في ارتكاب أي أفعال خارج القانون، في تكريس واضح للمبدأ المنصوص عليه في الوثيقة الدستورية، وهو سواسية جميع المغاربة أمام القانون، والقانون فوق الجميع.
هناك نقطة أخرى جديرة بالاهتمام، وهي الموقف الذي أبداه حزب الأصالة والمعاصرة، الذي لم يحاول التجييش أو الدفاع عن أعضائه مثلما كان يقع سابقا، ولم يرفع شعار “لن نسلمكم أخانا” مثلما فعل حزب العدالة والتنمية سابقا في قضية عبد العالي حامي الدين، وهي مسألة محمودة يجب تسجيل إيجابيتها في مساهمة الأحزاب في تكريس دولة الحق والقانون.
أما الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، التي راكمت تجارب مهمة في العشرات من القضايا المماثلة، فإن تكليفها بهذا الملف، يؤكد احترام الاختصاص في الجرائم المتسمة بالغموض والتعقيد، ونجاح هذا الجهاز الأمني التابع للمديرية العامة للأمن الوطني في فك طلاسم القضية، هو دليل آخر على الثورة الكبرى التي تعرفها المصالح الأمنية المغربية، ودورها الكبير، في ضمان النجاعة القضائية، وإرساء مبادئ الإنصاف والعدالة الجنائية، وهو الحلم الذي كان يتطلع إليه جميع المغاربة بمختلف تشكيلاتهم وحساسياتهم وانتماءاتهم الاجتماعية والمهنية والطبقية، ألا وهو تكريس دولة الحق والقانون.




