التربية على القيم من خلال كتاب “صدى الذاكرة ” للكاتبة عائشة ليوسي

 

لا يخفى على أي منا أن موضوع التربية على القيم يعد أحد المرتكزات الأساس للحياة الإنسانية في شقيها الفردي و الاجتماعي ، و هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها المدرسة و الأسرة ووسائل الإعلام ، و جميع المؤسسات ذات الوظائف المرتبطة بالتربية ، و كما هو معلوم أن المجلس الأعلى للتربية و التكوين و البحث العلمي عرف التربية على القيم في تقريره الصادر في يناير 2017 على أنها رافعة أساسية لتنمية و تأهيل الرأسمال البشري ، كما أضاف على أنها تشكل مكونا مهيكلا لبنية وظائف المدرسة و لاسيما وظيفتها المتعلقة بالتنشئة الاجتماعية و التربية و التثقيف عن طريق الممارسة و القدوة ، كل هذا الكلام يقودنا الى اعتبار مدخل التربية على القيم من صميم وظائف المدرسة و هي كذلك أحد المداخل الكبرى و الأساس للتكوين، إنها من أهم القضايا التي شغلت النموذج التنموي بمختلف تشكلاته و عبر جميع مراحل الإصلاح لأنها هي الهدف و الغاية من أي عملية تعليمية تعلمية .


يقول الشيخ رفاعة الطهطاوي معرفا التربية بأنها ” هي التي تبني خلق الطفل على ما يليق بالمجتمع الفاضل و تنمي فيه جميع الفضائل التي تصونه من الرذائل و تمكنه من مجاوزة ذاته للتعاون مع أقرانه على فعل الخير ” و الكاتبة عائشة ليوسي طرحت هذا المدخل في عملها الموسوم ب “صدى الذاكرة “فالقارئ أو الدارس لهذا المنجز الأدبي سيجد معجما قيميا مهيمنا ربما لا توجد صفحة تخلو من إشارة صريحة أو ضمنية للتربية على القيم و نذكر منه مايلي : كفاءة ،الجدية ، التواضع ،التثمين ،التقاسم ، سخاء عاطفي ،نبل رسالة ،أهداف نبيلة ،قلوب طيبة ،ثقافة العطاء، الكرم ، المسؤولية ،الثناء، نكران الذات، ثقافة الاعتراف ، ثقافة الامتنان و التثمين ، حسن المعاملة ، القيم الكونية ،الاحترام ،تحفيز ، تفاؤل ،التعلم ،العرفان ، الصبر ، قوة الشخصية، الالتزام بمواعيد العمل ، …..و لعل القارئ سيطلع على حجم المشاعر و الأحاسيس الجياشة من الكاتبة و الساردة ،خاصة مشاعر الحب ، حب الأب و الأم و حب المهنة، و هنا نقف مع الساردة في الصفحة 77 حيث تقول : ” كانت عائشة شغوفة و محبة لمهنتها بلغ حد الهيام ” إن هذا التعبير وحده كاف للتأكيد على ولع عائشة بمهنة التدريس تربية و تعليما و تأطيرا.
كم جميل هذا الزخم من معجم الحب !
* شغوفة / شغف
* محبة / محبة و حب
* تعشقها / عشق
* الهيام
و هي كلها مراتب في الحب ، فلا غرو إن كانت عائشة تدافع عن هذه المهنة الشريفة بهذه الشراسة في صفحات ” صدى الذاكرة ” .
إنها رباعية الحب : شغف ، حب ، عشق ، هيام بمهمة التدريس ، مهنة ترتبط بصناعة الإنسان ، بصناعة قيمه و مبادئه ، فالمعلم يترك أثره و تأثيره على متعلميه ، إنه يبني قادة المستقبل و يلهمهم مهارات حياتية ، إنها مهنة لا تكتفي بعملية نقل العلوم و المعارف إلى المتعلمين و تهيئة الظروف المناسبة لها فحسب ، بل تتصل بمهمات أكثر تعقيدا حيث تحقيق النمو النفسي و السوسيو اقتصادي للمجتمع .تقول الكاتبة في ص : 74
“المعلم هو مرب و معلم في آن واحد ، فعلى عاتقه تقع مسؤولية تعلم التلاميذ و المساهمة في تنشئتهم تنشئة اجتماعية سليمة ”
إن الكاتبة طرحت في كتابها تلك العلاقة بين المدرس و متعلميه لتؤكد على قوة التعاقد الإنساني و البيداغوجي بينهما ، كما أنها أشارت إلى القيم الإيجابية بين زملاء العمل داعية إلى أهمية العمل في فريق تربوي ، مبينة تجربتها خلال سنوات عملها مؤطرة ،تجربة جذورها الضمير المهني و فروعها الأخلاق و نكران الذات و روح العمل و المبادرة و ثمارها التألق و النجاح و التميز ،تجربة كان يغذيها الشغف و الحب ، تقول الكاتبة في ص :55 ” ليس بإمكان الجميع النجاح في مهمة التدريس إلا من ذاق قلبه عشق هذه الرسالة النبيلة المقدسة و ذاق حب فلذات أكبادنا المتعطشة للعلم و المعرفة “.
إن الكاتبة آمنت بنبل الرسالة فانعكس ذلك على عملها فغدا متعة ، لا ملل فيها و لا ضجر، متعة إن غابت لاشك سيحضر الألم ، ألم بكل مظاهره فتكون ساعات العمل جحيما لا يطاق ، و لقد أشارت في هذا السياق في ص: 62 ” لقد أفرغت مدارسنا من هذه القيم و جعلنا من تلامذتنا و بعض أساتذتنا روبوهات لا تبتكر ، لا تحس بمن حولها ، لا تجدد ، عمياء ، بكماء، صماء لكل ماهو إنساني و روحي …” .
إن الباحث في التربية على القيم سيصادف في سبيله الكثير من التعاريف لأنه مفهوم ينهل من مجالات و روافد معرفية متعددة ، و باعتبارنا مشتغلين بالحقل التربوي ، فقد ألفينا هذا المدخل حاضرا في المنهاج التربوي المغربي و بقوة ، فالبعد القيمي مدرج و مدمج في جميع الكتب المدرسية و في جميع المراحل التعليمية، و الأستاذة عائشة ليوسي تسائل في هذا الكتاب القارئ و المتتبع للشأن التربوي :” لماذا وصلنا إلى هذا المستوى من التجرد من أسس التربية ….”.ص 71، إنها متأكدة أن العلاقة بين التربية و القيم علاقة تكامل و ترابط ، إنهما لا ينفصلان ، هما وجهان لعملة نقدية ، فالتربية على القيم عند الكاتبة ليوسي مبثوثة في كل صفحات ” صدى الذاكرة ” .
لا ننسى أيضا دعوتها إلى إعادة النظر في شروط اختيار المدرسين الذين تلقى لهم أقدس و أنبل رسالة .
و يبقى” صدى الذاكرة ” كتابا و مرجعا في أدب السيرة الذاتية و مرجعا تربويا في علوم التربية المستقاة ليس من النظريات بل من الواقع و من التجربة التي عاشتها الساردة خلال اثنين و أربعين سنة داخل المنظومة التربوية أستاذة لمادة اللغة الفرنسية و مفتشة و مؤطرة تربوية .
كتاب مرجع في سوسيولوجيا التربية لأنه استطاع أن يسلط الضوء على مجموعة من القضايا التربوية على المستوى العلائقي و الديداكتيكي .

الأستاذة مينة الحدادي، رئيسة فرع اشتوكة أيت باها لرابطة كاتبات المغرب


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني