في مشهد قانوني، يثير استغراب خبراء القانون الدولي، وامتعاض منظري العلاقات الدولية، تصدر محكمة العدل الأوروبية قرارا جديدا حول اتفاقية الصيد البحري بين الاتحاد الأوروبي والمغرب، وتقدم رؤية غريبة وعجيبة تعيش بإديولوجيات الزمن الغابر، وربما مستمدة من معين ما تبقى من دنانير غاز الجارة الشقيقة.
المشهد كما لو أن المحكمة تتفنن في تجديد السرديات البالية، تقول إن الصحراء ليست مغربية من منظورها القانوني، وأن هذه الاتفاقيات – التي تمت على مرأى ومسمع من الجميع – لا يجب أن تشمل صحراء المغرب.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كانت المحكمة، في لحظة إلهام قانوني غير مسبوق، تعتقد أن الأسماك في المياه الأطلسية ستسأل عن الحدود الجغرافية قبل أن تقع في شباك الصيادين الأوروبيين؟
أي استشارة تبحث عنها المحكمة بينما السكان في الصحراء يشاركون بفعالية في الانتخابات المغربية، بل أعلى نسب المشاركة الوطنية تسجل في جنوب المملكة، ويتمتعون بكافة حقوقهم السياسية؟ أم أنها تقصد سؤال الأسماك، ودعوتها لاستفتاء شعبي لتحديد ما إذا كانت ستذهب إلى الشباك الأوروبية أم تريد الشباك الجزائرية؟
المغرب، وهي عقيدة راسخة عند الملك والشعب، لا ينفك عن التأكيد، عن مغربية الصحراء، ليس فقط على الخرائط، بل في قلوب وعقول سكانها، ولن يتنازلوا عن حبة رمل من أرضهم، وهذا ليس خطاب عاطفة بل هو خطاب عقيدة راسخة، لا تقبل المساومة، وهو أول الدفوع القانونية، التي تتحدث لغة الانتماء وشرعية الأرض والوطن.
وفي الوقت الذي تستمر فيه بعض عقليات أوروبا، بماضيها الاستعماري، في ممارسة دور المعلم الذي يُلقن الدروس، تتناسى أن المغرب يقدم حلا سياسيا متقدما، أشاد به عقلاء السياسة الدولية، وهو مبادرة الحكم الذاتي، ولكن يبدو أن المحكمة الأوروبية تُفضل العيش في الماضي، حيث تظل بوصلاتها عالقة في سرديات الاستعمار.
يبدو أن بعض أعضاء محكمة العدل الأوروبية، قرروا الانغماس في متاهات قانونية معقدة، متجاهلة الواقع العملي الذي يتجاوز تلك الأحكام النظرية، فكيف لأعضاء محكمة بعيدة، تجلس في قاعاتها الفاخرة في أوروبا، أن تفصل في شؤون إقليم غني بالموارد ويحظى باستثمار وتنمية حقيقية على أرض الواقع؟ هل زارت الأقاليم الجنوبية للمملكة واطلعت على ملموس عائدات الاتفاقية؟ هل تعلم بمسار التنمية بهذه الأقاليم؟
والسؤال المعقد الذي يجب لأصحاب هذا القرار الغريب الجواب عنه؛ هل يعلمون حقيقة الذين تسميهم المطالبين بتقرير المصير، أولئك الذين يتلقون تعليماتهم من ثكنات شنقريحة؟ هل يعلمون ارتباطهم بالتنظيمات الإرهابية التي أنهكت دول المنطقة؟
لنترك المحكمة تستمتع بدورها في هذا المشهد، بينما الواقع على الأرض يحكي قصة أخرى، قصة تنمية حقيقية ومستقبل واعد تحت السيادة المغربية، أما أوروبا، فهي بالتأكيد تعرف جيدًا أن المغرب شريك لا غنى عنه، سواء اتفق الصيادون أم اختلفت أسماك الأطلسي…!
من المهم التأكيد على أن المغرب يرى أن الصحراء المغربية هي جزء لا يتجزأ من أراضيه بناءً على روابط تاريخية وسياسية طويلة الأمد، فالمغرب استعاد سيادته على الصحراء في عام 1975 بعد رحيل الاستعمار الإسباني، وفقًا لاتفاقية مدريد الثلاثية التي تم توقيعها بين المغرب وإسبانيا وموريتانيا، كما أن المغرب يعمل على تنمية المنطقة عبر برامج استثمارية واسعة النطاق لتحسين مستوى المعيشة لسكان الأقاليم الجنوبية.
وردًا على قرار المحكمة بشأن بطلان الاتفاقيات، يجب التأكيد على أن التعاون بين المغرب والاتحاد الأوروبي يخضع لمبدأ “احترام السيادة الوطنية”، فالاتفاقيات التي تشمل الأقاليم الجنوبية تهدف إلى تعزيز التنمية في هذه المناطق وتأتي في إطار شراكة شاملة ومستمرة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، والمغرب مستعد لمواصلة الحوار البناء مع الاتحاد الأوروبي والشراكة المثمرة، بما يتماشى مع مصالح جميع الأطراف.







