إلى السيد هشام بلاوي: الاتجار بالأطفال جريمة موثقة في شوارع المملكة.. فهل تتدخل النيابة العامة؟

 

الرباط: كواليس

في مشهد يدمي القلب ويثير الغضب في آن واحد، تتكرر يوميا صور مأساوية لأطفال قُصر، من عمر بضعة شهور، يستغلون في الشوارع من طرف شبكات منظمة أو أولياء لا يملكون ذرة وازع أخلاقي أو إنساني، في عمليات تسول ممنهجة أمام إشارات المرور، وعلى أبواب الأسواق، وبالقرب من المقاهي، دون أي تدخل فعال من الجهات المختصة.

مدير نشر جريدة “كواليس” رصد خلال الأيام الأخيرة، فقط في محيط الرباط وسلا، العشرات من الحالات التي تدل على وجود استغلال ممنهج للأطفال، بعضهم يستعمل كدرع بشري لاستدرار الشفقة، وآخرون يدفعون للبكاء أو النوم على الأرصفة في مشاهد تمثيلية قاسية تلامس الإجرام.

أطفال رضع، وأحيانا توائم، يستغلون طيلة النهار تحت الشمس الحارقة، أو وسط برد الليل القارس، دون رعاية أو حماية، فقط لتحقيق أرباح للبالغين الذين يراقبونهم عن بعد، أو يحملونهم بين أيديهم في مشاهد مؤلمة للغاية.

المثير للقلق أن هذه الظاهرة أصبحت عادية في العاصمة الإدارية للمملكة ونواحيها، مما يفسح المجال للحديث عن عجز تشريعي أو تنفيذي عن التصدي لها، أو ربما استهانة جماعية بما يعد في الواقع جريمة مكتملة الأركان تندرج ضمن خانة الاتجار بالبشر وفق المواثيق الدولية.

والأخطر أن المغرب يستعد لاحتضان تظاهرات رياضية كبرى على رأسها كأس إفريقيا للأمم وكأس العالم 2030، وهو ما يستوجب الظهور بمظهر بلد يحمي أطفاله ويصون كرامة الإنسان، لا أن يصدم الزوار والمراقبون بمشاهد تسيء إلى صورة البلاد في الخارج، وتناقض الجهود الملكية الرامية إلى تحسين وضعية الطفولة ومواجهة الهشاشة الاجتماعية.

لا يعقل أن يرفع شعار “المغرب بلد الكرامة” في وقت يرمى فيه الأطفال إلى قارعة الطريق، يستغلون كما تستغل السلع، في تجارة تدر أرباحا على حساب أجسادهم ونفسياتهم ومستقبلهم.

المطلوب اليوم، ليس فقط الارتكان إلى التقارير الرسمية، بل التدخل الميداني الفوري من طرف وزارة الداخلية، النيابة العامة، الأمن الوطني، الدرك الملكي، ومجالس الجماعات الترابية. بل المطلوب أكثر من ذلك هو تحريك حملات تطهير شاملة، تفكيك الشبكات، وضع الأطفال تحت الرعاية القانونية الفورية، ومتابعة المتورطين في هذه الأفعال الخطيرة أمام القضاء بتهم الاتجار بالبشر واستغلال القاصرين، والحكم عليهم بأقصى العقوبات.

السكوت عن هذه الجرائم سيجعل منا جميعا شركاء بالصمت، وسيحول الشوارع المغربية إلى فضاءات مفتوحة للعبث والإهانة والوصمة الدولية.

لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكار أن المغرب قد خطا خطوات متقدمة في مجال حماية الطفولة، من خلال مصادقته على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تجرم الاتجار بالبشر وتلزم الدولة بحماية الأطفال من كل أشكال الاستغلال. كما أن السلطات المغربية، وفي مقدمتها النيابة العامة، ما فتئت تعبر عن التزامها الجاد بتفعيل هذه الالتزامات على أرض الواقع، من خلال إصدار دوريات وتوصيات تُشدد على ضرورة حماية القاصرين ومتابعة المتورطين في الاعتداء على حقوقهم.

لكن، وللأسف الشديد، فإن ما نراه اليوم في الشارع يتطلب ما هو أكثر من التوصيات، إذ أن مجرد تعميق البحث في هذه الظاهرة من قبل النيابة العامة كفيل بكشف فواجع حقيقية تفوق كل التوقعات، سواء من حيث عدد الضحايا أو الجهات المستفيدة من هذا الاستغلال.

اليوم هناك حاجة ملحة إلى إعمال القانون بقوة، لاجتثاث هذه الجريمة من جذورها، حفاظا على صورة المغرب، وكرامة أطفاله، ومستقبل أجياله.

بقلم: محمد البودالي

 

 

 

 

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني