الرباط: كواليس
في مشهد يوجع الضمير قبل القلب، يعيش سكان دوار أولاد عبادي بجماعة النخيلة نواحي سطات واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية في السنوات الأخيرة.
الناس هناك لا يبحثون عن رفاهية، بل عن جرعة ماء تسد رمقهم ورمق مواشيهم، بعدما جفّت الآبار وانعدمت الموارد، وتحولت الأرض الخصبة إلى بيداء عطشى، بينما من بيدهم القرار غارقون في صمتٍ مريب.
الأزمة لم تعد موسمية، بل كارثة متواصلة. السكان، أغلبهم من فلاحين صغار يعيشون على الزراعة المعاشية وتربية الماشية، وجدوا أنفسهم في مواجهة العطش بعدما جفت الآبار التقليدية وانخفض منسوب المياه الجوفية بشكل حاد.
في المقابل، ما زال أباطرة الأراضي والنافذون في المنطقة يستفيدون من صهاريج خاصة وآبار عميقة، يستخرجون منها الماء لتأمين ضيعاتهم الفلاحية ومشاريعهم الخاصة، تاركين باقي السكان في طوابير طويلة ينتظرون قنينة ماء أو صهريج متنقل يأتي متى شاء وغاب متى شاء.
هذا الأسبوع، اضطر عدد من أهالي الدوار إلى الخروج مشياً على الأقدام لمسافات طويلة نحو مناطق مجاورة بحثاً عن مياه الشرب، بعدما نفدت كل مخزوناتهم المنزلية، تاركين وراءهم مواشيهم تموت عطشاً تحت شمس قاسية.
البعض حمل الدلاء والبراميل على العربات التقليدية، والبعض الآخر لجأ إلى اقتناء مياه صالحة للشرب بأسعار مرتفعة لا يطيقها فلاح فقير بالكاد يملك قوت يومه.
المشكلة لم تتوقف عند العطش البشري، بل امتدت إلى الحقول الزراعية التي تهددها الهلكة. فالموسم الفلاحي الجديد بدأ وسط شحّ حاد في الأمطار، ومع غياب السقي، أصبحت المزروعات مهددة باليباس الكامل. ومع ذلك، المنتخبون غائبون، والجهات المسؤولة تلتزم الصمت، وكأن معاناة هؤلاء السكان لا تعني أحداً.
سكان أولاد عبادي يصفون وضعهم اليوم بـ“المأساوي”. لا مياه للشرب، لا دعم فلاحي، ولا خطط استعجالية لتأمين التزويد. الوعود كثيرة، والنتائج منعدمة، أما الواقع فينطق بالعجز والإهمال.
فهل يُعقل أن يعيش مغاربة في 2025 بهذا الشكل من العطش، بينما حكومة أخنوش تتحدث عن مشاريع كبرى لتحلية مياه البحر وخطط وطنية للماء؟
لقد آن الأوان أن يُرفع الصوت عالياً: ما يحدث في دوار أولاد عبادي ليس مجرد نقص في الماء، بل فشل في الإنصاف الترابي. هي مأساة بشرية بكل المقاييس، تُعرّي غياب العدالة المائية، وتفضح سياسة تدبير ارتجالية تُنصف الأغنياء وتترك الفقراء يواجهون العطش والموت بصمت.
المطلوب اليوم تدخل عاجل من الجهات المحلية والإقليمية والمركزية لوضع حد لهذه الكارثة، وتزويد المنطقة بصهاريج الماء الصالح للشرب، وإطلاق مشاريع حفر آبار جديدة أو ربط الدواوير المجاورة بشبكة توزيع عمومية. لأن استمرار الوضع بهذا الشكل يعني ببساطة ترك مواطنين مغاربة يواجهون الموت عطشاً في صمتٍ مريع.



