برعلا زكريا
يدشن المغرب اليوم الأربعاء 14 يناير مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث عبر التنزيل الفعلي للقرار الملكي القاضي بإقرار رأس السنة الأمازيغية عطلة وطنية رسمية مؤدى عنها، في خطوة تنهي عقودا من السجال السياسي وتضع حدا لمحاولات الركوب الإيديولوجي على مكون الهوية الوطنية، فالقرار الذي وجهه الملك محمد السادس إلى رئيس الحكومة يأتي تتويجا لمسار انطلق منذ خطاب أجدير سنة 2001 ومرورا بدسترة الأمازيغية سنة 2011 في الفصل الخامس من الدستور وصولا إلى إصدار القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، مما يجعل الدولة المغربية تتصالح كليا مع عمقها التاريخي دون عقد أو حسابات ضيقة.
يستقبل المغاربة السنة الأمازيغية الجديدة 2976 وفق تقويم عريق يرتبط ارتباطا عضويا بالأرض والدورة الفلاحية ويعود تاريخه إلى انتصار الملك الأمازيغي شيشنق على الفراعنة وتأسيسه للأسرة الثانية والعشرين في مصر القديمة، وهو تقويم يختلف عن التقويمين الميلادي والهجري بكونه نتاجا محليا خالصا لشمال إفريقيا يعكس عبقرية الإنسان الأمازيغي في ضبط المواسم الزراعية وتنظيم المجتمع، ويأتي ترسيم هذا اليوم ليعيد الاعتبار للبعد الأنثروبولوجي والتاريخي للمملكة ويؤكد أن الهوية المغربية ليست وافدة بل متجذرة في التربة منذ آلاف السنين.
تكمن قوة النموذج المغربي واستقراره الاستثنائي في المنطقة في قدرة المؤسسة الملكية على استيعاب الروافد المختلفة وصهرها في بوتقة وطنية واحدة، فبينما فشلت دول الجوار في تدبير التنوع العرقي واللغوي وحولته إلى مادة للنزاع والانفصال نجح المغرب بفضل مؤسسة إمارة المؤمنين في تحويل التعدد إلى عامل قوة وتماسك، فالملك بصفته رئيسا للدولة وممثلا أسمى للأمة يضمن حقوق الجميع ويقف على مسافة واحدة من كل المكونات، مما يقطع الطريق على دعاة الفتنة وتجار التجزئة الذين يراهنون على الورقة العرقية لضرب استقرار الدول.
القرار الملكي يحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الاحتفال الفلكلوري فهو تحصين للجبهة الداخلية ضد الاختراق الأجنبي وسحب للبساط من تحت أقدام المنظمات الدولية والجهات المعادية التي دأبت على توظيف ملف الأقليات لابتزاز الدول، فالمغرب بقراره السيادي يثبت أنه دولة مكتملة الأركان لا تحتاج لدروس من الخارج في مجال الحقوق الثقافية، كما أن الاعتراف الرسمي يدمج الأمازيغية في الدورة الاقتصادية والإدارية للدولة وينقلها من الفضاء الشفهي إلى الفضاء المؤسساتي، مما يعزز الشعور بالانتماء لدى كافة شرائح المجتمع.
إن الاحتفال برأس السنة الأمازيغية في ظل وضع إقليمي مضطرب هو رسالة سياسية بليغة تؤكد متانة الجدار المغربي، فالاستقرار الذي تنعم به المملكة ليس وليد الصدفة بل هو نتاج تراكم تاريخي وتلاحم بين العرش والشعب وتدبير ملكي استباقي يسحب الفتيل قبل اشتعاله، وهذا ما يجعل المغرب استثناء في محيط يغلي حيث أثبتت الوقائع أن الدول التي تتصالح مع تاريخها وتحترم ذكاء شعوبها هي وحدها القادرة على الصمود في وجه العواصف الجيوسياسية المتلاحقة.


