ردا على بلاغ الاتحاد السنغالي: سلامة المشجع الإفريقي فوق كل اعتبار تنظيمي

 

أثار البلاغ الأخير الصادر عن الاتحاد السنغالي لكرة القدم، بخصوص ظروف وصول منتخب “أسود التيرانغا” إلى محطة الرباط أكدال عبر “قطار البراق”، موجة من التساؤلات حول خلفيات هذا الارتباك في الفهم والتأويل.

فالقارئ الهادئ لتفاصيل الواقعة يدرك أن انتقاد الإجراءات التنظيمية والأمنية التي رافقت خروج الوفد نحو منطقة الصخيرات، يغفل عمداً جوهر المقاربة المغربية التي فضلت سلامة الإنسان وكرامة المشجع السنغالي على الصرامة الأمنية الجافة.

وما يحتاج “إخواننا” في الاتحاد السنغالي استيعابه، هو أن ما حدث في بوابة المحطة كان نتيجة مباشرة لخطوة غير مفهومة من طرفهم، حين قاموا بإعلان موعد وتوقيت رحلة “البراق” لجماهيرهم، وهي دعوة صريحة ومفتوحة لآلاف السنغاليين المقيمين بالمغرب للحج بكثافة، دون تنسيق مسبق كافٍ لاستيعاب هذا الزخم البشري الهائل في نقطة جغرافية محددة.

وأمام هذا التكدس الجماهيري العفوي، أبانت السلطات الأمنية المغربية عن وعي حقوقي وحضاري رفيع، حيث رفضت بشكل قاطع اللجوء للأساليب الحازمة أو القوة لتفريق المتجمهرين وتأمين ممر سريع للاعبين.

لقد اختار الأمن المغربي بوعي تام تدبير التدافع بمرونة عالية، آثراً الحفاظ على سلامة الجماهير السنغالية التي جاءت للتعبير عن حبها لمنتخبها، وتفادي أي احتكاك قد يفسد عرس الاستقبال. إن هذه الواقعة هي أبلغ رد على من يجهل عقيدة المؤسسة الأمنية المغربية القائمة على “الأمن الإنساني” والاحترام المتبادل، وهي العقيدة التي يشهد بها الواقع قبل المنظمات الدولية؛ فالمملكة لم يسبق لها نهج أسلوب العنف في التعامل مع الأفارقة جنوب الصحراء، حتى في أصعب الظروف المرتبطة بالهجرة غير النظامية، فكيف لها أن تستخدمها ضد مشجعين وضيوف كرام؟

إن التدفق الكبير للجماهير، الذي تعزز بآلاف المشجعين القادمين من دكار مستفيدين من اتفاقية الإعفاء من التأشيرة التاريخية بين البلدين، خلق ضغطاً بشرياً نابعاً من ثقافة احتفالية سنغالية تتميز بالشغف، وهي عفوية لا يمكن للمغرب أن يواجهها بالقمع أو “الهراوات”. فالمقاربة المغربية تضع كرامة المواطن الإفريقي فوق أي بروتوكول تنظيمي جامد، وهو ما يعكس قيم “تمغربيت” التي تنتصر للإنسان أولاً وأخيراً.

وما اعتبره البعض تقصيراً في البلاغ السنغالي، هو في جوهره قمة الالتزام بحماية الضيوف؛ فالمغرب الذي يحتضن جالية سنغالية تتجاوز 45 ألف نسمة، يعامل المشجع السنغالي في شوارع الرباط وطنجة وفاس تماماً كما يعامل المواطن المغربي، في جو من الحرية والأمان الروحي والجسدي.

ومن المهم تذكير القائمين على الشأن الكروي في السنغال بأن النجاح التنظيمي لا يقاس فقط بخروج الوفد في دقائق معدودة، بل بمدى قدرة البلد المضيف على احتواء عواطف الجماهير وضمان عودتها لبيوتها بسلام.

إن المشجع السنغالي الذي يتحرك في مدن المملكة وكأنه في وطنه الأم، هو الثمرة الحقيقية لسيادة “الأمن الإنساني” تحت رعاية أمنية مغربية لا تفرق بين مواطن وضيف. وعليه، فإن أي محاولة لتصوير العفوية الجماهيرية كخلل تنظيمي هي قراءة مجانبة للصواب، وتتجاهل حقيقة أن المغرب يفتح قلبه قبل أبوابه لكل أبناء القارة السمراء، بصدق ومسؤولية وكرامة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني