إيبستين.. على وزن بوعشرين

 

أبو يحيى

يكشف الرصد الدقيق للخط التحريري الذي يتبناه توفيق بوعشرين عبر مقالاته وتحليلاته عن انتقائية فجة تضرب في الصميم ادعاءات المهنية والموضوعية التي يحاول تغليف كتاباته بها، حيث يسهب الرجل في تفكيك خيوط السياسة الدولية من الملف النووي الإيراني وصولا إلى الكوارث الطبيعية والفيضانات، مستعرضا عضلاته التحليلية في كل شاردة وواردة، بينما يبتلع لسانه تماما ويصاب بالعمى التحليلي بمجرد طرح ملف جيفري إيبستين، رغم كونه الحدث الأبرز الذي هز أركان النخبة العالمية وكشف عن شبكة دعارة واتجار بالبشر تورط فيها كبار القادة والمشاهير.

يرجع هذا الصمت المريب تجاه فضيحة القرن الأمريكية إلى ما هو أبعد من السهو الصحفي، إذ تتقاطع التهم الموجهة للملياردير الأمريكي المنتحر مع التهم الثقيلة التي أدين بها الصحفي المغربي ابتدائيا واستئنافيا، والمتمثلة في الاتجار بالبشر واستغلال الهشاشة وممارسة الجنس تحت الإكراه، مما يجعل الخوض في تفاصيل ملف إيبستين بمثابة وقوف أمام مرآة عاكسة تفضح التطابق المذهل في الممارسات والسلوكيات المنحرفة التي تتستر خلف النفوذ والمال أو خلف القلم والسلطة الرابعة.

تحاول السردية التي يروجها بوعشرين تقديم نفسه كمحلل استراتيجي يتعالى على القضايا الأخلاقية الصغيرة، لكن تجاهل ملف بحجم وثائق إيبستين يفضح هشاشة هذا الموقف، فكيف لمحلل يدعي الإحاطة بخبايا السياسة الأمريكية أن يغفل عن زلزال قضائي وسياسي كشف تورط رؤساء ونخب في استغلال القاصرات والنساء، إلا إذا كان هذا التجاهل محاولة بائسة للهروب من استحقاقات الذاكرة القريبة، ومحاولة لطمس أي مقارنة قد تعقدها الذهنية العامة بين غرفة التدليك في الدار البيضاء وجزيرة المتعة في الكاريبي.

تشكل وثائق المحكمة الفيدرالية في نيويورك التي رفعت عنها السرية إدانة أخلاقية لكل من يحاول تبرير جرائم الاستغلال الجنسي بنظريات المؤامرة، وهو التكتيك ذاته الذي اعتمده دفاع بوعشرين طيلة أطوار محاكمته، حيث يظهر ملف إيبستين أن استغلال النفوذ لاستباحة أجساد النساء ليس مؤامرة تحاك في الظلام، بل هو سلوك إجرامي منهجي يعتمد على شبكة من العلاقات والمصالح، وهو ما يفسر تحاشي بوعشرين تشريح هذه البنية الإجرامية خشية أن يجد قلمه يكتب إدانتة بنفسه.

يسقط القناع عن الصحفي المخضرم حين يختار الانتقاء الجبان للمواضيع، فالمحلل الحقيقي لا يملك ترف اختيار الحقائق التي تناسب وضعه القانوني، بل يواجه الواقع كما هو، وواقع ملف إيبستين يقول إن العدالة تطال المستغِلين مهما علا شأنهم، وأن توثيق الجرائم الجنسية بالكاميرات أو بالشهادات هو الفيصل، وهو الدرس الذي يرفض بوعشرين استيعابه أو حتى الإشارة إليه، مفضلا الغوص في تحليلات جيوسياسية فضفاضة لا تحرج سجله الجنائي ولا تذكره بماضيه القريب.

يتحمل كل من يمنح منصة لهذا النوع من التضليل الإعلامي مسؤولية المشاركة في تبييض صورة مدانين بجرائم حق عام عبر تقديمهم كمنظرين سياسيين، بينما يثبت التاريخ والوقائع القضائية أن الموهبة في صياغة الجمل والتحليلات لا تمحو ولا تبرر الجرائم الأخلاقية الثابتة، ليبقى الصمت عن ملف إيبستين هو الدليل الصارخ على أن بوعشرين يدرك جيدا أن التشابه في التهم يستدعي التشابه في المصير، وأن من بيته من زجاج لا يجرؤ على رجم قضايا الاتجار بالبشر بالحجارة.


تعليقات الزوار
  1. @حاميها حرامها

    إيبستين على وزن سداسي والفهري وليس بوعشرين وكتاب جرار ابن طبيب سلطان القمر كافي…. إيبستين يملك قصر فاخر في موراكش وخلال تسريبات لصور ووثائق اكثر تداول لرئيس الدولة الا شرعي وزايد ديال الحمارات و سيدكم تخامب وووووطززززز على الشرفاء
    تسريبات إيبستين لم تذكر ولا مسؤول جزائري واحد صاحب العصيدة وامثاله ووووو بلعوا السنتهم

شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني