الإدانات تتهاطل على البوليساريو.. والعالم يطوق الجزائر بعد هجوم السمارة

في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، انفجرت موجة غضب دولية واسعة عقب الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة جنوب المملكة المغربية، في عملية أعادت جبهة «بوليساريو» الانفصالية إلى واجهة الاتهامات المرتبطة بالإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي. الهجوم، الذي اعتبرته عواصم عربية وغربية تجاوزا خطيرا لخطوط التهدئة، لم يُقرأ هذه المرة باعتباره مجرد “حادث معزول”، بل كمؤشر على تحول مقلق في طبيعة تحركات الميليشيا المدعومة من النظام الجزائري، خصوصا في ظل تصاعد الحديث عن ارتباطات مشبوهة مع شبكات إقليمية معادية للاستقرار بمنطقة الساحل وشمال إفريقيا.
المغرب، الذي تعامل مع التطورات بكثير من الحزم والهدوء المؤسساتي، وجد نفسه محاطا هذه المرة بدعم دولي غير مسبوق، سواء من حلفائه التقليديين أو من قوى دولية باتت تنظر إلى النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية بمنظار أمني واستراتيجي جديد. المملكة العربية السعودية كانت من أوائل الدول التي خرجت بموقف صارم، حيث أدانت الهجوم بشكل واضح لا لبس فيه، مؤكدة تضامنها الكامل مع المغرب ورفضها المطلق لكل أشكال العنف والتطرف التي تستهدف أمن المملكة ووحدتها الترابية. الرسالة السعودية لم تكن بروتوكولية عابرة، بل حملت إشارات سياسية قوية تعكس حجم القلق الخليجي من أي انفلات أمني قد تدفع إليه البوليساريو ومن يقف خلفها.
قطر بدورها جددت دعمها الصريح لسيادة المغرب على صحرائه، مؤكدة وقوفها إلى جانب الرباط في كل الإجراءات المرتبطة بحماية وحدة أراضيها وأمنها القومي، فيما ذهبت الإمارات إلى توصيف الهجوم باعتباره عملا إجراميا يهدد استقرار المنطقة بأكملها، مع تأكيدها الثابت على دعم الوحدة الترابية للمملكة المغربية. أما البحرين فاستعملت لغة أكثر حدة، ووصفت الاعتداء بالإرهابي والآثم، معتبرة أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تبقى الحل الوحيد الواقعي والجاد لإنهاء هذا النزاع المفتعل الذي طال أمده.
وفي الضفة الغربية، بدا واضحا أن الصبر الدولي تجاه تحركات البوليساريو بدأ ينفد بشكل غير مسبوق. الولايات المتحدة الأمريكية، عبر بعثتها لدى الأمم المتحدة، اعتبرت أن استهداف السمارة يقوض كل الجهود المبذولة لإحياء المسار السياسي، ويضرب في العمق روح التهدئة التي حاول المجتمع الدولي فرضها خلال الأشهر الماضية. واشنطن لم تكتف بالإدانة، بل أعادت التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية تمثل الأساس الواقعي والعملي الوحيد لتسوية النزاع، في رسالة فهمت داخل الأوساط الدبلوماسية على أنها ضغط مباشر على الأطراف التي ما تزال تراهن على التصعيد العسكري أو المناورات الانفصالية.
بريطانيا وفرنسا سارتا في الاتجاه نفسه، حيث عبرت لندن عن قلقها من خطورة الهجوم على المسار الأممي، بينما شددت باريس على أن أي أعمال عدائية من هذا النوع لا تخدم سوى تعقيد الوضع وعرقلة جهود الحل السياسي. الموقف الفرنسي حمل أيضا دعوة واضحة لاحترام وقف إطلاق النار والانخراط الجدي في حل سياسي تحت السيادة المغربية، وهو ما يعكس التحول المتزايد داخل العواصم الأوروبية تجاه مقترح الحكم الذاتي باعتباره الصيغة الوحيدة القابلة للحياة.
وفي الأمم المتحدة، دخلت بعثة “مينورسو” على الخط عبر تنسيق ميداني مع السلطات المغربية لكشف تفاصيل الاعتداء وخلفياته، بينما أطلق المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا تحذيرات مباشرة من مخاطر الانزلاق نحو التصعيد العسكري، داعيا إلى تغليب الحلول السياسية وتجنب أي خطوات قد تدفع المنطقة نحو انفجار أمني أكبر.
لكن التطور الأخطر، والذي بدأ يثير ارتباكا واضحا داخل دوائر داعمي البوليساريو، يتمثل في التحركات الجارية داخل الكونغرس الأمريكي، حيث يقود السيناتور تيد كروز مساعي متقدمة لتصنيف جبهة البوليساريو منظمة إرهابية. المشروع، الذي بدأ يكتسب زخما داخل “الكابيتول”، لا يركز فقط على الهجوم الأخير، بل يسلط الضوء على ما يصفه بعلاقات متنامية بين الجبهة الانفصالية وإيران، خاصة في ما يتعلق بالطائرات المسيرة والتنسيق الاستخباراتي وشبكات التسليح. وإذا ما تطورت هذه الخطوة إلى مسار تشريعي كامل، فإن البوليساريو والنظام الجزائري الداعم لها قد يجدان نفسيهما أمام أخطر ضغط دولي منذ عقود، خصوصا في ظل التحولات الأمنية التي تعرفها منطقة الساحل، حيث أصبحت أي صلة محتملة بالجماعات المسلحة أو الشبكات الإيرانية تضع أصحابها مباشرة تحت مجهر المتابعة الدولية.
ما وقع في السمارة لم يعد مجرد حادث أمني عابر، بل تحول إلى نقطة فاصلة في طريقة تعاطي العالم مع هذا النزاع. هناك قناعة دولية متزايدة بأن استمرار دعم الميليشيات الانفصالية لم يعد يشكل فقط تهديدا لوحدة المغرب، بل خطرا مباشرا على استقرار المنطقة بأكملها، وهو ما يفسر هذا السيل غير المسبوق من الإدانات والتحذيرات والاصطفافات السياسية التي تضع الرباط اليوم في موقع قوة دبلوماسية متقدمة، مقابل عزلة متنامية للطرح الانفصالي ومن يقف خلفه.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني