كيف غيّر حموشي صورة “البوليس” في المغرب؟.. الأبواب المفتوحة التي صنعت مصالحة غير مسبوقة بين الأمن والمواطن
حين أطلقت المديرية العامة للأمن الوطني أول نسخة من أيام الأبواب المفتوحة سنة 2016، بعد أشهر قليلة من تعيين عبد اللطيف حموشي مديرا عاما للأمن الوطني سنة 2015، لم يكن الأمر مجرد نشاط تواصلي عابر أو معرض لاستعراض المعدات الأمنية، بل كان بداية تحول عميق في فلسفة المؤسسة الأمنية المغربية وفي طبيعة علاقتها بالمواطن.
اليوم، وبعد سبع دورات فقط من هذه التظاهرة، بات واضحا أن عبد اللطيف حموشي لم ينجح فقط في تحديث الأجهزة الأمنية وتطوير قدراتها الميدانية والتكنولوجية، بل نجح أيضا في تحقيق ما يشبه “المصالحة الهادئة” بين المواطن المغربي ومؤسساته الأمنية، بعد سنوات طويلة كانت فيها صورة “البوليس” مرتبطة لدى البعض بالرهبة والمسافة والحذر.
قبل سنة 2015، لم يكن من المألوف أن تفتح مؤسسة أمنية أبوابها أمام المواطنين بهذا الشكل الواسع والمنظم، ولم يكن المواطن المغربي يتصور أنه سيزور يوما قاعات القيادة والتنسيق، أو يطلع عن قرب على تقنيات الاستخبارات والشرطة العلمية والدرونات الأمنية ووحدات التدخل الخاصة، أو يناقش كبار المسؤولين الأمنيين بشكل مباشر وهادئ.
لكن حموشي اختار منذ البداية نهجا مختلفا، يقوم على الانفتاح والتواصل والشفافية وتقريب المؤسسة الأمنية من المجتمع، في خطوة اعتبرها متابعون آنذاك جريئة وغير مسبوقة في تاريخ الأمن الوطني المغربي.
الفكرة كانت بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في مضمونها: جعل المواطن يرى بعينه كيف تشتغل المؤسسة الأمنية، وكيف يتحرك رجال الأمن يوميا لحماية الأرواح والممتلكات، وكيف تطورت الأجهزة الأمنية المغربية تكنولوجيا واستخباراتيا، بعيدا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة.
وخلال سنوات قليلة فقط، تحولت أيام الأبواب المفتوحة إلى حدث وطني ضخم يستقطب مئات الآلاف من الزوار، من مختلف الأعمار والفئات، وأصبحت فضاء حقيقيا للتواصل المباشر بين المواطن ورجال الأمن، حيث يلتقط الأطفال الصور مع عناصر الشرطة، ويتحدث الشباب مع الخبراء الأمنيين، وتكتشف العائلات عن قرب تفاصيل العمل الأمني الذي كان في السابق يتم خلف الأبواب المغلقة.
بهذه الخطوة، ضرب عبد اللطيف حموشي عصفورين بحجر واحد. فمن جهة، ساهم في ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، ورفع كثيرا من اللبس والمسافة النفسية التي كانت موجودة في فترات سابقة بين بعض المواطنين وأجهزة الأمن. ومن جهة ثانية، نجح في تقديم صورة حديثة ومتطورة عن الأمن الوطني المغربي أمام العالم، خصوصا مع الحضور الدولي المتزايد في هذه الفعاليات، ومشاركة وفود وخبراء وممثلين عن أجهزة أمنية أجنبية.
الأبواب المفتوحة لم تعد فقط مناسبة لعرض سيارات الشرطة أو المعدات الأمنية، بل أصبحت واجهة حقيقية تعكس التحول الكبير الذي تعرفه المؤسسة الأمنية المغربية، سواء من حيث التكنولوجيا، أو الحكامة، أو التواصل، أو العقيدة الأمنية الجديدة القائمة على مفهوم “الشرطة المواطنة”.
واليوم، لم يعد غريبا أن يتحول عبد اللطيف حموشي نفسه إلى شخصية تحظى بتقدير شعبي واسع داخل هذه التظاهرات، حيث أظهرت أشرطة فيديو عديدة مواطنين يحيطون به بعفوية، يطلبون التقاط الصور معه، ويدعون له، في مشاهد لم تكن مألوفة في علاقة المواطن العربي بمسؤوله الأمني.
ما وقع خلال السنوات الأخيرة داخل المديرية العامة للأمن الوطني لم يكن مجرد تحديث إداري أو تقني، بل إعادة بناء كاملة لصورة المؤسسة الأمنية داخل المجتمع، بشكل جعل المغرب يقدم اليوم واحدا من أكثر النماذج الأمنية توازنا في المنطقة: أمن قوي ومتطور، لكنه أيضا منفتح، قريب من المواطن، ومتصالح مع محيطه الاجتماعي.







