من “صرامة البذلة” إلى “مستنقع البوز”.. حينما يتحول العزل أو الإحالة على التقاعد إلى مشاريع استرزاق رقمية فاشلة
حينما تضيق السبل بالذين عاثوا في وظائفهم تقصيرا وإخلالا بالواجب المهني، وربما حتى فسادا، ورمت بهم مجالس التأديب وقرارات العزل خارج أسوار الأجهزة النظامية العتيدة، يظهر سياق غريب يتخذ من منصات “اليوتيوب” و”فيسبوك” ملجأ وملاذا.
هؤلاء، وبدلا من مراجعة الذات وإصلاح ما أفسدته أياديهم، تطفلوا على مجال ليس مجالهم، وحولوا كوامن عقدهم النفسية إلى خطابات جوفاء تستهدف دغدغة عواطف البسطاء، بحثا عن عطف افتراضي وعائدات مالية بئيسة.
إن المنطق يفترض أن تجارب الحياة، ونصائح أهل الخبرة والمجربين، هي قيمة مضافة ومطلوبة لتنوير الرأي العام؛ لكن ما نشهده اليوم من طرف بعض الدركيين المتقاعدين أو المعزولين لا يمت للنصح بصلة.
نحن اليوم أمام ظاهرة صوتية بامتياز، تلخصها المقولة المأثورة: “جعجعة بلا طحين”.
من أشد المشاهد مدعاة للسخرية والشفقة في آن واحد، هو طريقة تدبير هؤلاء لخرجاتهم الرقمية؛ فالواحد منهم يطل على المشاهدين مدعيا امتلاك الحقائق وفك شفرات الملفات الكبرى، مستقويا بصفات ماضوية حركتها رياح العزل أو التقاعد.
لكن بمجرد أن يبدأ في الكلام حتى تسقط الهيبة المصطنعة، وتظهر حالة صارخة من “الفركلة والتفتفة” والارتباك الفكري واللغوي.
تراهم يتلعثمون، يخلطون بين المفاهيم، ولا يُبينون جملة مفيدة واحدة مستقيمة من الناحية القانونية أو المعرفية.
هذا التخبط والصراخ العشوائي ليس دليلا على قوة الموقف، بل هو انعكاس صريح لضحالة التكوين، وفقدان البوصلة، وعقدة النقص تجاه المؤسسات الشريفة التي لفظتهم بعدما ثبت إخلالهم بأمانة الوجبات المهنية والوطنية.
لقد تحول فضاء “اليوتيوب” لدى هذه الفئة إلى سوق عكاظ للابتزاز والتضليل، حيث يعتقد هؤلاء واهمين أن الصراخ أمام كاميرا الهاتف و”تجييش” فئات معينة من المطرودين أو المتقاعدين يمكن أن يصنع منهم “أبطالا” أو جهابذة في القانون.
إنهم يجهلون—أو يتجاهلون—أن أبجديات البحث والتحقيق والقانون لها أهلها ورجالاتها الشرفاء الذين يشتغلون في صمت ووفق الضوابط الصارمة لدولة الحق والمؤسسات، وليس فوق منصات الاسترزاق الرقمي التي تقتات على “اللايكات” وعائدات “الأدسنس” المشبوهة.
ليعلم هؤلاء المتطفلون أن قناع “الغيرة على المصلحة العامة” قد انقشع ولم يعد ينطلي على المغاربة؛ فالجمهور أصبح يميز جيدا بين صاحب الفكر الرصين والنصيحة الصادقة، وبين من “يفركل ويتفتف” بدافع الحقد وتصفية الحسابات الشخصية الضيقة بعدما لَفَظَته الإدارة لعدم أهليته.
ستستمر قوافل التنمية وبناء المؤسسات في المملكة المغربية في مسيرتها الثابتة، تاركة هؤلاء المرتزقة يصارعون عجزهم التعبيري وفقاعاتهم الرقمية الجوفاء، فمن أسس خروجه على الإخلال بالواجب، لا يمكن أن يثمر كلامه إلا الخيبات والفشل.
بقلم: محمد البودالي




