بقلم: هيئة التحرير
من أكبر الخطايا التي يمكن أن يسقط فيها من ينسب نفسه لـ”صاحبة الجلالة”، هي أن يتحول من “صانع للوعي” وموجّه للرأي العام، إلى مجرد “بيدق” يساق وراء الشاشات، ورهينة ذليلة لما يطلبه المستمعون.
هذه التبعية العمياء والغباء الاستراتيجي هي العنوان الأبرز للحالة التي وصل إليها اليوتيوبر حميد المهداوي، الذي سقط في فخ السطحية الرقمية ليصبح أضحوكة تتماهى مع نزوات التعليقات الافتراضية.
المهداوي، وفي غمرة انتشائه بنسب المشاهدات، بات يمارس حالة من “الاستلاب النفسي” والفكري؛ فهو لا يقود نقاشاً، بل يقرأ بلهفة ما يكتبه المتابعون في خانة التعليقات، ثم يعيد إنتاجه في خرجاته الموالية بصراخ وعويل مبالغ فيه، ظناً منه أنه يلامس “نبض الجماهير”، بينما الحقيقة أنه يعيش داخل فقاعة وهمية صنعتها له خوارزميات “البوز” والرغبة الجامحة في حصد عائدات “الأدسنس”.
إن الوهم الأكبر الذي يسقط فيه المهداوي هو اعتقاده بأن تلك الآلاف من “اللايكات” والتصفيقات الرقمية تنبع من غيرة وطنية أو تعاطف شعبي حقيقي؛ فهو يجهل—أو يتجاهل—أن أغلب جيوش المعلقين والمطبلين له ليسوا سوى كتائب ممنهجة من الذباب الإلكتروني وأتباع الطوابير الحاقدة في الخارج، إلى جانب شرذمة من المرتزقة في الداخل الذين يجدون في اندفاعه المتهور قنطرة مجانية لتمرير سمومهم ضد مؤسسات المملكة ورموزها السيادية.
لقد أصبح خطاب المهداوي مُختطفاً بالكامل؛ فالذباب الإلكتروني هو من يحدد له المواضيع، وهو من يرسم له سقف التصعيد، وهو من يملي عليه نبرة الهجوم. تحول الرجل، من حيث يدري أو لا يدري، إلى بندقية للإيجار يوجهها أعداء الوطن يميناً وشمالاً، في مقابل “جرعات” يومية من المديح الافتراضي الذي يغذي نرجسيته المرضية ويدفعه دفعاً نحو حتفه القانوني.
المأساة في قصة المهداوي أن هذا “التماهي” الغبي مع تعليقات الخونة والمرتزقة هو طريق سيار باتجاه واحد نحو الهاوية. فالصحفي الحقيقي والمسؤول يملك خطاً تحريرياً ثابتاً وبوصلة وطنية وأخلاقية لا تهزها زوابع “السوشل ميديا”؛ أما من يركب موجة “التشيار” الرقمي تلوينًا لخطابه حسب أهواء حسابات مجهولة الهوية، فإنه يوقع على صك انتحاره المهني بيده.
وعندما تدق ساعة الحقيقة، وتسقط مطرقة العدالة لتفصل في الشكايات والدعاوى الثقيلة التي تلاحقه، سيكتشف المهداوي متأخراً جداً أن “الذباب الإلكتروني” الذي يدفعه اليوم للتصعيد لن يرافقه إلى ردهات المحاكم، ولن ينفعه بشيء خلف الأسوار الباردة، بل سيبحث ببساطة عن “مغفل جديد” يقتات على صراخه وصناعة بؤسه.







