بين كواليس التشهير والارتباك اللوجستي: كيف أسقط اختراق مكالمات الحيجاوي وجيراندو أقنعة التنسيق السري وخلفيات التمويل الخارجي؟
الرباط — الرباط
لم تعد الأنشطة الرقمية الموجهة عبر منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات مفتوحة للتعبير أو السجال الافتراضي العابر، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى مؤشر يكشف عن امتدادات بنيوية وتنظيمية بالغة التعقيد، وهو ما تجسد بشكل ملموس في السجال الدائر حول سلسلة التسريبات الأخيرة.
التسريبات الأخيرة نجحت في إخراج ملف التنسيق بين الموظف السابق المعزول من سلك الاستخبارات الخارجية المهدي حيجاوي، والناشط المقيم بكندا هشام جيراندو، من دائرة التكهنات الإعلامية إلى واقع موثق بالمراسلات والتسجيلات؛ حيث جاءت الحلقة التاسعة من هذه السلسلة لتعيد ترتيب أوراق هذا الملف وتكشف عن خيوط تنسيق تتجاوز بكثير مجرد صناعة محتوى رقمي تشهيري يومي، لتلامس قضايا ترتبط بالأمن الرقمي والتنسيق الدبلوماسي المشبوه.
وتنبع الخطورة العملية لهذه الحلقة الجديدة من حجم المعطيات اللوجستية والدبلوماسية الدقيقة التي تضمنتها؛ إذ لم يعد الحديث محصوراً في تبادل الآراء، بل تعداه إلى اعتراف صريح وموثق منسوب للمهدي حيجاوي يعلن فيه لجوءه المباشر إلى سفارة الجمهورية الجزائرية بحثاً عن الدعم أو التوجيه، وهو ما ينقل القضية برمتها إلى سياق الارتباط بممثليات أجنبية ذات مواقف معلومة.
هذا الارتباط الدبلوماسي توازى ميدانياً مع كشف الغطاء عن شبكة الإيواء والدعم اللوجستي، من خلال توثيق إقامة حيجاوي في مقر سكن شخصية بارزة يشار إليها في المراسلات المكتوبة بـ“منزل الدكتور”، وهو التوصيف الذي يحيل بشكل مباشر على الدكتور مصطفى عزيز، الذي أكدت الحلقات السابقة أنه يمثل الضلع الثالث في هذا المثلث التنظيمي الموجه لإدارة حملات منسقة ومستهدفة عابرة للحدود.
ولم تقف محتويات الاختراق الرقمي عند الخطوط العريضة للتنسيق السياسي، بل غاصت في التفاصيل الإجرائية واللوجستية الدقيقة التي تعكس حالة من الارتباك والترتيب المسبق لعمليات التنقل؛ حيث كشفت الوثائق والمراسلات السرية عن هندسة دقيقة لخطة سفر معقدة تهدف إلى نقل حيجاوي نحو العاصمة البلجيكية بروكسل عبر محطة ترانزيت بالعاصمة الإسبانية مدريد.
وتضمنت المحادثات المتبادلة تفاصيل تسيير هذه الرحلة بما يشمل طرائق حجز الفنادق والتنسيق الميداني للقاءات عينية داخل فضاءات بعينها مثل الغرفة رقم 505، مما يوضح أن التحركات الميدانية لهذه المجموعة تخضع لخطط مدروسة جغرافياً وزمنياً لتفادي الرصد الإداري والأمني.
وفي مفارقة تبرز التناقض بين الخطاب الموجه للعموم والبنية النفسية الحقيقية لمديري هذه الشبكة، عرت المراسلات المسربة عن هوس شخصي حاد يبديه حيجاوي تجاه التعليقات والتفاعلات الرقمية، حيث يظهر غارقاً في متابعة ردود الأفعال ومحاولة إقناع شريكه جيراندو بأن التفاعل يصب في صالحهما، متوهما أن المتلقي يرى فيه واجهة للإصلاح.
هذا الانشغال بالصورة الافتراضية واكبه انشغال آخر بالمظهر الشخصي والصحي تجلى في إلحاحه على اقتناء عقار “أوزمبيك” الشهير المخصص لمرضى السكري بغرض استغلاله في إنقاص الوزن السريع؛ وهي تفاصيل بالرغم من طابعها الشخصي، إلا أنها تعكس النزوع النرجسي وحجم الضغط النفسي الذي يسبق تنفيذ مخططات الهروب.
إن المنعطف الأكثر أهمية في قراءة أبعاد هذا الملف، يتجلى في الطموحات التنظيمية التي بدأت تطفو على سطح المحادثات؛ إذ لم يعد الهدف مجرد ابتزاز أو تشهير عابر، بل ظهرت نوايا واضحة وصريحة تهدف إلى “التجهيز لمخططات” بعيدة المدى، شملت نقاشاً حول إمكانية “إحداث حزب سياسي”.
هذا المعطى يؤكد أن حملات التشهير لم تكن سوى أداة تمهيدية لمحاولة خلق فاعل تنظيمي ممول وموجه، مما يضع هذه التسريبات أمام مسؤولية الفحص القضائي الصارم والتدقيق الجنائي من قِبل الأجهزة والمؤسسات القضائية المختصة، للتأكد من حجم التمويلات ومستويات التزوير ومدى مساس هذه الشبكات العابرة للحدود بالنظام العام ومؤسسات السيادة، تحت سيادة دولة الحق والقانون التي تظل الحصن المنيع أمام كل محاولات الاختراق والابتزاز.




