الرباط — قراءة تحليلية حارقة
في دراما إعلامية وسياسية بدأت أطوارها بشعارات براقة وتنظيرات موهومة حول “الإصلاح والتغيير”، انتهت آخر أوراق التوت عن شبكة الارتزاق والابتزاز العابر للحدود، لتكشف عن واقع مجرد من كل أخلاق، عنوانه النصب، والافتراء، والاتجار بالمعطيات المفبركة لضرب رجالات الدولة ومؤسساتها السيادية.
فلم تكن الحلقة الرابعة عشرة من التسريبات المزلزلة التي بثتها مجموعة “Atlas Hacks” مجرد كشف جديد لمعطيات عابرة، بل كانت بمثابة المقصلة التي قطعت حبل الكذب الذي استتر خلفه المدعو مصطفى عزيز، الملقب داخل أرخبيل التآمر بـ “الدكتور” و”المدرسة”، بعدما ظهر بالصوت والصورة كأحد المحركين والممولين الأساسيين لبيدق كندا هشام جيراندو والعميل المطرود المهدي حيجاوي.
لقد ظل مصطفى عزيز ينسج حول نفسه هالة من الوقار الأكاديمي والرزانة السياسية من مقر إقامته بالعاصمة الفرنسية باريس، محاولاً تقديم نفسه كصوت حقوقي ورأس مفكر لحركة “مغرب الغد”، بل ووصل به الأمر—حينما استشعر الخطر وتورط نجله في الاتصالات ذاتها—إلى إطلاق فيديوهات استعطافية يمارس فيها دور الضحية، متبرئاً من الحيجاوي ومداعياً عدم معرفته به. غير أن التسجيل الصوتي الموثق جاء كالصدمة المدوية ليقضي على هذه المناورة بالكامل؛ حيث ظهر عزيز وهو يتحدث بانسجام تام وود مكشوف مع الحيجاوي، سائلاً إياه بكل أريحية عن أحواله مع الشركاء، وساخراً من الشخصيات الوطنية، ليبصم بصوته على أنه لم يكن يوماً ضحية ناعمة أو مستغَفلاً، بل كان الرأس المدبر الذي يربط الاتصالات، ويوجه حملات التشهير، ويصنع الغطاء الضروري لدعم هذا النشاط الإجرامي.
ولم تقف حدود الفضيحة عند كشف الوجه الحقيقي لـ “الدكتور”، بل امتدت لتنسف المصداقية المزعومة للتحقيقات والتقارير الأجنبية التي استهدفت المملكة مؤخراً، وعلى رأسها التحقيق الشهير لمنظمة “فوربيدن ستوريز”. فالرجل الذي قدم نفسه لتلك المنظمات باعتباره “المصدر الاستخباراتي الداخلي” واليد التي تزود بالمعلومات حول برمجية “بيغاسوس”، ظهر في التسجيلات وهو يستفسر بسطحية غريبة عن هذه المنظومة، طالباً من جيراندو تزويده بأي معلومات حولها، ومختصراً فهمه لها في أنها مجرد أداة لتتبع “الواتساب والفيسبوك”.
هذا الجهل الفاضح بأداة تقنية معقدة من شخص يزعم أنه شغل مناصب حساسة، يوجه ضربة قاضية لادعاءات الإعلام الغربي، ويثبت بالدليل القاطع أن تلك التقارير بنيت على أوهام وافتراءات قدمتها عناصر مفلسة لا تملك أي رصيد من المعرفة الميدانية.
إن تحول هذه الشبكة من رفع شعارات التغيير إلى ممارسة التهديد باقتحام الغرف السرية، وسرقة الخزائن المصفحة، وادعاء تنفيذ الاغتيالات الجنائية، بل واقتراح فبركة مقاطع فيديو بالذكاء الاصطناعي تمس الرموز العليا للدولة، يؤكد للرأي العام الوطني والدولي أننا لسنا أمام معارضة أو وجهات نظر سياسية، بل أمام تنظيم عصابي مكتمل الأركان، يعتاش على مال السحت والتصيد في الماء المعكر.
ومهما تنوعت الأقنعة وتعددت منصات اللجوء بين باريس وكندا، فإن اليقظة الرقمية والصلابة المؤسساتية للمملكة المغربية أثبتت مرة أخرى أن حبل التضليل قصير، وأن صخرة الوطن تكسرت عليها كل محاولات الابتزاز والتشهير، ليبقى المغرب شامخاً برجالاته الشرفاء ومؤسساته العتيدة، ويذهب زبد المرتزقة ومموليهم جفاءً أمام شعار الأمة الخالد: الله، الوطن، الملك.







