من يتنكر لصوته جهارا نهارا وأمام ملايين المتابعين، ويملك الجرأة على الادعاء بأن النبرات المتطابقة والنطق الحاسم ليس سوى “فبركة وتزوير”، لن يجد أدنى حرج في التبرؤ من أخلاقه، والتنكر لقيمه، والتملص من أدنى المبادئ الإنسانية.
إن النفي الهستيري الذي ينتهجه النصاب الهارب هشام جيراندو لم يعد مجرد حيلة دفاعية بائسة أمام طوفان التسريبات؛ بل أصل لفلسفة إجرامية قائمة على السقوط الأخلاقي الشامل والتجرد الكامل من الحياء.
فحين يصل المبتز إلى مرحلة إنكار الذات وإنكار صوته الذي ظل يجعجع به لسنوات، فإنه يعلن ضمنيا إفلاسه الأخلاقي والانتحار الكامل لمصداقيته.
إن الشخص الذي يبيع صوته في سوق الابتزاز لتجار المخدرات وبارونات السموم، ثم يخرج بكل صلف ليكذب أذنيه وآذان الناس جميعا، هو ذاته الشخص الذي أطعم أبناءه من أموال السحت والرشوة، ومارس التشهير والمساومة بدم بارد. فالصوت هو البصمة والشخصية، ومن ينكر بصمته يسهل عليه بيع ضميره لمن يدفع أكثر.
هذه الهستيريا وهذا الهروب إلى الأمام بفرية “الذكاء الاصطناعي” تعكس قاع السقوط الذي وصل إليه هذا المرتزق؛ إذ تجرأ على ادعاء “الحلال” بلسانه، ثم جاء صوته الموثق في التسريبات ليفضح حقيقة الحرام الذي يقتات عليه.
لقد أثبت جيراندو أن التبرؤ من الصوت ليس سوى المقدمة الشارحة للتبرؤ من العرض والشرف والوطنية، ليبقى عاريا أمام الرأي العام كما ولدته أمه، مجردا من كل بقية خجل، ومحاصرا بلعنة الخيانة والابتزاز التي ستلاحقه إلى الأبد، أو إلى أن يقضي عقوبته السجنية المحكوم بها هنا في المغرب.
يجب على جيراندو أن يدرك أن الشوط الأخير من هذه المسرحية الهزلية قد حُسم، ولم يعد أمام هذا الهارب سوى مواجهة المصير المحتوم الذي يصنعه كل من يتنكر لحقيقته وضميره.
إن التبرؤ من الصوت لم يكن سوى الشاهد الأخير على الانهيار الشامل لمشروع الابتزاز، ليتضح للجميع أن أدعياء النضال الرقمي حين تحاصرهم الحقائق، لا يملكون سوى الهروب إلى الإنكار المثير للشفقة.
لقد انكسرت أسطورة جيراندو المزيفة على صخرة الأدلة الدامغة، وسقطت عنه كل مساحيق التدليس، ليبقى مجرد رقم عابر في سجل النصب، محاصَرا بلعنة السحت والانتهازية، مواجها القضاء العادل وسخط المجتمع الذي أدرك حقيقته وعزل مراميه القذرة إلى الأبد.







