الجميع بات يعرف اليوم أن هشام جيراندو يتاجر بالكلام، لكن الزاوية الخفية التي لم ينتبه لها الكثيرون هي المنظومة المالية السرية التي تحول صراخه على الشاشات إلى أرقام صعبة في حساباته البنكية خارج المغرب وكندا.
إن هذا النصاب لا يخرج في فيديوهاته بدافع فضح الفساد كما يتوهم البسطاء، بل هو الفساد بعينه، لأنه ينطلق بمخطط تجاري دقيق تُدار فيه جرائم التشهير والاتهامات بمنطق “البورصة الإجرامية”.
تتلخص الحيلة الإجرامية لجيراندو في صناعة “المحتوى الضاغط”؛ فهو يختار ضحاياه بعناية من شخصيات عامة أو رجال أعمال أو حتى تجار مخدرات منافسين لحلفائه، ويطلق عليهم أبواقه الرقمية بتهم مفبركة. وهنا تبدأ مرحلة المفاوضات خلف الكواليس عبر شبكة من السماسرة والوسطاء، حيث يُخيّر الضحية بين استمرار حملة التشويه أو دفع الإتاوة.
والغريب في أسلوب هذا المرتزق أنه يتفادى تسلم المبالغ المباشرة في كندا خشية إثارة شكوك مصلحة الضرائب والشرطة الفيدرالية، متخذا من العاصمة التركية إسطنبول مقرا لتحويل أموال السحت والابتزاز تحت أسماء مستعارة وشركاء سرين.
لكن السقوط المدوي لهذا الخائن ينكشف في تعاطيه مع كارتيلات التهريب؛ فلم يعد يتلقى المبالغ فقط كـ “مقابل للصمت”، بل تحول إلى شريك تكتيكي يستحق نسبة مئوية ثابتة من أرباح شحنات المخدرات التي تنجح في المرور بفضل الفوضى والتغطية التي يخلقها عبر منصاته.
هذا الانتقال من مجرد مبتز إلكتروني إلى شريك موثق في الأرباح الإجرامية يضعه قانونيا وأخلاقيا في خندق واحد مع عصابات التهريب الدولي وتهريب البشر، ومسألة تعريته كليا ومحاكمته مكبلا بالحديد أمام القضاء المغربي تبقى مسألة وقت لا غير، طال الزمان أو قصر.
وقد ظل النصاب الهارب هشام جيراندو يتوهم أن لجوءه إلى الأراضي الكندية واختباءه خلف الشاشات سيمنحانه حصانة أبدية لممارسة الابتزاز والتكسب من أموال السحت، وممارسة الأستاذية على المغاربة من موقع “المناضل” الناصح.
غير أن ضربات القدر والقصاص الإعلامي لا تأتي دائما من حيث يتوقع المرتزقة؛ إذ جاءت الطعنة هذه المرة من قلب كندا نفسها، وعبر قلم الصحفي الكندي المتخصص في قضايا الجريمة المنظمة والأمن القومي، دانييل روبسون، الذي نشر تحقيقا استقصائيا مزلزلا في صحيفة “Western Standard” ليضع جيراندو في حجمه الطبيعي: مجرد بيدق مأجور ومرشد أمني في خدمة كارتيلات المخدرات وشبكات تهريب البشر.
إن ما يكشف حقيقة هذا الكائن الانتهازي هو حجم التناقض الفاضح بين ما يروجه للعلن وما يمارسه في الخفاء؛ فبينما يصرخ في لايفاته اليومية بادعاء الشرف ومحاربة الفساد، تثبت التسريبات والتحقيقات الدولية أنه يسخر منصاته الرقمية لتصفية الحسابات بين المافيات، ويقتطع نسبة مئوية مباشرة من أرباح شحنات المخدرات مقابل دك منافسي أولياء نعمته من البارونات. بل إن السقوط الأخلاقي بلغ دركاته السفلى حين ظهر في التسريبات وهو يتوسل البارون عبد الواحد الغزاوي لتوظيف ابن أخته، ويقترح إقحام والدته المسنة عائشة المسعودي للقاء تجار السموم كدرع بشري لتفادي الملاحقات الأمنية، متجرداً من كل قيم النخوة والمروءة المغربية أصلاً وفرعاً.
والأدهى من ذلك أن التحقيق الكندي فتح الأبواب المغلقة أمام السلطات الفيدرالية والمخابرات الكندية (CSIS)، متهما إياها الصريح بالتقاعس وغض الطرف عن خليه إجرامية تدار من مونتريال نحو إسطنبول وماربيا والمغرب، ومطالبا بإخضاع شركاته المسجلة كـ “واجهات” مالية للتمحيص الجنائي لتتبع مسارات غسيل الأموال وتحويلات الإتاوات.







