أحلام أمي

بقلم : محمد حسيكي

الأم هي الكائن البشري التي يتربى من رحمها الجنين البشري، وحين يصل إلى مرحلة النمو والتغذية، ينتقل إلى البطن، وبعد أن يكتمل نموه من شهور الحمل، تضع الحمل مولودا خارج البطن .

وخلال مدة الحمل يتلقى الجنين التغذية بالبطن عن طريق الحبل السري الذي يربط بطنه ببطن الام، إلى أن ينفصل من دورة الحياة التي تخرجه من البطن إلى الحياة الكونية التي يعيش فيها إنسانا من حياة أخرى .

الحياة على البسيطة :

عاشت أمي فترة طفولتها أواخر عهد الحماية، واوائل عهد الاستقلال، العهد الذي كان يتغنى فيه الكبير والصغير بأنشودة .

عاش المغرب حرا لنا **** دائما أرضه ملكا لنا

اعملوا تنالوا واهتفوا وقولوا **** المغرب لنا لا لغيرنا .

عندها عرف الأهالي أن بلدهم يتسمى المغرب، وأن يوم الاستقلال أصبح عيدا وطنيا، وأن الوطنيين استبدلوا العمامة البيضاء، بالطربشة الحمراء، يعلوها سواد الأمة التي تعيش من وطنها حرة مستقلة عن سلطة الحماية الأجنبية .

كانت الحياة العامة تسري بالفطرة التي تؤطرها الحياة الجماعية بالعقل من الدين الذي تستمد منه حياتها الكونية، التي يحكمها الشرع الإسلامي بالقول : رفع القلم عن ثلاث : المجنون حتى يعقل، والنائم حتى يستيقظ، والصبي حتى يحتلم .

المجنون هو الانسان الفاقد العقل، والدين خاص بالإنسان العاقل، والإنسان العاقل هو السليم النفس من المرض، والنوم هو راحة النفس بالجسم، والحلم هو الحياة المرئية معنى من مدار حسي خلال النوم .

الإنسان والأحلام :

الانسان حين ينفصل عن بطن الامومة بالولادة، يطلق صيحة استغاثة، حيث يجري الإسراع لقطع الحبل السري وعقده، كي يستجمع ذاته من مخرج ذات الامومة.

وخلال مرحلة الرضاع والنمو، يفتح عينيه على الوسط الذي يعيش فيه، حيث يتآلف معه ويبتسم لرؤيته، لكن حين ينام لا يخلو نومه في أحيان من التبسم، فتقول الأم عنه، إنها الرؤية الباطنية التي تعود إلى ملكة العقل الذي يحرس الذات، من الحركة والسكون الذي تحركه الأحلام .

ومن الحكمة الدينية، حين تبلغ الأحلام بالإنسان مبلغ الرشد والبلوغ، حينها يستوجب في المحتلم الوضوء، إن داعب من الحلم قرينة أحلام .

ومن الأحلام، المفرحة التي يبتسم منها الانسان، ومنها المزعجة، التي تنقلب بالنوم إلى أضغاث تشل الحركة وتدفع إلى الاستغاثة كالمولود وقت الولادة حين يطرحه ضغط الولادة إلى مفارقة البطن .

حياة الأمومة :

في ريعان الامومة، لم يكن من تواصل مع الذات غير الحلم، وليس بالمحيط الاجتماعي غير المذياع، الذي يسمع الإنسان آليا عبر الموجات الهوائية، لكن الأدهى بالعقل البشري، أن تحول الحلم إلى علم افتراضي تتجلى منه الحياة الجارية بكل صورها .

كانت القراءة والمطبوعات مهيئة للأجيال المقبلة على الانفتاح نحو الحياة المستقبلية، بدل حياة الوراثة، ومن تلك الورقيات والمطبوعات المطروحة بسوق القراءة، تفسير الأحلام التي تستهوي كبار السن، والتي تعتمد على قراءة نفسية المحتلم .

ومن الأحلام تطورت الصورة لدى العقل البشري ، من المخيلة، إلى الخيال العلمي، الذي لم يجعل من الصورة ملهاة ظرفية، بل واقعا جاريا على الحياة العامة .

أحلام الأم :

من جلسة هادئة مع الأمومة، جرها الحديث بيننا لتطرح رؤى من أحلامها، منها ما هو مرتبط بالدين، ومنها ما هو مرتبط بالحلم,

وهكذا بدأت تقص، كما روت انها ارتدت بدلة بيضاء، وإذا بها تمتطي صهوة جواد، تقف به جانبا من حائط المسجد، ثم طرحت من الحديث البحث عن ماهية الحلم .. وما كان وقتها ردي على سؤالها ʕ أن الله من عليك يااما بالحجة من الحرمين المدني من مقام محمد، والمكي، من مقام إبراهيم عليهم السلام .

ومن حين آخر، رأت من الحلم، أنها فارقت الحياة، وتم نقلها إلى مثواها الأخير، وبعد أن وضعت بالمثوى، صدت الجماعة وجهتها مولية الطريق من حيث أتت، عائدة إلى مكان مائدة الإطعام، فإذا بها ترى من الحلم، وقفة رجل عند راسها، يدفع بكتيب صغير من فتحة المثوى نحو مرقدها من أعلى الرأس، فمددت يدها لتلقي الكتيب، وإذا بها تستيقظ من الحلم يقظة الحالم بالحياة، وصدق القول من حكمة الكتاب، سبحان من أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور . ثم قلت لها أمد الله في عمرك ياأماه، يوم تجلت حياتك من آخرها حلما رفع عنه القلم من النوم، فالحياة من النوم حلما، ومن الموت شيئا منسيا .

وهكذا كانت الجلسة والحديث حالما بالحياة كما هي أحلام أمي، تقص فرجة النائم من الأحلام المتحركة، التي تنبض بالكائن الحي من الحياة .

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني