توالي سقطات ابن كيران المدوية!

بقلم: اسماعيل الحلوتي

صحيح أن عبد الإله ابن كيران الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية، استطاع خطف الأنظار من حوله خلال فترة “الربيع العربي”، بفضل ما كان يتميز به من قدرة مذهلة على الارتجال واستمالة المواطنين، باستخدامه لغة بسيطة وخطابا شعبويا، والاستعانة ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، ناهيكم عن الأمثال الشعبية والألفاظ المثيرة للسخرية، مما ساهم في تصدر حزبه نتائج الانتخابات التشريعية المبكرة في 25 نونبر 2026، إثر حصوله على 107 مقاعد من أصل 395 في مجلس النواب، ويتم تعيينه رئيسا للحكومة بناء على الفصل 47 من دستور 2011 الذي ينص على أن “الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية”.
بيد أن القرار الملكي القاضي بإعفائه في 17 مارس 2017 من مهمة تشكيل الحكومة، إثر إخفاقه في إقناع حلفائه المفترضين رغم تجاوز المفاوضات خمسة شهور، دون أن يلوح في الأفق ما يبشر بالانفراج ونهاية ما سمي إعلاميا ب”البلوكاج الحكومي”، والخروج من حالة الجمود السياسي والاقتصادي، نزل على رأسه كالصاعقة وشكل منعطفا في مساره السياسي، حيث أنه لم يستطع استساغة تلك الطريقة التي عصفت به خارج رئاسة الحكومة، وسارع إلى تقديم استقالته من مجلس النواب في أبريل 2017، تعبيرا عن استنكاره لما حدث…
فمنذ تلقيه تلك الصفعة القوية، التي لم يسعفه في احتوائها ذلك المعاش الاستثنائي البالغ 70 ألف درهم شهريا وما رافقه من امتيازات أخرى، وهو كمن أصيب بحالة “سعار حاد”. إذ لم ينفك يدعي تعرضه لمؤامرة حالت دون استمراره في رئاسة الحكومة لولاية ثانية، ومن ثم لم يعد يدع مناسبة تمر دون أن يستغلها في تصفية حساباته مع خصومه السياسيين. والأكثر من ذلك أنه أصبح يهاجم جميع من يخالفونه الرأي في مختلف القضايا من سياسيين وإعلاميين وغيرهم، ولا أدل على ذلك أكثر من أنه بلغت به “الجرأة” حد نعت بعض المغاربة ب”الحمير” و”الميكروبات”، وما إلى ذلك من النعوت القدحية المسيئة إلى كرامة الإنسان…
والأفظع من ذلك أنه لا يتوانى عن التركيز في هجماته على خصومه السياسيين، وخاصة من يعتبره ألد أعدائه رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بل إنه تجاوز كل الحدود المسموح بها حين أباح لنفسه التطاول على المؤسسة العسكرية، بانتقاد مشاركة فيالق من الجيش الإسرائيلي في مناورات عسكرية فوق التراب الوطني، معتبرا أن مثل هذه المناورات “لا تجوز شرعا”. والغريب في الأمر أنه لم يسلم من سلاطة لسانه حتى رؤساء بعض البلدان العظمى، وفي مقدمتهم رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب، الذي وصفه ب”الرئيس المغرور وذي الأفكار الإجرامية” بسبب خطته الرامية إلى تهجير فلسطينيي قطاع غزة، كما وصف الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” ب”المذلول” لتأخره في الاعتراف بدولة فلسطين الحرة…
ومما يؤكد أنه فقد البوصلة وأصبح يخبط خبط عشواء، ونحن على بعد أيام قليلة من الاستحقاقات الانتخابية المقرر إجراؤها في 23 شتنبر 2026، هو أنه وفي ظل تراجع شعبيته وغياب برنامج انتخابي واضح وقابل للتنزيل، من شأنه الإسهام في استمالة الناخبات والناخبين للتصويت على مرشحي ما تبقى من قيادات حزبه، خاصة أنه يراهن كثيرا على هذه الانتخابات للعودة إلى تقلد منصب رئاسة الحكومة، الذي يعتقد جازما أنه سرق منه ذات انتخابات تشريعية في واضحة النهار، لم يجد من طريقة يقدم بها نفسه وحزبه عدا الضرب يمينا وشمالا، لا يفرق بين بشر ولا شجر ولا حجر…
فابن كيران اليوم لا يعاني فقط من أزمة نفسية حادة بسبب فقدان منصب “رئاسة الحكومة” وحسب، وإنما يشكو أيضا من حالة إفلاس سياسي وأخلاقي، وإلا ما معنى أن يحول مدفعيته في اتجاه المحيط الملكي مستهدفا مستشاري الملك، من خلال الحديث أمام أتباعه عن “الأقوياء” الذين يسعون إلى احتكار السلطة والمال، واصفا كل من “أندري أزولاي” و”فؤاد عالي الهمة” ب”القنادح” قبل أن يعود للاعتذار عن استعمال هذا اللفظ غير اللائق في حق شخصيات وازنة في الدولة، الذي أثار استهجانا كبيرا وموجة من الغضب العارم والانتقادات اللاذعة…
وفي إطار المزيد من التصعيد وسعيا منه إلى محاولة استقطاب أكثر عدد من الناخبات والناخبين، عاد هذه المرة لتوجيه اتهام مباشر لرئيس الحكومة أخنوش بالاستيلاء على أموال الشعب، مدعيا أنه تم ضبطه متلبسا بسرقة 260 مليار سنتيم، داعيا إياه إلى الاستعداد للمحاكمة والسجن أو الفرار خارج الوطن. ألم يكن حريا به إن كان يملك من الأدلة ما يدين غريمه، التوجه مباشرة للقضاء؟ وإضافة إلى ذلك لا يمكن أن ننسى تنمره على الناشطة والمدونة المغربية الشهيرة مايسة سلامة الناجي، التي عوض مناقشة مواقفها وأفكارها السياسية، أبى إلا أن يركز على حياتها الخاصة، حيث وصفها بالقصور وعدم القدرة على مواجهة المغاربة، تحت ذريعة أنها لم تتمكن بعد من الزواج وتكوين أسرة!
إنه لمن العبث أن يظل ابن كيران وغيره من النماذج البشرية المعطوبة تتحكم في المشهد السياسي، وتملأ الدنيا “زعيقا” في وقت تزخر فيه أحزابنا السياسية بعديد الكفاءات والطاقات الشابة، القادرة على تحمل المسؤولية ومواجهة التحديات الكبرى بحس وطني صادق، ولا تحتاج عدا بيئة داعمة ومنحها فرصة القيادة وصنع القرار، لما تمتلك من أساليب متطورة وأفكار نيرة…
اسماعيل الحلوتي


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني