لم يستوعب المبتز الهارب هشام جيراندو بعدُ أن أفظع أنواع الجرائم ليست تلك التي تُقترف ضد الأغراب أو الخصوم، بل تلك التي تُمارس بإصرار نرجسي خبيث ضد أقرب الناس، حيث تحول هذا المرتزق المقيم بكندا إلى حالة شؤم مطلقة؛ تنشر الدمار، وتخرب البيوت، وتدمر الأسر، دون أن يستثني من هذه المحرقة الإجرامية حتى أسرته التي لحم كتفه من خيرها، ووالدته المسنة التي حملت به 9 شهور، وأرضعته عامين، لكنه تجرد، لأجل جشعه، من أدنى قيم البر بالأم والرحمة بها.
إن المتأمل في السجل الأسود لهذا النصاب يدرك سريعا أن مساره لم يكن سوى مسلسل طويل من تدمير الضحايا والزج بالأبرياء في أتون الملاحقات القضائية.
لقد جعل من شقيقته، وزوجها، وابنها، وابنتها واجهات ميدانية ودروعا بشرية لتلقي وتمرير أموال السحت والإتاوات المتحصلة من ابتزاز المؤسسات وتبييض عائدات بارونات المخدرات.
ولم تكن تلك العائلة بالنسبة له سوى “أدوات تنفيذية” رخيصة استغل جهلها وطمعها ليورطها في قضايا جنائية ثقيلة؛ ولولا الحكمة والتأطير الإنساني المستحضر لدى مؤسسات الدولة المغربية، التي تراعي الدوافع الاجتماعية وتفصل بين العقول المدبرة والغريرين المغرر بهم، لكان هذا الفرع الأسري القريب يقبع كليا خلف الأسوار لسنوات طويلة يندب حظه العاثر الذي ربطه بهذا العقوق المتجسد.
غير أن أبشع الصور التي تكشف خسة هذه الظاهرة الرقمية تتجلى في طريقة تعاطيه مع والدته الكفيفة والمسنة، التي لم تسلم هي الأخرى من جشعه؛ إذ لم يتردد في إقحام اسمها وتحويل حساباتها إلى محطات لتلقي التحويلات المالية المشبوهة القادمة من خطوط الابتزاز العابرة للحدود.
أن يصل الإجرام بشخص إلى جعل أمه الضريرة، التي كانت تنتظر منه معيلا وبارا في كبرها، واجهة لبزنس الممنوعات ومحل شبهة أمام القانون، لهو لعمري التجسيد الحي للعقوق الأخلاقي والإفلاس القيمي الذي لا يُرجى منه شفاء.
ولم يقف هذا السلوك المدمّر عند حدوده العائلية المباشرة، بل تحوّل جيراندو إلى عدوى إجرامية تأكل كل من يقترب منها أو يضع يده في يدها. فمن الوسطاء والبيادق الميدانيين في تركيا وليبيا إلى المراسلين والطوابرية في بريطانيا وإسبانيا—وعلى رأسهم صحافي جريدة القدس العربي، عطاي الليل، الحسين المجدوبي— حيث وجد الجميع أنفسهم يساقون واحدا تلو الآخر نحو الهاوية، بعدما فضحت التسريبات محادثاتهم، وعرت حساباتهم، ووضعتهم أمام الملاحقة القضائية الدولية بتهم الجريمة المنظمة وتبييض الأموال.
إن هشام جيراندو يحصد اليوم أوهامه الإجرامية بعدما أحرق جلود أقربائه وشرد عائلته وورط حلفاءه في مستنقع الخيانة والارتزاق. وبات يدرك في عزلته بمونتريال أن شجرة الزقوم التي زرعها بأحقاده لم تثمر إلا خرابا في بيته، وأن الحساب التاريخي والقضائي القادم من العدالة المغربية سيكون الفصل الأخير والردع الحاسم لإنهاء هذه المهزلة، وإحقاق الحق لجميع الأسر والضحايا الذين اكتووا بناره.







