حين تتأمل مسار أصحاب الصوت المبحوح من أدعياء “النقد” و”الصحافة”، تدرك سريعا أننا أمام قانون أزلي يحكم سلوك هؤلاء: كلما أفل النجم، وسدت المنافذ، وانقطع الإلهام، وتهاوت البضاعة الفكرية حتى لم تفرز إلا العطالة وقلة الشغل والعمل، يتم توجيه البوصلة تلقائيا بالدوران نحو قلعة الأمن المغربي.
إكسير حقيقي لتنشيط المشاهدات البائرة، ووصفة سحرية لإعادة تدوير الذوات المنهكة التي لم تعد تجد ما تسد به رمق “الأنا” إلا التحرش بمؤسسات وطن شامخ يعبر القوافل ولا يأبه بأشواك الطريق!
وسليمان الريسوني اليوم يمثل أحدث العينات المفحوصة في هذا المشهد المكتظ بأصحاب السجلات المأزومة.
رجل تحرر من تبعات أفعاله بسعة صدر الدولة ورحمتها، ليتفرغ سنتين كاملتين—كما يتبجح—لا لنقد السياسات التنموية، ولا للغوص في التحولات الجيو-استراتيجية العميقة التي تجرف المنطقة، ولا للإسهام بقلم رصين يخدم قضايا الناس والمجتمع، بل لينقب في الأرشيف المظلم، ويعيد إنتاج الفضائح، ويسكب الحبر حثيثا على الورق لإثبات أن “شذوذه وسلوكه وسقوطه الأخلاقي” لم يكن سوى مؤامرة حبكتها الغرف السوداء للمؤسسة الأمنية!
أهكذا تمارس الصحافة يا حاملي أوهام “السلطة الرابعة”؟ أم أن البطالة الفكرية حين تمتزج بالحقد الدفين تنتج هذا النوع من الهذيان المسجل؟
إن التحسس الدائم من المؤسسة الأمنية، ومن شخص المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني السيد عبد اللطيف حموشي، لم يعد خطا تحريريا كما يزعم أصحابه، بل تحول إلى عقدة نفسية مستحكمة وطقس يومي يستجدي به المفلسون عطف الخارج ودعم الجهات المشبوهة. كلما ضاقت بأحدهم الحيلة، ورأى سفينته تغرق في بحر النسيان، رفع راية التحدي المزعوم ضد “المخزن”، طمعا في تدوينة تضامن من هنا، أو فتات تحويل مالي بالعملة الصعبة من هناك!
لقد فات الريسوني ومن يدور في فلكه من هواة “التشكي والتباكي” أن الشعب المغربي قد شب عن الطوق، وأصبح يفرق بيقين بين القلم الحر الذي يتشابك مع الهم الوطني بشرف ونزاهة، وبين القلم المأجور أو المأزوم الذي يقتات على إشعاع المؤسسات الوطنية ويسعى للتكسب من وراء الطعن فيها.
إن المؤسسة الأمنية المغربية، التي فرضت احترامها على أعتى أجهزة الاستخبارات الدولية بنزاهتها وشفافيتها واستباقيتها، لم تكن يوما ولن تكون حائطا قصيرا يقفز عليه أصحاب العطالة المهنية لتصفية حساباتهم الفردية.
إنها المهزلة في أبهى صورها: مراهق الأمس يسقط في حبائل الجريمة والاعتداء، فيخرج اليوم شيخا ليحاضر في النزاهة! ومن أعجزته المهنة عن تقديم منتج نافع للمجتمع، يتطوع اليوم لقيادة “الوعي الإقليمي”!
فاستمروا في تدوير بوصلتكم العمياء نحو الحصن الأمني؛ فلن تزيدوا هذه المؤسسة إلا صلابة وإشراقا، ولن تحصدوا من وراء هذيانكم سوى الخيبة، والانكشاف، والتأكيد المتكرر على أنكم مجرد عاطلين عن الفكر والوطنية، لم تجدوا شغلا ولا عملا سوى الركوب على ظهر الأوهام!







