في الوقت الذي يركز فيه الخطاب الرسمي الإيراني على التهديدات الخارجية والحرب والعقوبات، تكشف إجراءات أمنية واسعة اتُّخذت في أواخر سبتمبر عن جانب آخر من حسابات السلطة: الخوف من الداخل.
فبحسب معلومات نشرتها لجنة الأمن ومكافحة الإرهاب التابعة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 25 سبتمبر، وُضعت القوات الرئيسية للجيش والحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن في حالة استنفار كاملة، مع إلغاء الإجازات حتى منتصف ليل 27 سبتمبر، وإمكانية تمديد الإجراء وفق “الظروف الاجتماعية والتطورات السياسية”.
ولعل الرقم الأكثر دلالة يتعلق بطهران الكبرى. فوفق المصدر نفسه، جرى نشر نحو 51 ألف عنصر، بينهم 21 ألفًا من قوات الأمن و30 ألفًا من الحرس الثوري والباسيج. ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجمها فقط، بل في طبيعة توزيع القوات والمهام الموكلة إليها.
“الأحياء لا الساحات فقط”
لم يقتصر الانتشار على الساحات الرئيسية أو المواقع الحكومية الحساسة، بل شمل نقاطًا ثانوية وأحياء مختلفة في العاصمة ومدن كبرى أخرى. وهذا يختلف عن الاستعداد التقليدي لمظاهرة مركزية كبيرة؛ إذ يسمح الانتشار المتفرق بالتدخل السريع إذا بدأت تجمعات صغيرة ومتزامنة في أحياء مختلفة.
كما تحدثت المعلومات عن دوريات متحركة، وتفتيش بعض المارة وهواتفهم، وتعزيز القوات بملابس مدنية، وتوفير معدات جديدة لمكافحة الشغب، فضلًا عن رفع الحوافز المالية والمخصصات للعناصر المكلفة بالتعامل مع الاضطرابات.
إذا وضعت هذه الإجراءات معًا، فإنها تكشف انتقالًا من مجرد السيطرة على التجمع بعد اندلاعه إلى محاولة اكتشاف النشاط السياسي ومنعه قبل أن يتحول إلى احتجاج في الشارع.
وهذه نقطة مهمة في فهم المقاربة الأمنية الحالية. فالنظام لا يستعد فقط لمواجهة حشود كبيرة؛ بل يبدو معنيًا أيضًا بالتجمعات الصغيرة، والشبكات المحلية، والاتصالات بين الأفراد، وقدرة الاحتجاج على الانتقال من حي إلى آخر.
“الاعتقال جزء من الاستعداد”
الأكثر إثارة للانتباه هو ما أورده المجلس الوطني للمقاومة عن إعداد مراكز احتجاز جديدة في مناطق نائية وغير مأهولة، استنادًا إلى تجارب الانتفاضات السابقة.
ولا تتوفر حتى الآن مصادر مستقلة تسمح بالتحقق من جميع هذه التفاصيل، لكن إدراج مسألة الاحتجاز ضمن الاستعدادات المعلنة من المعارضة ينسجم مع سياق أوسع من التشدد الأمني شهدته البلاد خلال سبتمبر، وخصوصًا بالتزامن مع الذكرى الرابعة لانتفاضة 2022.
وكان قائد قوات الأمن أحمد رضا رادان قد تحدث عن ملاحقة واعتقال أعضاء في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، فيما أعلن المجلس الوطني للمقاومة من جانبه استمرار نشاط وحدات المقاومة في مدن مختلفة رغم حالة التأهب الأمني.
هذا التزامن بين التحرك الأمني والنشاط المعارض يوضح لماذا تحتل الوقاية من الاحتجاج موقعًا متقدمًا في حسابات السلطة.
“توسيع الباسيج والملابس المدنية”
جانب آخر من الاستعداد يتعلق بمحاولة توسيع القوة البشرية. وبحسب المعلومات المنشورة، يسعى قائد الباسيج حسين طائب إلى زيادة التجنيد، ولا سيما بين العاطلين عن العمل، من خلال الرواتب والمزايا، مع اهتمام خاص بطهران.
كما تحدثت المعلومات عن خطة مشتركة بين طائب وحسن حسن زاده، قائد الحرس في طهران الكبرى، لتعزيز العناصر العاملة بالملابس المدنية.
ولهذه القوات وظيفة مختلفة عن شرطة مكافحة الشغب الظاهرة في الشارع. فهي تستطيع مراقبة التجمعات، وتحديد المشاركين، وجمع المعلومات والتدخل من دون الحضور العسكري العلني الذي قد يثير رد فعل إضافيًا.
أما رفع الرواتب والمكافآت ومخصصات المهمات للعناصر الأمنية والاستخباراتية، إذا صحت المعلومات، فيكشف بُعدًا آخر: أن المحافظة على جاهزية الجهاز ليست مسألة تنظيم وأوامر فقط، بل تحتاج أيضًا إلى حوافز مادية لضمان استمرار المشاركة في مواجهة الاحتجاجات.
“استعداد سبق حالة التأهب”
اللافت أن هذه الاستعدادات لم تبدأ في 25 سبتمبر. فالتقارير تشير إلى أن إدخال معدات جديدة لمكافحة الشغب والتدريب عليها بدأ قبل نحو شهر.
وهذا فارق مهم. يمكن تفسير استنفار يستمر بضعة أيام بحدث سياسي معين أو ذكرى احتجاجات سابقة، لكن شراء المعدات، وتدريب القوات، وزيادة التجنيد، وتعزيز العناصر بالملابس المدنية، والتحضير لمرافق احتجاز، كلها إجراءات تتطلب تخطيطًا يتجاوز حدثًا واحدًا.
كما جاءت حالة التأهب بعد عروض وتحركات أمنية وعسكرية شهدتها طهران خلال سبتمبر تحت عناوين تعبئة واستعداد مختلفة. وفي الخطاب الرسمي قُدمت هذه التحركات في إطار مواجهة الأخطار الخارجية وإظهار الجاهزية، إلا أن انتشار القوات داخل المدن، وليس على الحدود فقط، يفتح بابًا آخر لقراءة الأولويات الأمنية.
“ما الذي تكشفه الصورة؟”
لا يمكن الاستنتاج من هذه الإجراءات وحدها أن انتفاضة جديدة باتت وشيكة، كما لا تسمح المعطيات المتاحة بالتنبؤ بحجم أي احتجاجات محتملة. لكن من الممكن استخلاص نتيجة أكثر تحفظًا: احتمال الاضطراب الداخلي يحتل مكانًا مهمًا في التخطيط الأمني للنظام.
فالسلطة تخصص عشرات الآلاف من العناصر، وتوسع المراقبة، وتعزز وحدات مكافحة الشغب، وتستعد للاعتقالات، بينما تستثمر في الوقت نفسه في استعراضات عامة لإظهار القوة.
وهذه المفارقة جديرة بالاهتمام. فإظهار القوة أمام الجمهور يسعى إلى إنتاج صورة السيطرة، بينما تكشف الاستعدادات الداخلية الواسعة مقدار الموارد التي ترى السلطة ضرورة تخصيصها لمنع فقدان تلك السيطرة.
وبذلك، فإن أهم ما تقوله حالة الاستنفار الحالية ليس أن الاحتجاج المقبل حتمي، بل إن النظام نفسه يتعامل مع إمكانية عودته باعتبارها سيناريو جديًا يستحق هذا الحجم من الاستعداد.
في إيران اليوم، تبدو إحدى أهم جبهات الأمن، في حسابات السلطة نفسها، داخل المدن وبين السكان، لا على الحدود فقط.




