القمع وازدواجية المعايير: حين تعجز باريس عن إدارة أزماتها الداخلية وتتفرغ للتطاول على النموذج المغربي في إدارة الشارع!
تتخبط فرنسا اليوم في أتون موجة غضب عارمة تشهدها مختلف المدن والمناطق الإيطالية والفرنسية، حيث خرج آلاف التلاميذ والطلاب القاصرين في مظاهرات حاشدة للمطالبة بأبسط الحقوق التعليمية وتحسين ظروف التمدرس البائسة داخل المؤسسات التعليمية الفرنسية.
غير أن اللافت والمثير للصدمة في تعاطي الإليزيه مع هذه الدينامية الاجتماعية العفوية ليس فقط العجز البنيوي عن الاستجابة لمطالب الشبيبة الفرنسية، بل الاعتماد المفرط والصارخ على خيار البطش الميداني والتدخل العنيف باستعمال القوة المفرطة ضد تلاميذ قاصرين؛ وهو ما أسفر عن تسجيل مئات الإصابات الجسدية البليغة في صفوف التلاميذ، وموجة اعتيالات واعتقالات تعسفية واسعة طالت أطفالا لم يبلغوا سن الرشد، في مشاهد موثقة تشهد على انزلاق حقوقي خطير يتناقض كليا مع الشعارات البراقة التي تتشدق بها باريس حول الحقوق والحريات.
وفي مقابل هذا البطش الميداني والمشاهد الصادمة للتعاطي مع المظاهرات الطلابية، تُطل علينا الآلة الإعلامية الفرنسية الرسمية والموجهة بـ سياسة “الكيل بمكيالين” فاضحة وازدواجية معيارية مقززة؛ إذ في الوقت الذي تتجاهل فيه فرنسا أزماتها الاجتماعية المتفجرة، وتتستر على التجاوزات الحقوقية الجسيمة داخل أراضيها وضد مواطنيها القاصرين، تسعى بكل صلف وصغار إلى تركيز عدساتها ومنابرها للتدخل في الشؤون الداخلية للمملكة المغربية، واختلاق القضايا وتحريف الحقائق حول المحطات الاجتماعية التي يمر منها المغرب.
إن الأولى بباريس، التي تحترق شوارعها اليوم تحت وطأة الغضب الشعبي وسوء التدبير الإداري والأمني، أن تلتفت إلى أزماتها الهيكلية الداخلية، وأن تكف عن أوهام “الأستاذية الأخلاقية” وممارسات الوصاية الاستعمارية البائدة، فالبيت الفرنسي المتهالك من زجاج، ومن كان بيته من زجاج لا يرمي مؤسسات الدول السيادية بالحجارة.
وفي الوقت الذي تسقط فيه الأجهزة الأمنية الفرنسية في اختبار الحكامة والتعاطي الحضاري مع احتجاجات القاصرين، يقدم النموذج المغربي درسا بالغ الأهمية في المهنية والاتزان الميداني؛ حيث أثبتت المؤسسة الأمنية المغربية وشبكات الأمن الوطني والقوات المساعدة حكمة ونضجا استثنائيين خلال مختلف المحطات والموجات الاجتماعية التي شهدتها المملكة.
لقد أظهرت الأجهزة الأمنية المغربية أعلى مستويات ضبط النفس، والاحترافية العالية، والدم البارد في إدارة الحشود والوقفات الاحتجاجية، مع الحرص التام والمطلق على التوفيق بين احترام حقوق الإنسان والحريات العامة وبين صون النظام العام وحماية الممتلكات.
هذا الرصيد الحقوقي والمهني الشامخ لمختلف الأجهزة الأمنية بالمملكة ليس مجرد شعار، بل واقع ميداني يلمسه المواطن والملاحظ الدولي على حد سواء، مما يجعل التدخلات المغربية الميدانية نموذجا يُقتدى به في ترسيخ دولة الحق والقانون، ويشكل ردا حاسما على كل المحاولات اليائسة للتشكيك في مؤسسات مملكة شريفة تضع كرامة المواطن وأمن واستقرار الوطن فوق كل اعتبار.
إنها المهزلة التاريخية الصارخة التي تجعل من جمهورية شعارات الإلكتريك أرضا للفرص الضائعة وسقفا يتهاوى فوق رؤوس صانعيه، حين تعجز الجمهورية الفرنسية المتآكلة عن حماية طفولة شعبها في المدارس والمعاهد، وتستعيض عن الحوار الحضاري بالهراوات، والغازات المسيلة للدموع، والاعتقالات الجماعية ضد تلاميذ لم تتفتح أجسادهم الغضة بعد، ليتحول جمهوريوها إلى جلادين يُطاردون القاصرين في الأزقة والساحات.
فأي صلف أخلاقي هذا الذي يسمح لدولة عاجزة عن ضبط قسوة شرطتها وتأمين كرامة أطفالها بأن ترفع رأسها لتعطي الدروس في حقوق الإنسان لمملكة شريفة ضاربة في عمق التاريخ؟
إن على باريس أن تستوعب درسا قاسيا ومفصليا من النموذج المغربي الشامخ، وأن تدرك أن زمن الأستاذية المزيفة والوصاية الاستعمارية البائدة قد قُبر إلى غير رجعة، وأن المغاربة بمؤسساتهم الأمنية والسيادية الراسخة لا يتلقون التعليمات من عاصمة تغرق في جحيم أزماتها الهيكلية وتدار بالهواية والشطط.
لتذهب فرنسا أولا لترميم بيتها الداخلي المتهالك ولتلملم خيباتها الميدانية أمام غضب شبيبتها المحقونة، ولتكف أيديها وإعلامها المأجور عن التدخل في الشؤون السيادية للمملكة المغربية، لأن التاريخ لا يرحم الأدعياء، ولأن المغرب—برجالاته الأوفياء ورؤيته الاستراتيجية الثابتة—سيظل أعتى وأكبر من أن تنال منه شطحات دولة تبحث عن هروب للأمام للتغطية على خيباتها الداخلية وانكساراتها الدولية المتتالية.




