الأمن الاقتصادي وقضايا الشباب وإصلاح الإدارة وتحديات الهجرة.. أبرز رسائل الخطاب الملكي أمام البرلمان

 

أكد الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، أهمية المرحلة السياسية والمؤسساتية المقبلة، محدداً مجموعة من الأولويات المرتبطة بمواصلة الإنجازات، وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية، ووضع الشباب في صلب السياسات العمومية، وتسريع الإصلاحات الترابية والإدارية، إلى جانب تطوير الشراكات الدولية ومراجعة نموذج تدبير الهجرة.

وتبرز هذه التوجيهات انتظارات المرحلة المقبلة، التي وصفها الخطاب بأنها ظرفية استثنائية حافلة بالفرص التي قد لا تتكرر، بما يستدعي جعل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

في الجانب السياسي والمؤسساتي، شددت مضامين الخطاب على أن الانتداب البرلماني ليس مجرد مسؤولية تمثيلية، بل هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط نواب الأمة بالمواطنات والمواطنين.

ويضع هذا التصور العمل البرلماني في صلب المسؤولية تجاه المجتمع، في مرحلة تتطلب مواصلة الإنجازات في مختلف المجالات، واستثمار الفرص المتاحة لتعزيز مسار التنمية الوطنية.

كما يبرز الخطاب أهمية أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة منعطفاً حقيقياً في مسار المغرب، بما يعزز طموحه إلى ترسيخ مكانته كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة.

خصص الخطاب حيزاً لقيم الهوية المغربية الجامعة، وما يرتبط بها من اعتزاز بالوطن والانتماء إليه. وفي هذا السياق، أكد الخطاب حق المغاربة في الاعتزاز بهويتهم الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة للمملكة والغنية بتعدد مكوناتها.

كما شملت هذه الدعوة الاعتزاز بالمكاسب السياسية والدبلوماسية، وبالإنجازات التنموية والاقتصادية والاجتماعية التي غيرت وجه المغرب.

ولا يقتصر الاعتزاز بالوطن، وفق هذا التصور، على التعبير عن الانتماء، بل يتحول إلى مسؤولية، مثلما تتحول الثقة إلى واجب وطني. وهو ما يربط قيم الهوية والانتماء بمواصلة العمل من أجل صون المكتسبات وتعزيز مسار التنمية.

على المستوى الاقتصادي والتنموي، دعت التوجيهات الملكية إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية، في إطار تعزيز الاستعداد لمتطلبات المرحلة المقبلة.

كما أكدت ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، لا سيما في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي.

وتضع هذه المجالات ضمن الأولويات التي تستدعي تطوير القدرات الوطنية وتعزيز الاستراتيجيات المرتبطة بها، بما يدعم طموح المغرب الاقتصادي والتنـموي.

وفي السياق نفسه، دعا الخطاب إلى الارتقاء بالقطاع الخاص الوطني إلى مستوى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، مع جعله أكثر مبادرة وابتكاراً، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

ويعكس هذا التوجه أهمية الدور المنتظر من القطاع الخاص في دعم التنمية الاقتصادية، من خلال توسيع المبادرة الاستثمارية وتعزيز قدرته على الابتكار وخلق فرص العمل، إلى جانب مساهمته في تطوير الصادرات.

احتلت قضايا الشباب مكانة بارزة ضمن مضامين الخطاب الملكي، الذي أكد ضرورة وضعها في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

ويقوم هذا التوجه على الربط بين مختلف المجالات المرتبطة بمستقبل الشباب، بما يتيح تناول قضاياهم في إطار متكامل يجمع بين التعليم والتأهيل والاندماج في الحياة الاقتصادية.

كما شدد الخطاب على أهمية تعزيز ثقة الشباب في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل في ظل الحرية والكرامة والاستقرار.

وتضع هذه التوجيهات الثقة وتكافؤ الفرص والإدماج الاقتصادي ضمن العناصر الأساسية في التعامل مع قضايا الشباب، مع التأكيد على ضرورة توفير تصور متكامل يستجيب لانتظاراتهم ويدعم إمكانات ارتقائهم الاجتماعي.

على مستوى التنمية المجالية، حدد الخطاب الملكي العمل الميداني على المستوى الترابي باعتباره الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، من خلال الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة والعمل على إيجاد حلول واقعية لها.

وأكدت المضامين وجود ارتباط وثيق بين النهوض بالتنمية المندمجة، وتحسين الخدمات العمومية، وتحفيز الاستثمار المنتج، وبين مواصلة مسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.

وفي المقابل، نبه الخطاب إلى أن التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري تنعكس سلباً على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين.

وفي هذا الإطار، شدد على عدم قبول أي تأخير أو مماطلة في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يقتضيه من نقل السلطات والصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

كما أكد ضرورة وضع حد للعراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهة، ولا سيما من خلال تحديد الاختصاصات بصورة أكثر وضوحاً، والرفع من الموارد البشرية والمالية المتاحة لها.

وتشمل التوجيهات كذلك وضع آليات للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، بما يمكّن هذه الأخيرة، في إطار الاختصاصات المخولة لها، من اتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع.

وتبرز هذه المضامين أهمية الانتقال من الاختصاصات المحددة على المستوى المؤسساتي إلى تفعيلها ميدانياً، بما يعزز قدرة الجهات على معالجة مشاكلها والاستجابة لحاجيات السكان، ويساهم في تحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج.

في الشق المتعلق بالسياسة الخارجية، أبرز الخطاب الملكي تمكن المملكة من ترسيخ مكانتها على الصعيد الدولي باعتبارها شريكاً مسؤولاً وموثوقاً، حريصاً على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه التعامل بالمثل.

وتعكس هذه المقاربة أهمية الالتزام المتبادل في العلاقات الدولية، وربط الشراكات باحترام التعهدات، بما يدعم مكانة المغرب في محيطه الدولي ويعزز توجهه نحو التعاون والتنمية المشتركة.

وفي هذا السياق، تناول الخطاب الشراكة مع إسبانيا، التي عرفت تطورات في مجالات متعددة، من بينها محاربة الهجرة غير الشرعية، مع الإشارة إلى التحديات التي لا تزال تواجه التعاون بين البلدين في هذا الملف.

أكد الخطاب اعتماد المغرب مقاربة متوازنة في تدبير ظاهرة الهجرة، أفضت إلى نتائج ملموسة، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن النموذج الحالي في هذا المجال أصبح متجاوزاً، وأن الأزمات المتكررة تشكل دليلاً على ذلك.

وتناولت المضامين التحديات التي تواجه التعاون مع إسبانيا في ملف الهجرة، ولا سيما ما يرتبط ببعض المقتضيات القانونية والقرارات القضائية التي تحول، وفق ما ورد في الخطاب، دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، بما يغذي أطماع الشبكات الإجرامية المتاجرة بالبشر.

ويضع هذا التشخيص ملف الهجرة ضمن القضايا التي تتطلب مراجعة المقاربة المعتمدة، في ضوء الأزمات المتكررة والتحديات المرتبطة بالتعاون بين البلدين.

كما أكد الخطاب أن الشراكة مع إسبانيا اختيار سيادي والتزام إرادي، وليست مجالاً للضغط أو التهديد أو الابتزاز، وذلك في سياق الرد على ما وصفه بتصريحات غير مسؤولة واستغلال بعض الأوساط السياسية والإعلامية لهذه الشراكة.

وفي هذا الإطار، أعلن التوجه نحو تقديم وثيقة للشركاء تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

تكشف مضامين الخطاب الملكي عن مجموعة من الأولويات المترابطة، تجمع بين المسؤولية السياسية والمؤسساتية، والاعتزاز بالهوية الوطنية والمنجزات، وتعزيز الأمن الاقتصادي، والاهتمام بقضايا الشباب، وتسريع الإصلاحات الترابية والإدارية، وتطوير الشراكات الدولية.

وتبرز هذه الأولويات أهمية مواصلة الإنجازات، وتطوير الاستراتيجيات الكبرى، وتعزيز دور القطاع الخاص، ووضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، إلى جانب إزالة العراقيل التي تحول دون تفعيل اللامركزية واللاتمركز الإداري.

كما تضع السياسة الخارجية وتدبير الهجرة ضمن الملفات التي تستدعي تطوير المقاربات المعتمدة وتعزيز التعاون على أساس الالتزامات المتبادلة واحترام الاختيارات السيادية.

وبذلك، تجمع التوجيهات الملكية بين مواصلة طموح المغرب الاقتصادي والتنموي، وتحسين أداء المؤسسات والخدمات العمومية، وتعزيز ثقة الشباب، وترسيخ مكانة المملكة كشريك دولي مسؤول وموثوق، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من تحديد الأولويات إلى تفعيلها على أرض الواقع.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني