التنمية الترابية واللاتمركز الإداري.. رهان الانتقال من الاختلالات إلى الفعالية الميدانية

يشكل تطوير التنمية الترابية وتعزيز فعالية الإدارة المحلية أحد المحاور البارزة في التوجيهات الملكية بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية. فبلوغ الأهداف التنموية لا يرتبط فقط بوضع الاستراتيجيات والبرامج، بل يتوقف أيضاً على مدى ترجمتها إلى مشاريع ملموسة تستجيب لحاجيات المواطنين وتراعي خصوصيات مختلف الجهات والأقاليم.

وفي هذا الإطار، يبرز العمل الميداني باعتباره مدخلاً أساسياً للمرحلة المقبلة، من خلال تشخيص الإشكالات التي تواجه كل منطقة، وتحديد الأولويات وفق احتياجاتها الفعلية، والعمل على إيجاد حلول عملية تضمن أثراً مباشراً على التنمية المحلية.

ويربط التوجه الملكي بين تحقيق التنمية المندمجة، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية، وتشجيع الاستثمار المنتج، وبين تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري. ويعكس هذا الترابط ضرورة تجاوز المقاربات التي تفصل بين الإصلاح الإداري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، باعتبارهما مسارين متكاملين يتطلب نجاحهما تقريب القرار من المجال الترابي وتعزيز قدرة المؤسسات المحلية على تنفيذ المشاريع.

وفي المقابل، يظل استمرار التأخر والاختلالات في تفعيل اللامركزية واللاتمركز من بين التحديات التي تؤثر على تنفيذ البرامج التنموية، وتحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانشغالات المواطنين. ومن هنا تأتي الدعوة الملكية إلى وضع حد لأي تماطل في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، بما يستلزمه ذلك من نقل فعلي للصلاحيات والسلطات، إلى جانب الموارد البشرية والمالية الضرورية، من الإدارة المركزية إلى الجهات والأقاليم.

ولا يقتصر هذا الورش على نقل الاختصاصات، بل يشمل أيضاً معالجة العراقيل التي تواجه مؤسسات الجهة، عبر توضيح المسؤوليات والاختصاصات، وتعزيز إمكاناتها البشرية والمالية، بما يتيح لها الاضطلاع بالأدوار المنوطة بها في مجال التنمية.

كما تبرز أهمية إرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد بين الدولة والجهات، بما يسمح لهذه الأخيرة باتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع في نطاق اختصاصاتها، ويعزز الانسجام بين السياسات الوطنية والأولويات المحلية.

وتتجاوز الغاية من هذه الإصلاحات مجرد إعادة توزيع الصلاحيات بين مستويات الإدارة، لتشمل تحسين فعالية التدبير العمومي، وتسريع إنجاز المشاريع، والحد من العراقيل الإدارية التي قد تعطل المبادرات التنموية أو تؤخر الاستجابة للحاجيات المحلية.

ويضع هذا التوجه مؤسسات الجهة أمام مسؤولية الاضطلاع بأدوارها التنموية، بالتوازي مع ضرورة توفير الشروط الإدارية والمالية والبشرية التي تمكنها من ممارسة اختصاصاتها بفعالية.

وتبرز الرسالة الأساسية في هذا المحور أن نجاح التنمية الترابية يظل مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على تحويل الاختصاصات والإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة، تنعكس على جودة الخدمات العمومية، وجاذبية الاستثمار، وتسريع تنفيذ المشاريع، والاستجابة لانشغالات المواطنين في مختلف مناطق المملكة.


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني