فخاخ “السرير” وسقوط النجومية!

 

عبد اللطيف مجدوب

حقوق أم ابتزازات

لا شيء يفاجئ الجمهور أكثر من اللحظة التي يُسقط فيها “النجوم” من بروجهم العالية في ومضة عين، إثر اتهامات ذات طابع جنسي أو أخلاقي تزج بهم فجأة في حبائل القضاء والمحاكم. وتتعدد الأسئلة الحارقة وسط صخب منصات التواصل الاجتماعي، هل نحن أمام صحوة حقوقية أخلاقية لرد حقوق الضحايا وإسقاط حصانة “المشاهير”؟ أم أن الأمر يتجاوز ذلك ليغدو سلاحاً فتاكاً ومؤامرات مدبرة للابتزاز والتحطيم المتعمد للمسار المهني والشخصي؟

سيناريو “الإيقاع المدروس”: شبكات الاصطياد المبرمج

لا تقتصر هذه السيناريوهات على خيال أفلام الإثارة الهوليوودية، مثلما يعكسه صراع الإرادات وثغرات النظام القانوني في شريط تشارلز برونسون الشهير “Ten to Midnight”، بل هي واقع مرير تعيشه كواليس الشهرة. تبدأ اللعبة باستئجار عناصر نسائية يتمتعن بالجاذبية لتأطيرهن ولعب دور “الطعم”. ولا يُترك اللقاء للصدفة، بل يُخطط لزمانه ومكانه في بيئات مغلقة تغيب عنها شهود العيان، لتبدأ لحظة الانقضاض برفع الدعوى القضائية أو التلويح بالفضيحة الإعلامية متزامنة مع مطالب مالية ضخمة مقابل التسوية.
خبايا الخبائث.

ظاهرة “ثمن البكرة”

تُعد ظاهرة “ثمن البكرة” أو “تجارة الفخ” الوجه الأخبث في هذه المنظومة. وتتلخص في اعتماد بعض الفتيات الراغبات في الثراء السريع —أو بتوجيه من شبكات مدسوسة منظمة— إلى التنازل عن عذريتهن مقابل مبالغ زهيدة موثقة مسبقاً. وفور إتمام اللقاء، تسارع الفتاة لإبلاغ السلطات بتعرضها لـ “اغتصاب قسري”، ليجد النجم أو الغني نفسه محاصراً بين خيارين أحلاهما مر: إما استنزافه مادياً لأقصى الحدود عبر الابتزاز المستمر، وإما مواجهة جحيم السجن، الغرامة، والإعدام المعنوي.

حدود الإكراه القانوني ومفهوم الاغتصاب

في التكييف القانوني والتشريعي، يثار التساؤل دائماً حول مدى اعتبار ممارسة العنف البدني أو المادي أو الضغط النفسي على “المرأة/الفتاة” مقوماً من مقومات جريمة الاغتصاب؛ إذ يعتبر القانون التشريعي المعاصر أن أي إيلاج أو فعل جنسي يتم تحت وطأة القوة، الإكراه، أو التهديد، أو باستغلال انعدام الإرادة، هو جريمة اغتصاب مكتملة الأركان دون اعتبار لطبيعة العلاقة السابقة بين الطرفين.
ويمتد هذا النقاش إلى نطاق المؤسسة الزوجية: هل يندرج تحت مفهوم “الاغتصاب” امتناع الزوجة أو رفضها لمضاجعة زوجها وإرغامها على ذلك بالعنف؟ بين الرأي الفقهي والاجتهاد القضائي والتحولات التشريعية الحديثة، تتجه العديد من القوانين المعاصرة إلى تجريم ما يُعرف بـ “الاغتصاب الزوجي”، معتبرة أن عقد الزواج لا يسقط الحق الجسدي والإرادة الحرّة للمرأة، وأن استغلال القوة لإجبارها يعد اعتداءً غير مشروع، في حين تراه الاتجاهات التقليدية إخلالاً بالواجبات الزوجية ينظم بضوابط أخرى دون إسقاط وصمة الاغتصاب بمفهومه العام، مما يجعل الجدل مستمراً حول التوازنات القانونية بين الحماية الحقوقية وخصوصية العلاقات العلاقة الزوجية.

سقطات مدوية: حين تتحول “غرفة النوم” إلى مقبرة للنجومية

الحديث بصيغة التعميم يفقد التحليل قيمته؛ فالسجلات العالمية والمحلية تعج بأسماء هزت الرأي العام:
* في عالم المال والأعمال: كقضية الفرنسي دومينيك ستراوس كان، المدير العام لصندوق النقد الدولي، الذي أُسقط من قمة السباق الرئاسي الفرنسي عام 2011 إثر اتهام مفاجئ في فندق “سوفيتل” بنيويورك، لتنتهي القضية لاحقاً بانهيار الدعوى الجنائية بعد أن أدّى الفخ غرضه تماماً.
* في عالم الرياضة العالمية والمحلية: النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو وقضايا لاس فيغاس، وصولاً إلى قضايا النجم المغربي أشرف حكيمي الذي وجد نفسه وسط عاصفة من الاتهامات في توقيت توهجه المونديالي، ومثله المغني المغربي سعد لمجرد الذي تحولت مسيرته إلى كابوس قضائي متكرر في قاعات الفنادق الأوروبية، مما جعل قطاعاً عريضاً من الجمهور يرجح فرضية التربص والاستهداف المادي والمعنوي.

ثغرات المنظومة الجنائية: عندما تتحول نصوص الحماية إلى “مصائد”

يحذر خبراء القانون الجنائي من ثغرات بنيوية في المنظومات القضائية المعاصرة. ففي محاولة لردم الهوة التاريخية لإفلات المعتدين، مُنحت شكايات الاعتداءات حصانة نفسية ومجتمعية و”قرينة مشتكي” تطغى أحياناً على قرينة البراءة. هذا المناخ، إلى جانب غياب الردع الصارم ضد البلاغات الكيدية وضعف عقوبات الوشاية الكاذبة مقارنة بحجم الدمار اللاحق بالمتهم، يجعل المغامرين لا يخشون عواقب اللعبة، مما يستوجب إصلاحات تشريعية ترسي توازناً دقيقاً يحمي الضحايا الحقيقيين دون تحويل القضاء إلى أداة طيعة في أيدي العصابات.

كخاتمة، إن ظاهرة “فخاخ السرير وسقوط النجومية” تظل حقل ديناميت خطيراً، يتقاطع فيه البريق المالي مع صراعات النفوذ والمصالح السوداء. والفاصل الوحيد بين الحقيقة والزيف، وبين إنصاف ضحايا حقيقيين وضحايا مؤامرات “ثمن البكرة”، يظل هو التحقيق الأمني النزيه والقضاء العادل الذي يتجاوز صخب منصات التواصل الاجتماعي.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني