المحروقات في المغرب: من 10 دراهم إلى 17 درهماً للتر.. من يحمي المواطن من تغوّل شركات التوزيع؟

الأستاذ: علي اعمو.
كاتب من المغرب.

لم يعد الارتفاع المتواصل في أسعار المحروقات بالمغرب مجرد مسألة تجارية مرتبطة بتقلبات الأسواق الدولية، بل أصبح قضية اجتماعية و اقتصادية تثقل كاهل المواطنين، بعد ما انتقل سعر لتر الغازوال من حوالي 10 دراهم إلى أكثر من 17 درهماً في فترة وجيزة. وفق ما أورته جريدة “أخبارنا”🔗 هذه الزيادات المتتالية، يحق للمواطن أن يتساءل: كيف تُحدَّد أسعار المحروقات؟ و من يراقب الشركات التي تتحكم في استيرادها و توزيعها؟ و لماذا يبدو أن المستهلك يتحمل دائماً الجزء الأكبر من تقلبات السوق؟
مضيق هرمز.. هل يفسر كل شيء؟.
لا أحد ينكر تأثير التوترات الدولية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز على أسواق الطاقة، لكن الاستناد إلى هذه العوامل لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر جاهز لكل زيادة. فالمطلوب هو توضيح انعكاس ارتفاع الأسعار الدولية على كلفة الاستيراد والنقل و التأمين و المخزون، حتى يعرف المواطن كيف انتقل أثر هذه العوامل إلى السعر الذي يؤديه في محطات الوقود.
والسؤال الأهم: إذا كانت الزيادات تنعكس بسرعة على الأسعار المحلية، فلماذا لا تنعكس التخفيضات الدولية بالسرعة والحجم نفسيهما؟.
الزيادات بالدراهم و التخفيضات بالسنتيمات.
سبق لجريدة “هسبريس” أن نشرت، في 30 دجنبر 2025، خبراً عن تخفيض أسعار المحروقات بالمغرب، فقد أوردت الجريدة أن سعر لتر الغازوال انخفض آنذاك بـ65 سنتيماً، بينما انخفض سعر البنزين بـ44 سنتيماً، مشيرة إلى أن سعر الغازوال تراجع في بعض المحطات إلى أقل من 10 دراهم، بعدما كان يتجاوز 11 درهماً.🔗.
و هنا تبرز مفارقة تستحق التفسير: لماذا تبدو الزيادات أحياناً كبيرة و سريعة، بينما تأتي التخفيضات محدودة؟ أليس من حق المستهلك أن يعرف المعايير المعتمدة في تحديد الأسعار وهوامش الربح؟.
شركات كبرى.. من يراقب نفوذها؟.
إن سوق المحروقات ليس سوقاً بسيطاً تتنافس فيه شركات صغيرة و متساوية الإمكانات؛ بل تتحكم فيه شركات كبرى ذات إمكانات مالية و تجارية ضخمة. و هذا الواقع يطرح تساؤلات حول مدى حدة المنافسة، و حول قدرة المؤسسات الرقابية على منع استغلال مواقع النفوذ الاقتصادي.
و لا يتعلق الأمر باتهام شركات بعينها بممارسات غير قانونية، و إنما بالمطالبة بكشف حقيقة الأسعار و هوامش الأرباح، و ضمان ألا تتحول قوة الشركات إلى وسيلة لفرض شروطها على المستهلك.
المغرب يستورد المحروقات ويعيد تصديرها.. أين تكمن المصلحة الوطنية؟.
ومما يثير الانتباه ما أوردته جريدة “اليوم 24” بشأن تصدُّر المغرب قائمة مورِّدي المحروقات إلى روسيا خلال أكتوبر 2026، بشحنات تجاوزت 40 ألف برميل يومياً، وفق بيانات شركة Kpler ». 🔗
و تزداد أهمية هذا الخبر عندما نضعه في سياق اعتماد المغرب على استيراد المحروقات لتلبية حاجياته الداخلية. صحيح أن هذه الشحنات قد تكون منتجات مستوردة أعيد تصديرها أو مرت عبر موانئ مغربية، و أن الخبر لا يثبت أنها من إنتاج المغرب، لكنه يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة: ما طبيعة هذه العمليات؟ و من الشركات التي تقف وراءها؟ وما الأرباح التي تحققها؟ وهل تخضع لمراقبة وشفافية كافيتين؟.
إن المطلوب ليس إطلاق اتهامات بلا أدلة، بل الكشف عن حقيقة هذه التجارة، و ضمان أن تكون المصلحة الوطنية و حاجيات السوق المغربية في صلب تدبير قطاع المحروقات.
مجلس المنافسة والحكومة.. أين المراقبة الفعلية؟.
رغم تدخل مجلس المنافسة وإصداره تقارير و قرارات بشأن قطاع المحروقات، فإن السؤال يظل قائماً حول مدى تأثير هذه التدخلات على واقع السوق و حماية المستهلك. فوجود مؤسسة رقابية لا يكفي وحده؛ بل ينبغي أن تكون لقراراتها آثار ملموسة، و أن تخضع الشركات لمراقبة فعالة تضمن المنافسة النزيهة و تمنع أي ممارسات تضر بالمواطن.🔗
أما الحكومة، فلا يمكنها الاكتفاء بتفسير الزيادات بالعوامل العالمية، بل عليها أن تتحمل مسؤوليتها في حماية القدرة الشرائية، و أن تدرس إمكانية تخفيف العبء الضريبي على المحروقات كلما بلغت الأسعار مستويات مُرهِقة، مع مراعاة التوازنات المالية للدولة.
المواطن هو من يدفع الثمن.
إن ارتفاع أسعار المحروقات لا يتوقف عند محطات الوقود، بل يمتد إلى النقل و الفلاحة و توزيع السلع و أسعار المواد الغذائية و الخدمات. و لذلك فإن كل زيادة في سعر الغازوال تنعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الحياة اليومية للمغاربة.
لقد آن الأوان لفتح نقاش جدي و شفاف حول تدبير قطاع المحروقات، و مراجعة آليات المراقبة والمحاسبة، و الكشف عن هوامش الأرباح و مسارات الاستيراد و إعادة التصدير.
فمن حق المواطن أن يعرف لماذا ترتفع الأسعار بهذه السرعة، و من يستفيد من هذه التجارة، و لماذا يظل هو الحلقة الأضعف في معادلة المحروقات.
إن حماية القدرة الشرائية ليست شعاراً حكومياً، بل مسؤولية تقتضي الشفافية و المحاسبة و تطبيق القانون على الجميع، مهما كانت قوتهم الاقتصادية أو مواقعهم و نفوذهم.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني