في أواخر سبتمبر الماضي أقدمت السلطات المغربية على ترحيل الصحفي الإيراني سعيد كمالي دهقان الذي تسلل إلى مدينة الحسيمة لتغطية الاحتجاجات في الريف، وإجراء لقاءات صحفية مع بعض الناشطين.
الصحفي الشيعي الذي يعمل مراسلا لدى الصحيفة البريطانية؛ لم يكلف نفسه طلب الرخصة من السلطات المغربية لمزاولة العمل الصحفي رغم أنه يعلم بضرورة هذا الإجراء بالنسبة للأجانب في البلد الذي يزوره للمرة الأولى.
كنت أعلم أن الرجل الجريح لن يفوت هذه الإهانة التي تلقاها من المغرب، لينتقم لنفسه لا للمهنة على صفحات إحدى أكثر الصحف البريطانية انتشارا، وبالفعل لم يمض شهر على الحادثة حتى نشرت له الغارديان أمس، الأول من نوفمبر، مقالا مغرضا معقوفا مثل عقفة الخنجر، أقل ما يمكن أن يوصف به أنه سبة في وجه صحيفة ذات سمعة مثل الغارديان، التي التزمت منذ صدورها بتقاليد الإعلام البريطاني العريقة، وتحري الدقة في المعلومة، والمهنية في مقاربة المواضيع المختلفة.
لكن دهقان -الذي ولد في مدينة كرَجْ الإيرانية ودرس في جامعة طهران قسم الصحافة والإعلام،والذي يعتبر مطبخ السلطان خامنئي الذي يُصَدّر منه كوادر مدجنة أشبه بكرباج النظام الإيراني أو الباسيج الصحفي؛ ليندسوا بعد ذلك في أعرق المؤسسات الإعلامية الغربية، ويروجوا بمكر أجندات إيران السياسية من خلال تلك المنابر-لم يستطع أن يغالب شعوره في إشباع شهوة جامحة من الانتقام بعد أن نفضته السلطات المغربية، وتفطنت لدوافع الإيراني المشبوهة،فرحلته مدحورا في أول طائرة إلى بلاد الإنجليز.
فقد ادعى كمالي في مقاله على الغارديان، أن “حراك” الريف هو السبب في تضاعف أعداد المهاجرين واللاجئين من المغرب إلى إسبانيا بمعدل ثلاثة أضعاف؛ أي من 1000 مهاجر سري في الأشهر الأربعة الأولى من العام الماضي إلى 3000 ألاف في نفس المدة من السنة الجارية، ليصل العدد إلى 13,300 في الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية.
ورغم أن موقع فرونتكس التابع للوكالة الأوروبية للحدود التي استند كمالي إلى إحصاءاتها- قد عزت السبب الأساسي في تلك الزيادة إلى عدم الاستقرار في الدول الإفريقية التي يأتي منها المهاجرون إلى المغرب، مثل ساحل العاج وغينيا وغامبيا، إضافة إلى الحملات التي شنتها مؤخرا السلطات على المناطق التي يخيم فيها المهاجرون الأفارقة مؤقتا في انتظار فرص العبور إلى العدوة الأخرى، ما جعلهم يتدفقون نحو البحر- فإن كمالي تجاهل هذه الأسباب، واستغل أرقام الوكالة عن تزايد الهجرة؛ ليوحي بأن منطقة الريف في المغرب تشهد نزوحا جماعيا إلى أوروبا؛ فرارا من الملاحقات الأمنية للنشطاء الريفيين، مطلقا وصف الهجرة الجماعيةexodus”“ الذييعد تعبيرا ثقيلا ومضللا،لا يحدث إلا في المناطق التي تشهد تطهيرا عرقيا وتحولا ديموغرافيا مثل سوريا والعراق وميانمار.
بينما أشارت صحيفة الدايلي ميل البريطانية أن تلك الزيادة التي يشهدها ما بات يعرف بالطريق الغربي المتوسطي؛ وهو الخطالذي يمر عبر المغرب إلى إسبانيا- عائد بالأساس إلى التضييق الذي تشهده طرق الهجرة الأساسية التي كان يتدفق منها معظم المهاجرين، وعلى رأسها الطريق الشرقي للمتوسط(تركيا-اليونان) بعد الاتفاق التركي مع الاتحاد الأوروبي الذي نجح في تقليص أعداد المهاجرين غير الشرعيين من قرابة 156 ألف مهاجر العام الماضي إلى ما يناهز 7000 ألاف في العام الجاري، ومن الطبيعي أن تتدفق أمواج المهاجرين إلى ممرات بديلة كالممر المغربي، فالأمر لا يعود إلى هجرة جماعية لساكنة الريف كما يزعم السيد كمالي مدفوعا بحقد أعمى.
ورغم أن السيد دهقان ومن خلفه إيران -التي عادة عندما يأتي ذكر المغرب (ترقص… من غير دف) فكيف بدف من ماركة حراك الريف- يلعب دور العاهرة التي تدافع بشراسة عن الشرف؛بسرده حكايات ملفقة عن ما سماه القمع الوحشي لقوات مكافحة الشغب في الريف، واختراع قصص مفبركة لأشخاص يقول أنه استجوبهم في الحسيمة وطريفة الإسبانية يرسم بها صورة مستنسخة من المأساة السورية!!- فإنه لا يجد غضاضة عندما تستضيفه القنوات البريطانية كخبير في الشأن الإيراني- في الدفاع عن نظام آيات الله الثيوقراطي المتوحش الذي تشهد إيران في ظلالهأكبر معدلات إعدام المعارضين في العالم، مدعيا أن بلاد الساسانيين قد شهدت تحولات عميقة في عهد الرئيس روحاني…!؟
بينما تفيد تقارير منظمة العفو الدولية لشهر غشت الماضي، أن المحاكم في الجمهورية الشيعية تنزل بالمعارضين أحكاما متطاولة تفوق 10 سنوات في جلسات لا تتجاوز45 دقيقة لمجرد اتصالهم بمنظمة الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو منظمات حقوق الإنسان بل حتى الاتصال بمنظمة التجارة العالمية، ويصفهم الإعلام الرسمي المُدجّن في إيران بالعملاء والخونة…مجرد اتصال!.
وأشهر أولئك المعارضين آراش صادغي الذي أدين ب19 عاما سجنا نافذا، لأنه تجرأ وتحدث إلى منظمة العفو الدولية وراسل أعضاء في الاتحاد الأوروبي!!، بل وتعدى الأمر إلى سجن زوجته جولروخ إبراهيمي بسبب رواية أدبية تحدثت فيها عن الرجم.
بينما حكم على الناشطة الحقوقية نرجس محمدي ب16 عاما لأنها عقدت لقاء مع كاترين آشتون الممثل السامي للشؤون الخارجية والأمن للإتحاد الأوربي، ويرزح علي رضا فارسي عضو الأقلية الأذربيجانية التركية في إيران تحت حكم 15 سنة من السجن؛ لأنه كتب طلبا إلى اليونيسكو يدعو فيه المنظمة إلى الاحتفال بذكرى اليوم العالمي للغة الأم، مما جعل مستشار منظمة العفو الدولية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعبر عن استغرابه من هذه الأحكام الأسطورية، في حين تسعى الحكومة الإيرانيةنفسها إلى تلك المنظمات لحل معضلة ملفها النووي.
لكن كمالي الذي تجاهل تماما في مقاله خطاب العرش الملكي، والتحولات الراديكالية التي يقودها الملك محمد السادس لإصلاح الأوضاع الحقوقية والاجتماعية والسياسية في المغرب، ومتغافلا تماما عن بلاغ الديوان الملكي الذي أطاح برؤوس كبيرة في الدولة عششت طويلا في مناصبها دون فائدة، وحرم وزراء آخرين من تولي أي مهمات رسمية في المستقبل على خلفية الإخلال بالواجب والمماطلة في إنجاز مشروع الحسيمة منارة المتوسط؛ نجده يصف في مداخلاته على القنوات البريطانية حكومة روحاني بالإصلاحية، هذه الحكومة التي لو قامت فيها احتجاجات مثل احتجاجات الريف؛فلن تتوان في تعليق المحتجين على رافعات طولها أربعين مترا…
والحقيقة أن احتجاجات الريف أوجدت مجالا لكثير من الكتاب ليجرّبوا أقلامهم فينا ويمتحنوا صلابة وحدة المجتمع المغربي، وقدرة الدولة على احتواء التشوهات والمزايدات التي تحاول جهدها الانحراف بالمطالب الاجتماعية إلى زندقة انفصالية خرائبية،وخلق اتجاه يتبنى شعارات متطرفة مزايدة على المحتوى والمضمون.




