الرباط: كواليس اليوم
كرست الانتخابات الجزئية التي جرت أمس الخميس، حزب العدالة والتنمية كخيار شعبي للناخبين بتبوئه مركز الصدارة في دائرتي طنجة ومراكش، رغم كل التخمينات التي سبقت إجراء هذا الاستحقاق.
ولعل أهم ما يسم الانتخابات الجزئية لـ 4 من أكتوبر الجاري، هو التزام السلطات العمومية الحياد تجاه جميع الهيئات السياسية، ومنح الناخبين وحدهم لعب دور الحكم بين مرشحي الأحزاب السياسية، مما يعزز توجه انتخابات الـ 25 من نونبر الماضي التي حملت حزب العدالة والتنمية إلى دفة الحكم بعد احتلاله المرتبة الأولى وتكليف أمينه العام بتشكيل الحكومة.
وفي الوقت الذي كان المراقبون ينتظرون أن يعمق خيار الناخبين أزمة “البيجيدي”، بتصويت عقابي ضد مرشحيهم، فإن تجديد الثقة، يمكن أن يفهم منه “توريط” الحزب إلى أبعد مدى، من منطلق أن الكتلة الناخبة منحته الفرصة الكاملة للحكم.
وعلى هذا المستوى، فقد أثبت المغرب من جديد التزامه بالمضي قدما في مسلسل الإصلاح الديمقراطي وفق أرقى المعايير الدولية. التزام وجهت فيه السلطات العمومية رسائل إلى الخارج، بأن الانخراط في الإصلاح السياسي قرار نهائي لا رجعة فيه، ورسائل أخرى إلى الداخل تضع على عاتق الهيئات السياسية كيفما كانت التحلي بالمسؤولية، والقطع مع الابتزاز السياسي الذي يستخدم التشكيك في نزاهة الاستحقاقات، كورقة للضغط كلما جاءت نتائج الانتخابات معاكسة لهوى هيئة سياسية أو تنظيم حزبي.
ووفق هذا التحليل، فإن السيناريو المتوقع سلفا، والذي تورط حزب العدالة والتنمية في الترويج له، بادعائه دعم الدولة لحزب سياسي على حساب باقي الأحزاب، لم يتحقق، وأن مسؤولية تدبير الشأن العام لم تمنع حزب رئيس الحكومة من التشويش السياسي الذي أشاع مناخا يعطي الانطباع بأن أي خسارة محتملة للانتخابات تعني استهداف الحزب من أجل إفشال تجربته.
لقد حملت الجماهير حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، ومنحته تفويضا سياسيا لخمس سنوات، يفترض أن تكرس للاستجابة لتطلعات المواطنين، وأن يركز الحزب فيها على تنزيل الدستور، وتحقيق برنامجه الانتخابي رفقة مكونات الأغلبية الحكومية، حتى يتحول الإصلاح الديمقراطي إلى روتين سياسي يقوم على التداول المبني على جودة البرامج الانتخابية ومصداقية العرض السياسي.
الآن، وبعد أن أعلنت نتائج الدائرتين الانتخابيتين، وانصرف حزب العدالة والتنمية إلى الانتشاء بفوزه، فإن هذا التكليف يضاعف حجم الرهانات المعقودة على هذا الحزب، وقد كان حريا بقيادييه أن يدركوا أن انتخابات 25 يونيو مازالت طرية، ولم يكن هناك من داع لاستباق النتائج، والتلويح بإشارات لا تليق بحزب يقود الحكومة.
التحدي الأهم الآن هو أن تعكف الحكومة على تقديم إجابات معقولة لقضايا المغاربة، بدل تبديد الجهد في خوض معارك وهمية لم تحقق شيئا للمغاربة، وأن تستوعب الدرس من التجارب الماضية، عندما كانت بعض الهيئات السياسية، تعتقد أن مجرد تقمص دور الضحية، يبقيها على الدوام خيار الناخبين الأول، وقد أثبت التاريخ عدم صواب هذا الاعتقاد.
وعندما يضع الناخبون مجددا ثقتهم في العدالة والتنمية، وإن كان مؤشر الدائرتين غير صالح للتعميم، فإن قيادة الحزب مدعوة إلى قراءة لوحة القيادة جيدا، وأن تبحث عن كيفية مقايضة صوت الناخب بأفعال ملموسة وليس بخطاب مطاردة الساحرات والبحث عن العفاريت.




