همجية إسرائيل.. وصمود المقاومة

كواليس اليوم: زربي مراد

كم كان جميلا أن تصمد المقاومة الإسلامية حماس أمام همجية الجيش الصهيوني لمدة ناهزت الخمسة أسابيع، والأجمل أن تخرج غزة عن بكرة أبيها محتفلة بنصر مؤزر أثبتت به أنها الوحيدة التي لا تخضع لحكم تل أبيب ولا الشرق ولا الغرب، ولو كان الثمن تقديم التضحيات الجسام والدماء الزكية والتشرد وتلكم أمارات العزة والكرامة.
أن تتحدى غزة، وهي مدينة محاصرة منذ سنوات تكالب عليها شر الصديق قبل العدو وزاد من حدة حصارها تآمر إخوتها وأشقائها عليها، وأن ترفض التوقيع على هدنة لوقف إطلاق النار دون الاستجابة لمطالبها، بالرغم من الدمار والخراب اللذين لحقاها ومئات القتلى وآلاف الجرجى الذين سقطوا ضحية للقصف العشوائي للآلة العسكرية للجيش الصهيوني، فهذا يعتبر صمودا ما بعده صمود، قل نظيره جعل العدو متعجبا حيرانا، وهو الذي دحر بالأمس جيوش العرب بأكملها ودك حصونها واحتل أراضيها فلم تستطع أن تعيد منها شبرا.
ولقد برهنت المقاومة الإسلامية حماس، وهي تنظيم قليل العدد والعدة، بإجبارها حكومة بنيامين نتانياهو على توقيع هدنة طويلة الأمد بعد الاستجابة لعدد من المطالب المهمة التي لم تستطع ديبلوماسية الرئيس محمود عباس أن تنتزعها منذ سنوات خلت، أن قوة الدول لا تقاس بالعدة والعدد، فهما عاملان من عوامل النصر ليس إلا، ولا يعتبر التفوق العسكري بالضرورة معيارا للقوة المطلقة، إنما هناك عوامل أخرى لتحقيق النصر أهمها الإيمان بالله وبالقضية والصبر والحرص على الموت ففي الحرص عليه توهب الحياة.
ومن المؤكد أن المقاومة الإسلامية حماس المعتمدة على أسلحة بدائية محلية الصنع، وهي تأبى إلا أن يغادر الجيش الإسرائيلي المصنف في المرتبة الثالثة عشرة عالميا والمستخدم لأحدث الأسلحة وأفتكها إلى قلاعه دونما تحقيق أهدافه ولا اجتثات مجاهديها البواسل من جذورهم كما وعد نتانياهو بذلك لتحقيق الأمن لمواطنيه فلا تقصف منازلهم بصواريخها بعد ذلك، تكون قد فندت أسطورة الجيش الذي لا يقهر الذي لم يجرؤ جيش عربي على محاربته منذ حرب أكتوبر 1973، وإن كان في حقيقة الأمر لا يعدو أن يكون هرا يحكي انتفاخا صولة الأسد.
قد يرى بعضهم أن خروج الغزاويين للشوارع مرددين أهازيج النصر ما هو إلا عادة من عادات العربان تعودوا عليها في ظل توالي النكبات والانتكاسات كلما أرخت حرب خاضوها أوزراها، غير أن هذا الطرح يبقى مجانبا للصواب بخصوص ما حدث طيلة ما يزيد عن خمسة أسابيع من العدوان. ولعل ما يؤكد طرحنا بأن المقاومة خرجت منتصرة، أن يعترف ما يزيد عن 60 بالمائة من الإسرائيليين بخسارة الجيش الذي لا يقهر للحرب في استطلاع للرأي وكذلك أجمعت جل وسائل الإعلام الاسرائيلية على اندحار رئيس الوزراء، بنيامين نتانياهو، سياسيا لفشله في تحقيق ما كان يصبو إليه من وراء شنه
لعدوانه على غزة.
ولنفترض جدلا أن غزة لم تنتصر، فقديما قال أحد الحكماء أن القوي إذا عجز عن تحقيق الانتصار فهو مهزوم والضعيف إذا رفض الاعتراف بالهزيمة فهو منتصر، وحماس ظلت صامدة محتسبة مترفعة ولم ترفع الراية البيضاء معلنة استسلامها للهمجية الصهيونية، بل إنها رفعت سقف مطالبها للتوقيع على الهدنة، وإن كانت في موقف يستوجب وقف العدوان وحقن الدماء بأي شكل. وبالمقابل ورغم التفوق العسكري للجيش الاسرائيلي واعتماده على أسلحة متطورة مده بها الغرب المنافق، إلا أنه لم يستطع أن يحقق مبتغاه ورجع بغيظه لم ينل خيرا، وبقيت المقاومة، بل واكتسبت الشرعية لتبقى
شوكة في حلق المحتلين الغاصبين الذين لم يجنوا غير الدخول لتاريخ جرائم الحرب من أوسع أبوابه ومزيد من العزلة حتى أن دولا صديقة لتل أبيب شجبت عدوانها على غزة ولم تمنع مواطنيها من تنظيم مظاهرات تضامنية معها.
لا ننكر أن غزة تكبدت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات، وهذا راجع بالأساس إلى التباين الهائل في موازين القوى، كما أن قصف إسرائيل للمباني المدنية وقتل الأطفال والشيوخ والنساء والمدنيين وهدم منازلهم، لا يعتبر شجاعة ولا عملا بطوليا،ولا يمكن اعتباره نصرا، إنما هو الإرهاب الحقيقي وجريمة في حق الإنسانية وجريمة لا أخلاقية وجبن ما بعده جبن.
ونستغرب أن يعتبر بعض علمانينا أن إسرائيل خرجت منتصرة ضاربين مثل عدو هاجم منزل عدوه فقتل أهله وسلب ماله فلم يكن من الضعيف إلا أن اكتفى بتمزيق قميصه، وكذلك حال حماس وإسرائيل من وجهة نظرهم الضيقة، وكأنه كان على حماس، ولأنها تعرف بقوة العدو الصهيوني، أن تقول له مرحبا خذ مالنا واسفك دماءنا واغتصب أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا إن ها هنا قاعدون.
ولعل ما غاب عن هؤلاء العلمانيين وهم يفتون بما ليس لهم بعلم أو حسدا من عند أنفسهم وحقدا على كل ما هو إسلامي، أن المقاومة الإسلامية حماس كانت تحارب كيانا متوحشا لا يتكلم إلا لغة سفك الدماء مستخدما أسلحة دمار شامل ومدعوما من الغرب والشرق وحتى من العرب، ويكفي ذكر سيسي مصر الذي لم تأخذه رحمة بأطفال غزة ولم يرقب فيهم إلا ولا ذمة فيفتح معبره ويفك الحصار عليهم لوصول الدواء والمعونات للمصابين والمنكوبين، عله يكفر عن قليل مما اكتسبه من إثم في حق شعب مصر.
قد تكون غزة لم تحقق انتصارا تاريخيا على إسرائيل ولكنها حققت مكاسب سياسية على أكثر من مستوى لم تستطع دول عربية بجيوشها النظامية الكثيرة العدد والعدة أن تنتزعها لا في الحرب ولا في السلم بديبلوماسيتها المتخاذلة. كما أن المقاومة الإسلامية حماس أبانت عن شجاعة منقطعة النظير كان لها بالغ الآثر في إلحاق إهانة كبيرة بإسرائيل ستجعلها أكثر قوة في المخيال الشعبي الفلسطيني خاصة والعربي عامة وفوبيا بالنسبة للعدو الصهيوني الذي سيفكر ويمعن التفكير جيدا قبل اجتياح قطاع غزا مستقبلا.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني