بقلم: رئاسة التحرير
يستحق يوم الاضراب الوطني العام، أن يسمى يوم الخاسرين.
29 أكتوبر أظهر محدودية النقابات في التعبئة لحدث كبير من حجم إضراب وطني عام، توحدت فيه خمس نقابات وطنية كبرى، وعشرات النقابات الأخرى، لسحب البساط من تحت حكومة أنهكت كاهل الأمة بالقرارات غير الشعبية.
مر الإضراب العام الوطني، كحدث عادي لم يزعزع شيئا في الحكومة، التي خسرت هي الأخرى وضعها بانتقالها من تدبير الشأن العام السياسي إلى التفرج بعد أن فشلت في إقناع النقابات بإلغاء الإضراب واكتفت بتتبع الوضع، ولم تتنفس الصعداء إلا بعد انصرام يوم الإضراب.
خمس نقابات كبرى بامتداداتها السياسية، وزعاماتها النقابية وقواعدها، جعلت من حرب الأرقام السلاح الوحيد لإشاعة واقع غير حقيقي، عن إضراب اشتغلت فيه المصالح الحكومية بوتيرة أقرب إلى العادية، وتردد المشاركون فيه أكثر من مرة بين الاصطفاف إلى جانب الحكومة أو الانضمام إلى معركة النقابات التي أخطأت حساباتها.
مناسبة الإضراب الوطني العام، تبقى بعد توقف اللغط حولها، وبعد قراءة رسائلها الهامة في كل الاتجاهات، مجرد مناسبة لاستخلاص دروس وحقائق لا بد للحكومة والنقابات أن تضعها في الحسبان قبل اتخاذ أي قرارات مستقبلية.
فالنقابات التي أعلنت الإضراب وبررت ضرورته، وعبأت له، وتوعدت الحكومة بالشلل، وأرادت أن تجعل منه مناسبة لاستعراض القوة، ودفع حكومة يقودها شخص متعنت إلى التنازل من خلال آلية الحوار، فشلت في تحقيق أي من أهدافها.
القيادات النقابية الوطنية، والمحلية، تعي جيدا حجم المشاركة، وتتجرع في قرارة نفسها، حسرة ما بعدها حسرة على العصر الذهبي للعمل النقابي، وتتذكر الإضرابات الوطنية جيدا وتعرف أن المقارنة غير ممكنة من جميع الجوانب، ولعلها الفرصة الحقيقية الأولى والاختبار الميداني الذي يؤكد الأحكام الجاهزة حول واقع العمل النقابي بالمغرب.
سلاح الإضراب العام الذي رفعته النقابات للاحتجاج على الحكومة وتسفيه إصلاحاتها، أظهر في الوقت نفسه، أن مقارعة الحكومة نقابيا تقتضي تجديد دماء النقابات، والإنصات إلى نبض القواعد، وتحرير العمل النقابي من عقلية القائد الخالد والزعيم الجوكر الذي ينتقل برشاقة من ساحة العمل السياسي إلى الميدان النقابي ويجمع بينهما في أحيان كثيرة.
ما يثير القلق بخصوص وضع الحكومة في هذه المعادلة، أن ثلاث سنوات من الفشل المتواصل لا يمكن محوها بخسارة النقابات لمعركة الإضراب.
لقد فشلت الحكومة ورئيسها في كل الأوراش، والاستسلام للتخبط لا يمكن أن يستمر لوقت أطول، والإكراهات الاجتماعية والاقتصادية لا تحتمل الانتظار، كما أن الهروب إلى الأمام لا يعني سوى ربح الوقت وترحيل الأزمات.
خسرت النقابات رهانها، وكبل الشعب الحكومة بإعلانه البقاء على الحياد، والخطر كل الخطر من عدم التقاط الإشارات الشعبية القوية والتلقائية والتي يلتقي فيه المغاربة بقناعات فردية غير مؤطرة إلا بمراس التعود الشعبي على الخيبات، مما أفقدها الثقة في جميع الفاعلين حكومة ونقابات.




