«إذا كان الطرف الآخر لديه ورقة خضراء يعتقد أنها تفتح له الطريق ضد الحق والمشروعية؛ فإن لدينا مبادئنا وعدالة قضيتنا!»
من خطاب جلالة الملك في ذكرى المسيرة الخضراء 2014.
ولذلك ستظل الصحراء مغربية … مهما تراكمت الورقات الخضراء وتكدست في صناديق بعضها فوق بعض!
لأن قضيتنا عادلة…
د. محمد ناجي
الوثائق القضائية والرسمية وقيمتها الحجاجية (أ)
مدار الحديث في هذه الحلقة وما بعدها سيتركز ـ بعون الله ـ على القرارات التي تتخذها النيابة العامة بحفظ الشكاية والتعليل الذي تبني عليه ذلك القرار. ومن ثم ، فستكون هذا الحلقات ذات طبيعة إجرائية أكثر منها نظرية؛ إلا ما كان من استحضار لبعض المبادئ أو التوجهات التي تؤسس للسياسة الجنائية في بلادنا، أو التي تضمنتها المواثيق والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان ونظام العدالة الجنائية التي صادق عليها المغرب، لملاءمة قوانينه مع التوجه العالمي في هذا الصدد .
غير أنني مع ذلك ؛ لن أخوض في مناقشة ماهية قرارات النيابة؛ هل هي ذات طبيعة إدارية أم قضائية، فهذا موضوع قد أشبِع بحثا ونقاشا، وتباينت فيه الاجتهادات، بما في ذلك الأحكام التي صدرت عن نفس المحاكم في المغرب. ففي حكم للمحكمة الإدارية بأكادير عدد 172 الصادر بتاريخ 20/05/2008 ، مالت فيه المحكمة إلى اعتبارها ذات طبيعة إدارية؛ حيث جاء فيه :« أن المعايير التي تتمسك بها النيابة العامة لا تتناقض مع ما تتخذه من قرارات ذات طبيعة إدارية ومنها فتح أجل جديد للتعرض بناء على الفصل 29 من الظهير المتعلق بالتحفيظ العقاري»؛؛
بينما اعتبرت نفس المحكمة في حكم آخر قرار النيابة العامة ذا طبيعة قضائية، حيث جاء فيه : « من صميم عمل النيابة العامة تلقي الشكايات المتعلقة بالدعوى العمومية ومتابعتها وحفظها في إطار السلطة التقديرية المخولة لها، وما دام القرار المطعون فيه مرتبط (ـاً) باختصاص وكيل الملك في مدى تحريك الدعوى العمومية فهو عمل قضائي يخرج بطبيعته عن ولاية القضاء الإداري.» (ها1).
..لأن الذي يهمنا الآن أكثر؛ هو النتائج التي تؤدي إليها تلك القرارات، وانعكاساتها على السير العادي للعدالة، وعلى نفسية المواطنين المتقاضين، خاصة عندما تُـتخذ قراراتٌ بحفظ شكايات بجنايات ثابتة بأقوى الأدلة وأقطعها؛ وتكون معللةً بتعليلات غير واقعية ولا مقنعة، ألغت من اعتبارها الحجج والوثائقَ القضائية والرسمية المدلى بها؛ حيث تتناسل في دواخل المصدود عن حقه احتمالاتٌ شتى ؛ حتى ليذهب الظن أحيانا ببعض المشتكين إلى أن النيابة العامة تعمدت الانحياز إلى الطرف الجاني، حماية له مما كان سيترتب عن تحريك الدعوى العمومية ضده من عقوبات شديدة؛ تبعا لخطورة الجريمة المقترفة.
وإن لمما يزيد متاهاتِ الظنون والاحتمالات إعتاما؛ أن تكون تلك القرارات بالحفظ ، قد اتُّـخِـذت دون إحالة الشكاية على التحقيق، رغم أن القانون يوجب ذلك.
ففي قانون المسطرة الجنائية المعدل في 27 أكتوبر 2011 :
« المادة 83
يكون التحقيق إلزاميا :
- في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة …..»
فإذا كانت الشكاية تتعلق بجناية تدخل في هذا النطاق ؛
وإذا كانت صادرة من مصدر معلوم ، متضرر؛
وإذا كانت مرفقة بأقوى وسائل الإثبات التي ينص عليها الفصل 404 من ظ.ل.ع. وهي الإقرار والحجة الكتابية ؛
وإذا كانت مرفقة بدليل رسمي صادر عن الدولة، لا يُـعلى عليه في الحجية في بابه؛
ثم تُـحَـفَّـظ تلك الشكاية دون أن تحال على التحقيق ؛ فهذا ـ بطبيعة الحال ـ سـيَـحُول بكل قوة بين المشتكي وبين اقتناعه بسلامة الإجراءات المتخذة ؛ إذ كيف يمكن أن يتقبل أي مشتك في العالم قرارا بحفظ شكاية من هذا النوع، وبتلك الحجج؟ وكيف لا تذهب به الظنون كل مذهب؟
وإثبات وقوع الجريمة أو نفي وقوعها يختلف صعوبة ويسرا بحسب نوع التهمة الموجهة للمشتكى به؛ ولعل الشكاية التي سنجعلها موضوع مناقشة قانونية في هذه الحلقات ذات الطابع الإجرائي، هي من أكثر الشكايات وضوحا، وأسهلها إثباتا أو نفيا للتهمة؛ لأنها تتعلق بنقطة واحدة من أيسر الأمور إثباتها أو نفيها، وهي وجود أو عدم وجود أرض شاسعة، مترامية الأطراف، تبلغ مساحتها 130.000 متر مربع؛ نُـسِـبت إلى أحسن موقع وأغلاه ثمنا في المغرب؛ ضفةِ نهر أبي رقراق؛ الموقعِ الذي تباع فيه القطعة الأرضية بالقدم المربعة وليس بالمتر المربع .. مما يدل على قيمتها وارتفاع ثمنها .
فهل هناك ما هو أسهل من التحقق من وجود أو عدم وجود أرض مساحتها 130.000 متر مربع في هذا الموقع، علما بأن ثمنها ـ في حال وجودها فعلا ـ قد يصل إلى 20 مليار سنتيم، أو أكثر!
وإذا كانت موجودة ؛ فهل هناك ما هو أسهل من إثبات ذلك الوجود ؟
هل يمكن أن تكون تلك الأرض موجودة في هذا الموقع وجودا ماديا وحقيقيا قبل تقديم شكاية بها، ثم تختفي من الوجود بعد تقديم الشكاية؟
هذا أمر مستحيل طبعا !
إن الأرض، أي أرض، إذا كانت موجودة حقيقة وعيانا، فإنها لا تختفي من الوجود، أو تمحي، أو تبتلعها الأرض.. ومن ثم يبقى إثبات وجودها أمرا ممكنا وميسورا في أي وقت. أما إذا لم يكن لتلك الأرض وجود البتة؛ فإنه سيكون من المستحيل طبعا إثبات وجودها؛ لأنه ـ ببساطة ــ من المستحيل إثبات وجود شيء لا وجود له.
ولذلك فإننا نتساءل دائما : هل يعجز مساح طوبوغرافي عن إثبات وجود أرض، ادعى أنه وقف عليها، وعمل لها مسحا طوبوغرافيا، حدد فيه موقعها على ضفة نهر أبي رقراق داخل المدار الحضري لمدينة سلا، وحدد مساحتها بــ 13 هكتارا، وجعل لها جوارا وحدودا بشرية وطبيعية، وأثبت كل ذلك في شهادة رسمية وعمومية وضعها سماها “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك” ؟؟
لاشك أن عجز أي مساح عن إثبات وجود أرض يدعي أنه قام بمسحها؛ إنما يدل على شيء واحد: هو زيف ذلك الادعاء، وزورية شهادة إثبات الحال المبنية عليه ..
وبناء على هذا المُـعـطى؛ فقد تقدم المشتكي المتضرر من هذه الشهادة إلى النيابة العامة بأكادير، بتاريخ 22 نونبر 2012؛ بشكاية (رقمها: 8878-12) يتهمها بأنها شهادة لا أصل لها، ويؤكد فيها أنه لا وجود إطلاقا لتلك البقعة الأرضية التي على أساسها صنعت تلك الشهادة المسماة “شهادة إثبات الحالة الراهنة للملك”، مبينا وجه الضرر الذي ناله منها، حيث كان قد أُدلِـيَ بها للقضاء في شكايات ضده وضد أفراد أسرته، ما زالت جارية في رحاب المحاكم بأكادير، مطالبا بفتح تحقيق في شأنها، وبمتابعة المتورطين في إنجازها ؛ إذا أثبت التحقيق أنها فعلا شهادة لا أصل لها.. مرفقا شكايته بمحضرين استجوابيين أنجزا بناء على أمر قضائي صادر عن السيد رئيس المحكمة الإدارية بأكادير، بتاريخ 18-8-2011 و 28-11-2011، الغاية منهما معرفة الوثائق أو المستندات التي بنى عليها المساح الطوبوغرافي شهادته، ومن دله على تلك الأرض، وكيف توصل إلى تلك الأسماء التي ذكرها في شهادته؛ حيث يتبين من أجوبته أنه لم يعتمد على أي وثيقة كيفما كان نوعها، كما صرح بأنه توصل إلى تلك الأسماء بالتحريات التي قام بها في عين المكان .
كما أرفق شكايته بالدليل الرسمي القاطع على عدم وجود تلك الأرض، وهي نسخة من الجريدة الرسمية عدد 5806 الصادرة بتاريخ 21 يناير 2010، التي تضمنت صفحاتها من 188 إلى 237، اللائحة الكاملة والنهائية لكل الأراضي الواقعة على ضفتي نهر أبي رقراق ؛ ليس فيها أي قطعة أرضية بهذه المساحة، ولا قريبا منها.. وهو ما يستطيع كل مهتم أن يتأكد منه بنفسه بالدخول إلى موقع الأمانة العامة للحكومة، والاطلاع على الجريدة الرسمية المذكورة . فهي إذن حجة رسمية قاطعة، صادرة عن الدولة، تثبت زورية تلك الشهادة الوهمية، يستطيع العالم كله التأكد منها.
ولذلك ؛ ونظرا لتأكد الجميع من عدم وجود تلك الأرض ، وعَـجْـزِ المساح وشريكه في الجريمة على إثبات وجودها على أرض الواقع، ليتسنى له دحضُ الاتهام الموجه إليها في الشكاية المذكورة.. ؛ فإن النيابة العامة بأكادير بعد تلقيها لتلك الشكاية، وتوصلها بالمحضر الذي أنجز للمشتكي لدى الضابطة القضائية بأكادير؛ الذي أكد فيه مطالبته بفتح تحقيق في شأنها ومتابعة المتورطين فيها ؛ اكتفت من المساح الطوبوغرافي، المشتكى به، بالاستماع إليه في محضر رسمي لدى الضابطة القضائية بتاريخ 15 يناير 2013؛ قال فيه:
«أعمل كمساح طوبوغرافي بمكتبي الكائن … بأكادير. وبتاريخ 16-7-2009 ربط بي الاتصال أحد زبنائي وهو المسمى (ع.ع.) وطلب مني إجراء تصميم تحديدي لقطعة أرضية متنازع عليها توجد على ضفاف نهر أبي رقراق بمدينة سلا. على هذا الأساس انتقلت رفقة المعني بالأمر إلى مدينة سلا، وقمت بالإجراءات العملية لتحديد تصميم القطعة الأرضية وحدودها وكذا مساحتها التي تبلغ 13 هكتار.
لإتمام عملي ربطت الاتصال بأحد زملائي بمدينة الرباط كان مكلفا بإنجاز التصميم التحديدي لضفتي نهر أبي رقراق لفائدة الوكالة الوطنية المكلفة بتهيئة الضفتين، وأمدني بمعلومات عن ملاك القطع الأرضية المحيطة بالقطعة التي أنجزت تصميمها التحديدي. وكل هذه الأمور اعتمدتها كالعادة في إنجاز التصميم، وأدليت بها للطالب (ع.ع.).
لم يرد في التصميم الذي أنجزته أي معلومات عن مالك القطعة الأرضية المذكورة؛ لكنني أتذكر أن المسمى (ع.ع.) أخبرني أنها في ملكية عائلة الشريف علوي . ورغم ذلك كما ذكرت لم أذكر في التصميم الذي قمت بإعداده لمن تعود ملكيتها.
هذا ما لدي…»
هذا كل ما صرح به المشتكى به في محضر الاستماع إليه؛ الذي سيسمى فيما بعد بــ “البحث التمهيدي”.
لم يُـسأل عن صحة مزاعمه، ولم يُـطالَب بإثباتها، ولم يُـسأل عن سبب عدم ورود هذه القطعة الأرضية الهائلة في الجريدة الرسمية، ولم يُسأل عن اسم ذلك الزميل الذي زوده بمعلومات عن مُلاك القطع الأرضية المجاورة. ولم يسأل عن المصدر الذي استقى منه ذلك الزميل تلك المعلومات، وهل زوده بها شفويا أم كتابيا، ولم يسأل هل يجوز للمساح الطوبوغرافي أن يدخل إلى أرض بدون إذن مالكها، ويقوم بمسحها مسحا طوبوغرافيا بدون حضوره أو بدون موافقته ؟ ولم يُـسأل عما إذا كان يعلم بأن كل الأراضي الواقعة على ضفتي نهر أبي رقراق قد وَضَـعـت الدولة يدها عليها للمنفعة العامة منذ سنة 2005 بظهير شريف؛ ولم يُـسأل عما إذا كان قد تأكد من صحة معلوماته ومعطياته لدى الوكالة الوطنية المكلفة بتهيئة الضفتين، باعتبارها المؤسسة الرسمية تتوفر على كل المعلومات المتعلقة بأراضي الضفتين ..
باختصار : لم يسأل عن شيء.
لقد اتضح كل شيء للنيابة العامة، فأصدرت قرارا بحفظ الشكاية لانعدام عنصر المتابعة .
وكانت هذه هي المرحلة الأولى من الإجراءات المسطرية التي سارت فيها الشكاية. نقف عندها قليلا لنناقشها ـ على قدر فهمنا المتواضع ـ، بما يحفظ الاحترام الواجب لقرارات وأحكام القضاء، والتقدير لهيئة السلطة القضائية بكل مكوناتها، مؤكدين أن هذا لا يمنع من مقارعة الحجة بالحجة، والمناقشة بالدليل، ووضع الكلام على مقاس الكلام، خدمة للعدالة وإظهارا للحقيقة ، وغيرة على قضائنا الذي نتطلع إلى أن يظل دائما مبعث فخر واعتزاز لكل مواطن مغربي، ودعامة أساسية لتقدم الوطن واستقراره وازدهاره.
فأما القانون ، فكلمته واضحة هنا.. أشرنا إلى بعض منها في الفقرات السابقة، وسنستمر فيه كلما حلت مناسبته..
وأما النيابة العامة: فإنه من البديهي المجمع عليه، أنه لا يمكن أن تتخذ قرارا ما، في شأن شكاية ما؛ إلا بعد أن يتـبـيَّـن لها الأمر فيها، فتعرف موضوعها، وتفاصيلها، ومطالبها، والصفة التي تحتملها الشكاية هل هي جنحية أم جنائية أم مجرد مخالفة، أم لاشيء. وهل هي داخلة في اختصاصها الموضوعي والمكاني .. إلى غير ذلك مما تكون معه النيابة العامة على قدر واف من تصورها لموضوع الشكاية وأطرافها.
وبافتراضنا تحقق هذا في شكايتنا؛ إذ لا يمكن أن نفترض غير ذلك، فلا يمكن أن نتصور أن النيابة العامة تكون قد أصدرت قرارها في شكاية ما دون أن تكون قد ألمت بكل جوانبها إلماما تاما؛
.. لذلك، فإن نتيجة ذلك الافتراض السليم، تدفعنا إلى طرح سؤال جوهري على النيابة العامة المحترمة؛ لا أراني في الموقع القضائي أو المسؤول الذي يلزمها بالإجابة عنه .. ولكنني قد وجدت ضالتي في فقرة رائعة لكاتبة صاعدة، أكتفي بإيرادها، لأنها تختصر ما لا أستطيع التعبير عنه في الصفحات الطوال، قالت فيها:
« إنني أطرح سؤالا أعرف جوابه، لكنني أحببت أن أرفعه بصوت عال … لعله يصل الى آذان البعض، وإن كان هذا لا يضمن لي أنهم سيفهمونه ، لكن سأقول ما لدي وأمر، وكلي إيمان أن الكلمات تعرف طريقها كالماء الجاري ولا يمكن إيقافها أبدا. » (ها2).
أنا لا أتبنى كل ما في هذه الفقرة؛ وإن أعجبتني كثيرا؛ لأنني مقتنع أن الكل سيفهمه، ولكن الذي أتبناه هو جملتها الأخيرة الرائعة :
«سأقول ما لدي وأمـر، وكلي إيمان أن الكلمات تعرف طريقها كالماء الجاري، ولا يمكن إيقافها أبدا».
أما السؤال الأساسي والجوهري، فهو :
ـ في نظر النيابة العامة المحترمة : هل هذه الأرض موجودة فعلا على ضفة نهر أبي رقراق، أم ليس لها وجود؟
٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭٭
أما بالنسبة للمناقشة القانونية:
فأول ما يصدمنا هو تعليل الحفظ بانعدام عنصر المتابعة . حيث يتولد سؤال قانوني تلقائي عن هذا التعليل :
هل اتهام وثيقة رسمية وعمومية ، صنعها موظف عمومي، يعمل مساحا طوبوغرافيا، باعتبارها تدخل في صميم عمله، وله الصلاحية القانونية لإصدارها، أعطاها اسما له مفهوم قانوني دقيق، يُـحـتج بها أمام القضاء؛
..هل اتهام هذه الشهادة بأنها لا أصل لها، وأنها شهادة وهمية صنعت لأرض لا وجود لها؛ لا يشكل في نظر النيابة العامة عنصر متابعة؟
إن عنصر المتابعة، حسب مدلوله القانوني، يعني أن تكون الشكاية قائمة على ارتكاب فعل يجرمه القانون، ويعاقب عليه، بناء على فصل أو أكثر من فصول القانون الجنائي.
ومما لا يحتاج إلى توضيح؛ فإن إنجاز شهادة رسمية وعمومية من طرف موظف عمومي تدخل في إطار مهامه واختصاصاته ، يثبت فيها وقائع وأسماء . ثم لا يكون لتلك الشهادة أي جانب من الحقيقة؛ وإنما هي شهادة وهمية بوقائع وهمية وبأسماء لأشخاص موهومين .. يعتبر تزويرا .
والتزوير بشتى أشكاله مجـرَّم في القانون، وله فصول واضحة تحدد عقوبته في القانون الجنائي ، بحسب نوعه ومقترفه .
فأين عنصر القوة في تعليل قرار بحفظ تلك الشكاية لانعدام عنصر المتابعة؟
وأين واقعية التعليل ؟
على كل حال ، بعد أن علم المشتكي بصدور قرار بحفظ الشكاية، تقدم بتاريخ 6 يونيو 2013 إلى النيابة العامة « بطلب لإخراجها من الحفظ، ومتابعة التحقيق في شأنها، ولو بإجراء إنابة قضائية إلى النيابة العامة بابتدائية سلا» ؛ دون أن يرفق طلبه بأي وثيقة جديدة، ولا ذكر فيه أي معطى جديد؛ وإنما بناه على ما ورد في شكايته الأصلية من فقرات وعبارات تفيد بوضوح وجود عنصر المتابعة؛ منذ الصفحة الأولى إلى الصفحة السادسة، التي جاء فيها : «أن شهادة المساح الطوبوغرافي بالمقارنة مع ما صدر في الجريدة الرسمية المذكورة تعتبر لا أصل لها، ولا علاقة لها بتلك الأراضي المحاذية لضفتي نهر أبي رقراق» .
استجابت النيابة العامة مشكورة لهذا الطلب، وأخرجت الشكاية من الحفظ، ووجهت المشتكيَ مرة أخرى إلى الضابطة القضائية لأخذ أقواله من جديد، حيث أبرز في محضره الثاني، المنجز له بتاريخ 22 يوليوز 2013 ، العناصر الواردة في الشكاية، والمكونة للوصف الذي ينطبق على الجريمة، بحسب تعريفها في الفصل الجنائي المناسب، ختمه بقوله :
«إنني أصر على متابعة المشتكى به أمام العدالة، وذلك لإنجازه وتقديمه وثيقة رسمية عمومية تتضمن معلومات ووقائع لا أساس لها من الصحة ، وأسماء وهميين لجوار وهميين لفائدة المسمى (ع.ع.) ؛ وهي كلها أمور مستحيلة الوقوع باعتبار أنه لا وجود لتلك البقعة موضوع شهادة إثبات الحال التي أنجزها المشتكى به، حسبما ورد في الجريدة الرسمية المبينة العدد أعلاه».
وبدون توجيه المشتكى به هو أيضا للإدلاء بتصريحاته، بعد أن تبين للنيابة العامة وجه المتابعة وعنصرها، الذي كان ملتبسا لديها.. أصدرت قرارها الأكثر مفاجأة وإغرابا، بحفظ الشكاية للمرة الثانية، بتعليل: “انعدام الإثبات “.
وهنا قبل أن أتطرق لمناقشة مدى صحة هذا التعليل واقعيا من حيث وجود أو عدم وجود الإثبات في الشكاية؛ والذي نعرف وسائله من الفصل 404 من ظهير الالتزامات والعقود؛ أود أن أبدأ بمناقشته من الناحية القانونية :
جاء في المادة 18 من ق.م.ج. :
«يعهد إلى الشرطة القضائية تبعا للبيانات المقررة في هذا القسم بالتثبت من وقوع الجرائم، وجمع الأدلة عنها، والبحث عن مرتكبيها
تقوم بتنفيذ أوامر وإنابات قضاء التحقيق وأوامر النيابة العامة»
إذن فمسؤولية التـثبت من وقوع الجريمة وجمع الأدلة عنها تدخل في مهام الشرطة القضائية، وليس من مسؤوليات المشتكي، الذي يكفي أن تتوفر شكايته على عنصر المتابعة، وإظهار الضرر.
وما دامت النيابة العامة قد وافقت على إخراج الشكاية من الحفظ الذي كان معللا بانعدام عنصر المتابعة؛ فمعنى ذلك أنها اقـتـنعت بعدم واقعية ذلك التعليل أو بعدم قانونيته ؛ وتبين لها أن عنصر المتابعة متوفر في الشكاية؛
وما دامت النيابة العامة قد اقتنعت بوجود عنصر المتابعة، فمعنى ذلك أن هناك جريمة مرتكبة .. وإلا فعلى أي أساس ستتم المتابعة .
وإذا كانت هناك جريمة ثابتة في الشكاية؛ فإنه يصبح من مسؤولية النيابة العامة أن تصدر أوامرها للشرطة القضائية للـتـثـبت منها.. وجمع الأدلة عنها .
فإذا لم تتمكن الشرطة القضائية من التثبت من وقوع الجريمة، ولم تتوصل إلى أي دليل عليها؛ آنذاك يحق للنيابة العامة أن تصدر قرارا بحفظها..
أما إذا ثبت للشرطة القضائية وقوع الجريمة وتوصلت إلى بعض الأدلة، فهنا يكون الإجراء المناسب اتخاذه متعلقا بنوع الجريمة :
ـ فإذا كانت جنحة، فللنيابة العامة سلطتها التقديرية، فإما أن تحيلها على التحقيق، أو أن تحيلها على الغرفة الجنحية مباشرة.
ـ أما إذا كانت الجريمة تُـكـيَّـف بكونها جناية ، فاللازم ـ حسب قانون المسطرة الجنائية المعمول به إلى الآن ـ إحالتها على التحقيق، تطبيقا للمادة 83 ق.م.ج. المشار إليها أعلاه .
هذا عن المناقشة القانونية بالنسبة للنيابة العامة ..
أما عن المناقشة القانونية بالنسبة للمشتكى به :
فإن الملزم بالإثبات هو المدعي . فمن ادعى شيئا عليه إثباته .
والمدعي، يمكن أن يكون مشتكيا أو مشتكى به، لأن مفهوم المدعي في القانون هو من يدعي شيئا .
والمشتكى به، هو الذي يدعي في شهادته التي سماها “إثبات الحالة الراهنة للملك” بوجود أرض واقعة على الضفة السلاوية لنهر أبي رقراق. فيكون بذلك هو الملزم بإثبات وجود تلك الأرض. أما المشتكي فذمته بريئة من تلك الأرض، لأنه ينكر وجودها، وينكر أي علاقة له بها . وهذا هو الأصل.
يقول الفقهاء : «الأصل خلو الذمة»، وعن هذا الأصل بنيت المقولة الفقهية: “الحجة على المدعي”؛ ولذلك قال السيوطي في الأشباه والنظائر : « من ادعى على غيره شيئا لزمه الدليل؛ لأنه يدعي خلاف الأصل، ولا يُـطالَب الطرفُ الآخر بالدليل، لأنه متمسك بالأصل؛ وهو أن ذمته بريئة» .
فكيف يحق للنيابة العامة تحميلُ طرف بشيء هو غير مُـلـزَم به أصلا، وإعفاءُ الملزَم به أصلا من تحمله؟ أليس ذلك كحال مَـن رفع ثقلا من على كاهل شخص هو صاحبه والمسؤول عنه والمكلف بنقله، ووضَـعَه على كــاهل شخص آخر وحـمَّـلـه مسؤوليته وكلفه بنقله … عنوة !
فأين وجه الحق في هذا؟
هذا لو اعتبرنا خلو الشكاية من أي إثبات ..
ولكن .. هل هي كذلك؟
هذا ما سيكون موضوع مناقشتنا في الحلقة الآتية إن شاء الله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش :
- نقلا عن مقال ” الطبيعة القانونية لمقرر حفظ الشكاية” ̸ ذ. لحسن الزيتوني ـ جريدة الصباح : 10 يناير 2014.
- فقرة جميلة للكاتبة الصاعدة زينة أقلالوش في مقال لها بعنوان: “ما معنى أن تكون المرأة متحررة ” نقلا عن تيغيرت نيوز.







