د. محمد ناجي
تقوم السياسة الجنائية المغربية على مبدإ أساسي هو “تطبيق القانون” ؛
ويتأسس حفظ الشكايات الجنائية الثابتة على مبدإ سلطوي يهدف إلى “إفلات المجرمين من العقاب”.
———————–
في مقالها “ثقوا بدولتكم” (ها1) طرحت الصحفية حسناء زوان إشكالا يستعصي حله على الدولة ، حيث قالت : «لا أعتقد أنّ … أي مسؤول في الحكومة أو في الدولة يمكن أن يحل هذا الإشكال : ” أن تطلب الدولة من مواطنيها أن يثقوا بها، وفي الآن نفسه تمارس أمامهم كل السلوكات التي تفقدهم هاته الثقة… لا أفهم صراحة هذه الازدواجية” » .
وهذا هو الواقع ، فالدولة المغربية تعاني من سلوكات منفرة حيثما اتجهت، وتعاني من ازدواجية في كل مجالات الحياة، وعلى كل الأصعدة تقريبا: سياسيا، واقتصاديا ، وقضائيا :
فعلى المستوى السياسي : فالتكوين الهيكلي للحكومة يقوم منذ توليها تدبير شؤون البلاد، على البلقنة، وعلى ترقيع هذه البلقنة المرة تلو الأخرى، وتحَـوُّلِ الوزير الواحد من كرسي إلى آخر، وكأنه سائح في منتزه ينتقل من مشهد إلى مشهد، وليس وزيرا في حكومة مسؤولا عن تنفيذ جانب من برنامج سياسي شامل في القطاع الذي يدبره، في إطار تضامن حكومي حسن النية محمود الوسيلة .
كما تعتمد في مواصلة عملها على إرضاءِ الشركاء المؤلفة قلوبهم، والتذلل لهم ؛ لا توافقا على برنامج سياسي موحد؛ وإنما لكي يظل السيد رئيس الحكومة محافظا على النصاب داخل قبة التنابز والتصايح، إبقاءً على حياة حكومة تصيبها الأزمات القلبية بين الحين والحين، فتبلغ قلوب الشعب الحناجر خوفا من أن تتحول الأزمة إلى سكتة قلبية .
أما الازدواجية فتتجلى في عدم الانسجام بين مُـشَـرِّق ومُـغَـرِّب في إنزال مبادئ الدستور، وفي العجز المعبر عنه صراحة على تحقيق البرنامج المسطور، وفي نكوص الحكومة عن الوفاء بتعهدها للشعب المغربي بأن تحارب الفساد، وتخفف من وطأة البطالة، وتصلح القضاء؛ حيث صدقها الشعب بطيبوبته المعهودة، وحسن نيته التي تربى عليها، ومنح حزب رئيسها المرتبة الأولى في الانتخابات، على أمل القضاء على الفساد؛ فلم يزدد الفساد في عهدها إلا استفحالا، ولم تزدد الرشوة إلا انتشارا، ولم يزدد الفاسدون إلا تغولا وطغيانا…
وفي المجال الاقتصادي، فاقتصادنا ما يزال يعاني من الهشاشة والضعف بتقرير من صندوق النقد الدولي، وما تزال البطالة ضاربة أطنابها في صفوف شبابنا من حملة الشهادات العليا، وما يزال المغرب كسيحا في إعمال التدابير التي تهدف إلى تطوير الإطار المؤسساتي لاستجلاب الاستثمار الأجنبي وتشجيع المبادرة الحرة للمستثمرين المغاربة وغير المغاربة في مختلف المجالات، بدل استحواذ المجال العقاري على معظم رؤوس الأموال المرصودة للاستثمار على أرض الوطن، وما تزال الديون الخارجية تثقل كاهل ميزانية الدولة بشكل لا يسمح لها بالوقوف على قدميها، ولا يتيح لها فرصة الحلم بالطموح إلى وضع برامج ومخططات إنمائية ذات مردوديات سخية وآمنة، لحاجة مثل تلك المشاريع إلى رأس مال قوي ومؤمَّـن، لا يلعب على ورقة الأمطار والأحوال الجوية، أو استقبال السياح الذين يفرون عند سماع وقوع تماس كهربائي قريبا من الفندق الذي ينزلون فيه. أما الثروة المغربية المبحوث عنها فلم يُـعـثـر عليها بعد، لينال منها كل مواطن نصيبه على قدر عمله واجتهاده.
أما في مجال القضاء فقد أصبح هناك إجماع وطني، لا يضاهيه إلا إجماع الفقهاء على تقديم الفريضة على السنة؛ إجماع على ما يشوب هذا المرفق من سلوكات تُـفقد المواطنين ثقتهم فيه، وتكاد تصل بهم إلى درجة اليأس من إصلاحه؛ وهذا باعتراف الوزارة نفسها إذا صح ما قيل من وجود تسجيلات بهذا الصدد.
أما الازدواجية في مجال القضاء، فهذه قد وضحناها في مقال الحلقة السابقة، والتي عبرنا عنها بانفصام الشخصية القانونية للسياسة الجنائية، حيث أشرنا إلى أن حفظ الشكايات المخول للنيابة العامة في المغرب بدون ضابط ولا قيد يعتبر أجلى مظاهر ذلك الانفصام ، لأنه يمثل إحدى أهم الوسائل التي تستطيع بها النيابة العامة إفراغ أي سياسة جنائية من روحها، وتحويلها إلى جثة محنطة في كتب القانون الجنائي ومساطره … وهو ما يؤدي إلى نتائج مضرة بالدولة والمجتمع والأفراد على حد سواء . بل إن مساوئ هذا الإجراء المطلق، الذي قد يستعمل أحيانا بمزاجية مفارقة لأي مصلحة اجتماعية أو قانونية، تطال سمعة القضاء نفسه، فتسقط مكانته في أعين المواطنين، ويفقد رجاله وقارهم وما كانوا يحظون به من احترام وتقدير لدى الناس، وتضيع هيبة القضاء؛ وما أدراك ما هيبة القضاء ومهابة القضاة، فهي ـ كما قال المستشار ناصر معلا ـ “ليست ترفا أو مزية يجوز أن نسبغها عليهم أو ننزعها عنهم؛ وإنما هي من هيبة الشرع أو القانون الذي يقومون على تطبيقه على الناس؛ فإذا زالت هيبة القضاء زالت معها هيبة القانون الذي يطبقونه؛ وإذا زالت هيبة القانون من النفوس سقطت الدولة وعمت الفوضى” (ها2).
وبالمناسبة ، فلمعرفة أحوال المواطنين مع عدالتنا وقضائنا، يكفي أن نتتبع تلك الاحتجاجات التي لا يكاد صداها يتوقف لحظة في جهة حتى يشتعل في جهة أخرى من جهات المغرب، وأن نتمعن فيما تنطوي عليه معظم تلك التعليقات التي يعبر من خلالها قراء الجرائد الإلكترونية ومرتادو المواقع التواصلية عن انطباعاتهم ومواقفهم من القضاء ورجاله في بلدنا، والتي يصور كثير منها ما يعانيه ضحايا الجرائم المحفظة من إحباطات نفسية، ورغبة في الانتقام الشخصي، وشعور بالحكرة والمهانة، وفقدان للثقة في العدالة، وتشنج في العلاقة الرابطة بين السلطة القضائية والمجتمع، وتغيير لمواقف الناس ونظرتهم إلى رجال القضاء، التي تحولت من احترام متبادل، وتقدير لائق كانوا يحظون به في الأيام الخوالي، إلى انطباعات أخرى تعكسها حالات ـ قد تكون معزولة ـ لا تشرف أي قضاء في أي ركن من أركان العالم ، حيث تصبح تلك الحالات بمثابة المتنفس الذي ينفث منه المواطنون مشاعرهم التي يضمرونها نحو رجال السلطة والقضاء بصفة عامة؛ حتى إننا نجد تعليقات لا تسمح غيرة المرء على قضاء بلاده أن يعرضها كما عبر عنها صحابها من المكتوين والمتضررين من قرارات لم تكن سديدة، أو من أحكام لم تكن منصفة؛ مما تولدت عنه ردود الفعل المشار إليها ؛ وهو ما يشكل بتجمعه وتراكمه خطرا كبيرا على أمن الدولة واستقرارها.
إنه لا مشاحة في أن النيابة العامة في كل أقطار الدنيا تعتبر هي الفاعل الأساسي في تفعيل أي سياسة جنائية تضعها الدولة لنفسها . غير أن النيابة العامة عندما تُـخَـوَّلُ لها سلطاتٌ مطلقة دون ضابط ولا قيد، فمن الطبيعي أن يصبح تفعيل تلك السياسة الجنائية رهينا بمحض رغبتها وإرادتها ، فإذا أرادت ان تُـفَـعّـلها، طبقت القانون دون محاباة ولا مقصديات أخرى غير صالح العدالة، وإن هي أرادت إفراغها من أي مضمون إجرائي، وتـرْكِـها حبرا على ورق كان لها ذلك. وأقصر طريق لديها لتجميد مساهمتها وفعاليتها في إنجاح السياسة الجنائية للدولة، هو استعمال صلاحياتها المطلقة في اتخاذ القرارات بما يتوافق مع رغباتها؛ إذ ليس هناك ما يمنعها من حفظ أي شكاية مهما بلغت درجتها من الخطورة، وهو ما يجعل من الصعب على أي دولة تعاني من هذه الوضعية القانونية المزاجية أن تدعي لنفسها أنها دولة الحق، أو دولة القانون؛ أو دولة المؤسسات؛ لأنها عمليا إنما هي دولة تخضع في تدبير سياستها الجنائية لمؤسسة واحدة ذات سلطة مطلقة في اتخاذ أي قرار ترتضيه؛ وهي مؤسسة النيابة العامة.. ومن المؤكد والثابت تاريخيا وحضاريا أنه متى ما كانت هناك سلطة مطلقة؛ غير محصنة بأي ضوابط أو كوابح مانعة من الانزلاق ؛ فلا مناص من أن تتربَّـى في أحضانها كل مؤشرات الفساد؛ من محسوبية وعنصرية وحيف وتقديم للمنفعة الشخصية، واستغلال النفوذ، وتجاوز للقانون؛ ولو بنسب متفاوتة حسب أهواء أصحاب القرار وضمائرهم .
وتلافيا لكل هذه المزالق والشبهات فقد عمدت كثير من الدول الحريصة فعليا على تطبيق عدالة اجتماعية نزيهة، إلى تخليق مبدإ ربط المسؤولية بالمحاسبة، والحد من ظاهرة “السلطة المطلقة” في أي مجال أو مرفق كيفما كان نوعه؛ بما في ذلك تقنين سلطة حفظ الشكايات، وتقييدها بشروط قانونية وموضوعية، تكون النيابة العامة ملزمة بإظهارها في تعليل قرارها بوضوح عند حفظ أي شكاية جنائية أو جنحية؛ وهو الأمر الذي ما يزال مطلبا ملحا في المغرب، لما يشكله هذا الإجراء المعمول به عندنا إلى حدود الساعة من تعارض مع المقصدية العليا للعدالة وقوانينها المسطرية والجزائية، وما ينطوي عليه من تهديد ماثل باستمرار لأي إصلاح قضائي، أو أي سياسة جنائية تضعها الدولة؛ فضلا عما ينذر به من انفلات أمني جماهيري لا يمكن التنبؤ بنتائجه لا قدر الله؛ خاصة عندما تبدأ بوادره بالظهور على لسان المظلومين المحتجين المتوعدين المعتدين عليهم أو مغتصبي حقوقهم بأنهم سيقتصون منهم بأنفسهم. وأراني ألح على هذه المسألة وأكررها بدون ملل، عسى أن تتحرك بعض النفوس الغاطة في نومها، اللاهية عن نصائح وتوجيهات ملك البلاد، السادرة في أوهامها معتقدة أن الوطن بخير، وأن المواطنين في أمن وسلام، راضين بما يُـفعل بهم، شاكرين لهم ظلمهم وتحيزهم؛ وما هو إلا صبر المُـكـرَه المغلوب على أمره؛ حتى إذا ضاق الصدر ونفد الصبر حرك الأرض من تحت أقدامهم، فتطايروا كالعهن المنفوش؛ وتهاووا كأعجاز نخل خاوية؛ وساعتها لن يمكث منهم في الأرض إلا ما ينفع الناس.
لقد أشرنا في نهاية الحلقة السابقة (ها3) عند حديثنا عن مساوئ هذا النظام التقديري، أو ما يصطلح عليه بخصيصة الملاءمة، إلى أن بعض قرارات الحفظ قد تكون مقصودة رغم ثبوت الجريمة الجنائية ونسبتها لمقترفها، حيث تتخذ النيابة العامة ـ أحيانا ـ مواقف إرادية مسبقة لفائدة الجاني؛ المشتكى به؛ حتى لا يتابع في دعوى عمومية، فتعمل على الحيلولة دون إحالة الشكاية على قاضي التحقيق؛ إدراكا منها أنها متى ما أحالتها عليه فستصبح آنذاك من اختصاصه النوعي، حيث يباشر تحقيقه الإعدادي في شأنها. ومادامت النيابة العامة مدركة لحقيقة وقوع الجريمة وثبوتها؛ وما دامت مدركة لما سيسفر عنه التحقيق من نتيجة غير موافقة لرغبتها في إفلات الجاني من المتابعة في دعوى عمومية؛ فإنها تعمد إلى إغلاق ذلك الباب من البداية، على قول المشارقة : “الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه واسترِـح” . وأيسر طريقة لديها لإغلاق هذا الباب هي حفظ الشكاية قبل إحالتها على قاضي التحقيق ، أي قبل أن تقع الفأس في الرأس، وهو ما يحول دون التطبيق الأمثل للسياسة الجنائية العامة، وشاهده أن المادة 83 من قانون المسطرة الجنائية تنص على إلزامية التحقيق «في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام، أو السجن المؤبد، أو التي يصل الحد الأقصى للعقوبة المقررة لها ثلاثين سنة ، أو في الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث…» ،، فهذه المادة التي أصبحت تشكل جانبا من السياسة الجنائية العامة في المغرب منذ تعديل ظهير المقتضيات الانتقالية لسنة 1974 ، رغم تضييقها في قانون المسطرة الجنائية الحالية؛ إلا أن النيابة العامة بحكم سلطتها التقديرية المطلقة تستطيع أن تجمدها متى ما أرادت ذلك، فتحفظ الشكاية ولو كانت عقوبتها المقررة لها هي السجن المؤبد مثلا. فأي ازدواجية أكثر من هذه؛ إذا كانت المادة في نصها القانوني تقول بإلزامية التحقيق، وفي تعامل النيابة العامة يكون لها حرية تفعيلها أو تحنيطها وتجميدها ؟ وكيف يتأتى الوصول إلى تنزيل ما نص عليه الدستور الجديد في فصله 110 من إلزام النيابة العامة بتطبيق القانون؛ حيث لا خلاف على أن مفهوم “تطبيق القانون” يعني بالنسبة لأي جريمة مقترفة، متابعة مرتكبها ومحاكمته، مع الاحتفاظ له بكافة حقوقه التي تضمنها له المحاكمة العادلة كما تضمنها للطرف الآخر على السواء..
إن المفروض، والمعمول به في الدول الديمقراطية العادلة، هو أن النيابة العامة تكون هي الحارس الأمين على الشرعية القانونية من خلال قانون المسطرة الجنائية والقانون الجنائي.. بينما نجدها في بلدنا تتحول أحيانا إلى درع لوقاية الجناة والحيلولة دون متابعتهم في دعوى عمومية؛ مما يزيد ظاهرة الفساد استفحالا، ويزيد المفسدين تجبرا واستهتارا بكل القوانين والمبادئ الدستورية؛ ويشجعهم على التمادي في الاعتداء على حرمة المواطنين وحقوقهم.
إننا بالبحث عن الثغرة التي تنفذ منها النيابة العامة إلى تكسير خطة العدالة، نجدها في المادة 83 نفسها؛ وهذه من المفارقات العجيبة في قانون المسطرة الجنائية عندنا . ذلك أن المشرع لم يربط هذه المادة ربطا مباشرا بمحتوى الشكاية؛ وإنما ترك أمر ملاءمتها لتقدير النيابة العامة؛ فهي التي تقرر ما إذا كانت الشكاية تُـكَـيَّـف جنائيا، أو تحفظها. أي أن مضمون الشكاية لا يؤخذ بعين الاعتبار من لدن النيابة العامة إلا أذا ارتأت هي ذلك، حتى ولو كانت الشكاية تحيل على جريمة جنائية ثابتة بالحجة القاطعة، ومنسوبة إلى فاعلها الحقيقي، وكان ينطبق عليها انطباقا واضحا جليا فصل أو عدة فصول عقابية صريحة في القانون الجنائي بمدد تصل إلى حد المؤبد؛ ومع ذلك فإن النيابة العامة تستطيع أن تجعل تلك الشكاية غير ذات أثر منتج لتحريك الدعوى العمومية، ويبقى الدستور والقانون مجرد حبر على ورق؛ يصلحان لدعاية خادعة، ولا يصلحان لعدالة نزيهة .
وليت الأمر يقف عند الشكايات الخِـلوِ من أي حجة أو دليل؛ بل حتى الإثباتات الدامغة التي قد تكون الشكاية الجنائية مشتملة عليها؛ فإن النيابة العامة تستطيع أن تضربها في صفر بجعل الحفظ معللا “بانعدام الإثبات”، أو “بانعدام عنصر المتابعة”؛ وليس للمشتكي إلا أن يُـذعِـن لقرار النيابة العامة مهما كان قرارا بعيدا عن الواقع، مفارقا لتطبيق القانون؛ إذ ليس في القانون ما يلزم النيابة العامة بالتحقق من الأدلة المقدمة بين يدي الشكاية، وتقدير قيمتها الإثباتية بتعليل مفصل، يُـبنَى على مناقشتها واقعيا وقانونا؛ أو يَـفرض عليها إحالتها على قاضي التحقيق لتمحيصها والتثبت من صحتها، وتنزيلها منزلتها المناسبة من الحجية؛ مهما كان موقف النيابة العامة منها .
وبهذا يتبين أن المشرع بتكريسه لسلطة حفظ الشكايات بلا ضابط ولا قيد، وبدون حاجة إلى مناقشة إثباتات المشتكي وتتبع أدلته ، أو إحالتها على التحقيق، ولو في حالة الشك؛ يكون قد وضع بين يدي النيابة العامة المفتاح الذي تستطيع أن تغلق به باب تطبيق القانون في وجه العدالة، مما يفرغ الفصل 110 من الدستور من جوهره وروحه، ويبقي عليه فصلا محنطا إلى حين…
قد يقول البعض بأن من حق النيابة العامة ألا تقتنع بما يقدم لها من حجج في شأن بعض الشكايات الجنائية، ولذلك فهي تحفظها .
وهو اعتراض واه؛ لأن ما يقدمه المشتكي ليس إلا فضلة، حيث إنه غير ملزم قانونا بتقديم الأدلة الإثباتية على وقوع جريمة جنائية من طرف مرتكبها، فالتأكد من وقوع الجريمة، وجمع الأدلة والإثباتات إنما يقع على كاهل النيابة العامة التي من مهامها مباشرة إجراءاتها تلك بمجرد علمها بوقوع الجريمة، ولو من مصدر مجهول. ومن ثم فإن ما قد يقدمه المشتكي بين يدي شكايته من أدلة وإثباتات حتى ولو لم تقتنع بها النيابة العامة؛ فلها أن تتعامل معها باعتبارها بداية حجة، يكون من واجبها تمحيصها وتتبعها لإغنائها أو صرف النظر عنها بمقرر خاص.
أما إذا كانت الأدلة قاطعة دامغة، ثم تصدر النيابة العامة قرارها بحفظ الشكاية ، وتعلله بانعدام الإثبات؛ فهذا هو الذي يصعب تفسيره أو استساغته، كما يصعب إطلاق أي وصف قانوني عليه ؛ وهو على كل حال لم يعد أمرا مقبولا في عصرنا الحاضر حتى لدى أكثر الدول استبدادية أو عنصرية.. ومن ثم فهذا الإجراء وحده كفيل أن يكون المبرر القوي لفرض تقنين حفظ الشكايات في المغرب، وتقييده بضوابط، يراعى فيها ضرورة تقييم النيابة العامة للحجج المقدمة لها، مع جعل ذلك التعليل السلبي بالحفظ قابلا للطعن أو الاستئناف؛ حتى لا نحرم أي مواطن من حقه في عدالته الاجتماعية، وسهر النيابة العامة على ضمان حقوقه والاقتضاء له بصفته عضوا في المجتمع الذي تنوب عنه متى ما تعرض لعدوان مادي أو معنوي؛ بصرف النظر عن مكانة الجاني أو مهنته أو نفوذه في المجتمع .
إن عدم الالتفات إلى ما يقدمه المشتكي في شكايته من أدلة؛ يعتبر في كل الحالات إجحافا بحقه، لأنها وإن لم تكن مقنعة في نظر النيابة العامة ـ كما قلنا ـ، ولم تعتبرها حتى بداية حجة؛ فلا أقل من أن تكون محفزة لها على الشك. وأي دليل مهما كان هينا أو ضعيفا فإنه لا يمكن إخراج مفعوله من دائرة الشك. وإذا كان الشك في القانون الجنائي يفسر لفائدة المتهم، فهو في قانون المسطرة الجنائية يفسر لفائدة المشتكي، أو هكذا يجب أن يكون.. لأن ذلك الشك قد يتحول في مرحلة التحقيق إلى يقين ؛ وذلك الدليل الواهن الضعيف قد يتحول إلى حجة دامغة، أو قد يؤدي إلى ظهور أدلة قاطعة. وهذا هو التفسير الذي يجب أن تُـفسَّـر به المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية؛ حيث يجب التمييز بين ما هو حكم قابل للتنفيذ، وبين ما هو إجراء مسطري،، فهذا في حد ذاته هو جوهر الفرق بين القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية.
فالشك الذي يفسر لفائدة المتهم، إنما يُعمل به عند إصدار الأحكام طبقا للقانون الجنائي ، حيث يجب أن تُـبنى تلك الأحكام على إثباتات قانونية قطعية، إذ كلما كان الحكم أضعف في نسبة الشك في حججه، كان أقرب إلى الصواب في مضمونه . أما في حالة تساوي أدلة الإثبات وأدلة النفي، كما إذا كانا معا عن طريق الشهود، ولم تترجح لقاضي الحكم نسبة صحة شهادة شهود أي طرف على شهادة شهود الطرف الآخر؛ فإن هذا يدخل أيضا في دائرة الشك التي يستفيد منها المتهم.
كما يدخل أيضا في دائرة الشك الذي يفسر لفائدة المتهم، قرارات النيابة العامة الماسة بحرية التجول، بحيث لم يعد اعتقال متهم احتياطيا بمبرر الشك في اقترافه للتهمة المنسوبة إليه مقبولا؛ وإنما لابد أن تكون هناك بعض العناصر الترجيحية ، من أدلة أو قرائن قوية متضامة ، لكي يكون الاعتقال الاحتياطي في غير حالة التلبس قانونيا. ومن ثم دعت كل المشاريع المقترحة لإصلاح وتحديث قانون المسطرة الجنائية إلى اعتماد بدائل أخرى للاعتقال الاحتياطي في حالة الشك، حتى لا يتعرض برئ للاعتقال، فيكون قد عوقب قبل محاكمته، ودون ثبوت إدانته .
أما بالنسبة للمسطرة الجنائية؛ فالشك يجب أن يفسر لفائدة المشتكي، إذ لا يُـبنى عليه حكم أو قرار مضر بالمشتكى به؛ لأنه ليس هو نهاية المطاف، وإنما هو بداية الطريق التي لا نستطيع أن نجزم بما ستنتهي إليه، كما لا نستطيع أن نتنبأ بما سيسفر عنه البحث والتحقيق .. فكل ما يترتب عن ذلك الشك هو فتح تحقيق في الجريمة. والتحقيق مع مشتكى به ليس عقوبة، ولا يحط من سمعته أو يقيد حركته؛ ولا يمس أبدا بحقوقه المدنية؛ ولكنه يضع الطرفين معا في كفتي ميزان، يقدم أثناءه كل طرف ما لديه من حجج ودفوعات. ومن ثم فهو يمنح المتهم أو المشتكى به فرصة إظهار براءته إن كان بريئا، ومتابعة المشتكي إذا كان قد قدم به وشاية كاذبة متعمدة أو بسوء نية ؛ أما إذا كان مذنبا، فأمامه محاكمة عادلة تتوفر له فيها كل حقوق المتقاضين، مع امتياز استفادته من الشك الذي سيفسر لفائدته في قضاء الحكم.
وعلى هذا فالنتيجة التي نريد أن نخلص إليها من هذه المناقشة لمسألة الشك التي قد تستند إليها بعض النيابات العامة في اتخاذها لقرارات بالحفظ دون إحالة الشكاية الجنائية على التحقيق، هي أن الموضع المناسب للفقرة الثانية من المادة الأولى في قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أن الشك يفسر لفائدة المتهم، ليس هو قانون المسطرة الجنائية، وإنما مكانها المناسب هو القانون الجنائي ، بحيث يجب أن تتحول هذه المادة إلى فصل في القانون الجنائي ينضاف إلى فصول المبادئ العامة فيه، لتصبح ثلاثة عشر فصلا بدل اثني عشر المعمول بها اليوم.
أما الفقرة التي يجب أن تحل محل تلك الفقرة المنقولة من المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية إلى القانون الجنائي، فهي في نظري :
(( قرينة البراءة
المادة 1
كل متهم …
+ يفسر الشك مسطريا لفائدة المشتكي أو المجني عليه )).
وبذلك نستطيع أن نتقدم خطوة أخرى في مسار تحديث منظومتنا القانونية، ومواكبة سياستنا الجنائية العامة للتطورات المستجدة باستمرار في منظومة العدالة الدولية التي اكتشفت أنها كانت في العقود المنصرمة مركزة على حماية حقوق المتهم، ومغفلة حقوق الضحايا أو المجني عليهم، مما جعل حقوق أولئك الضحايا تتعرض للهدر والضياع، تحت ذريعة “حقوق الإنسان”، وكأن أولئك الضحايا لا ينطبق عليهم وصف “الإنسان” الذي له هو الآخر حقوق على العدالة يجب أن تضمنها له، وتحميه من كل ظلم أو تعسف أو اعتداء، وترد له اعتباره وآدميته وكرامته بمتابعة الجاني ومعاقبته على الأضرار التي ألحقها بضحيته أو ضحاياه، وبالمجتمع ككل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1) منشور بجريدة المساء بتاريخ 11 فبراير 2015
2) من مقال “هيبة القضاء والقضاة” ـ للمستشار ناصر معلا ـ أنترنيت
3) http://www.cawalisse.com/archive_old/63213/01/22/16/02







