إنهاء الحرب لا يعني إنقاذ النظام الإيراني

 

 

نظام مير محمدي

كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

 

تحت عنوان “كيف يمكن إنهاء الصراع الأميركي الإيراني؟”، يقدم تقرير حديث ثلاث مقاربات غربية لمآلات المواجهة؛ تراوح بين استمرار الضغط العسكري، أو الرهان على المقاومة الإيرانية للتنازلات، أو العودة إلى الاتفاقات ورفع العقوبات. ورغم اختلاف هذه المقاربات، إلا أنها تشترك في خلل بنيوي واحد: إنها تتعامل مع النظام الإيراني باعتباره جزءاً من الحل، وتتجاهل حقيقة أنه هو أصل المشكلة.

إن الفرضية التي تعتقد أن رفع العقوبات أو الانفتاح الاقتصادي سيقودان تدريجياً إلى تغيير سلوك النظام هي فرضية مفرطة في التفاؤل؛ فقد سبق لطهران أن وظفت التسويات لاستعادة عافيتها المالية وتغذية أجهزتها الأمنية وشبكات نفوذها. وفي المقابل، فإن تصور أن الضغط الخارجي وحده سيجبر النظام على الاستسلام يتجاهل قدرته على تحويل الصراعات الخارجية إلى أداة لتبرير القمع الداخلي، وتغطية الفشل الاقتصادي، وإخفاء الأزمات الهيكلية خلف شعار “الخطر الخارجي”.

وهنا تبرز الحقيقة التي يحاول النظام حجبها: إن الحرب الحقيقية لطهران ليست مع القوى الدولية، بل هي حرب داخلية يشنها الاستبداد منذ ما يقارب 47 عاماً بالقمع والإعدامات ضد الشعب الإيراني. وفي صلب هذه المواجهة التاريخية، تقف منظمة مجاهدي خلق الإيرانية باعتبارها القوة التنظيمية والسياسية التي لم تتوقف لحظة عن التصدي لمنظومة ولاية الفقيه.

ولم تعد هذه الحرب الداخلية مجرد تحليل سياسي، بل واقع ميداني يفرض نفسه داخل المدن الإيرانية؛ فقد شهدت شوارع مدينة كرج مؤخراً استعراضاً ميدانياً شجاعاً بالموتوسيكلات لنشطاء «وحدات المقاومة» التابعة للمنظمة، وهو حراك ميداني أربك الأجهزة الأمنية وأجبر الأجهزة الإعلامية الرسمية، كوكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية، على الاعتراف به والتغطية عليه بادعاءات أمنية مكررة. إن هذا الحضور التحدي في قلب المدن يكشف أن ذريعة “الخطر الخارجي” لم تعد قابلة للصرف لضبط الشارع الغاضب.

وفي السياق التنظيمي والسياسي ذاته، جاء انتخاب السيدة مهناز ميمنت أمينة عامة جديدة للمنظمة ليعمق مأزق السلطة؛ حيث اضطرت الوسائل الإعلامية التابعة للحرس الثوري والأجهزة الأمنية إلى التفاعل الغاضب مع هذا الاستحقاق، مما يعكس إدراك النظام المباشر بأن الجاهزية التنظيمية للمقاومة وتجديد كوادرها القيادية يشكلان التهديد الأكثر خطورة على بقائه في مرحلة ما بعد الحرب.

إن هذه التطورات تثبت أن انتهاء الأزمات الخارجية سيكون أشد خطورة على النظام من استمرارها؛ فعندما تسقط ذريعة التهديد الخارجي، يعود السؤال البنيوي الذي حاول طهران تأجيله: لماذا الفقر والتضخم والقمع؟ ولماذا تُهدر مقدرات البلاد في صراعات إقليمية بينما يتطلع المجتمع للتغيير؟ إن التاريخ يؤكد أن الأنظمة الشمولية قد تجد في الحرب ملجأً مؤقتاً، لكن السلام يعيدها حتماً إلى مواجهة استحقاقها المباشر مع شعبها.

من هنا، لا ينبغي للمجتمع الدولي أن يعالج الأزمة عبر صفقات تمنح طهران طوق نجاة جديداً، أو إعادة تأهيل المؤسسات القمعية للحرس الثوري. إن أي معالجة جادة يجب أن تتوقف عن التعامل مع الشعب الإيراني ومقاومته المنظمة كمتفرج على معادلات الصراع؛ فإذا كان النظام قد استخدم الحرب الخارجية لحماية نفسه من قطيعته مع المجتمع، فإن واجباً سياسياً يفرض إعادة القضية إلى نصابها الصحيح: مواجهة حتمية بين سلطة فاقدة للشرعية وشعب مصمم على استرداد حريته.

إن إنهاء الصراعات الخارجية ضرورة استراتيجية، لكن إنقاذ النظام ليس كذلك. إن السلام الذي يمنح الاستبداد فرصة لإعادة ترتيب أوراقه ليس حلاً بل تأجيل للانفجار؛ أما السلام الذي يسحب من النظام ذريعة الحرب ويتركه عارياً أمام إرادة الشعب الإيراني و«وحدات المقاومة»، فهو بداية النهاية الحقيقية لعهدة الطغيان.

 


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني