معالم الطريق نحو (إسلاموفوبيا) في المجتمعات الإسلامية..؟ (3)
في سياق الحديث طرحت عدة أسئلة حول النقاش الدائر حاليا في المجتمعات الإسلامية والذي يصل في بعض الأحيان إن لم يكن في كل الأحيان إلى صراع قوي بين التيارات المتفاعلة في هذه المجتمعات، وأصل هذا الصراع هو الموقف من الدين ومن الإسلام بالذات وشريعته، وهذا الصراع ينتقل بحكم فاعل خارجي إلى كل المجتمعات حتى تلك التي لا ضرورة لنقله إليها، فقد يكون مفهوما أن يحصل النقاش أو الصراع حول هذا الموضوع في بلد فيه تعددية دينية أو تعددية مذهبية، ولكنه من غير المفهوم أن يصل إلى حد الصراع في مجتمع ليس فيه هذه التعددية الدينية ولا حتى المذهبية، ولكنه واقع على أي حال وما ظهر من خلال شعارات رفعها البعض في هذا الأسبوع في بلدنا وفي مسيرة لا أعتقد أنه كان هناك من يعارض الفكرة الأساس لانطلاقها وهو إنصاف المرأة داخل المجتمع وإعطائها مالها لتقوم بما عليها، فالأمر ليس فيه أخذ دون عطاء فللمرأة حقوق وعليها واجبات مثلها في ذلك مثل الرجل سواء بسواء، ولم يترك الأمر لاختيار أي من الرجل والمرأة ليفعل كل واحد منهما ما شاء ويترك ما شاء.
وعلى أي حال فإن الخوف والهلع لدى البعض من الإسلام لم يأت من فراغ وإنما جاء تحضيرا وتهييئا من لدن الغير منذ بعيد وفي هذا السياق نورد وصية (شارل دوفوكو) لإخوانه المسيحيين وقومه الفرنسيين فيما يلي:
أعتقد أنه ما لم يتم تنصير السكان المسلمين في مستعمراتنا بشمال إفريقيا فإن حركة وطنية ستقوم بها على غرار ما حدث بتركيا وأن نخبة من المثقفين ستتكون بالمدن الكبرى متأثرة بالفكر الفرنسي دون أن يكون لها إحساس الفرنسيين ولا طيبوبتهم، وأن هذه النخبة تتاح لها الفرصة بسبب صعوبات داخلية أو خارجية تحدث ستحتفظ بمظاهر الإسلام، رغم ضياع روحه، لتؤثر بها على الجماهير، ومن جهة أخرى فإن جمهور الشعب من البدو والرحل سيبقى جاهلا عديم الصلة بنا متمسكا بإسلامه حاقدا على الفرنسيين، محتقرا لهم بدافع من وازعه الديني وأشياخه ومعاملة الفرنسيين من رجال السلطة، ومعمرين وتجار ممن لا يلمس دافعا على محبتنا، ولهذا فإن الروح الوطنية ستشب في نفس النخبة المثقفة التي عندما تتاح لها الفرصة (بسبب صعوبات) داخلية أو خارجية تحدث لفرنسا فإنها ستخرج الإسلام لتحريض الشعب الجاهل على الثورة وتحاول خلق إمبراطورية إفريقية مستقلة إسلامية.”
إن ثلاثين مليون من البشر يسكنون في مستعمراتنا بشمال غرب إفريقيا بما فيها الجزائر والمغرب وتونس وإفريقيا الغربية، وإن هذا العدد سيتضاعف بعد خمسين سنة وتصبح هذه البلدان غنية مزدهرة وقد تعود سكانها على استعمال أسلحتنا وتكونت منهم نخبة بمدارسنا، وأننا إذا لم نجعل منهم رعايا فرنسيين فإنهم سيطردوننا، وإن الوسيلة الوحيدة ليصبحوا فرنسيين هي أن يصيروا نصارى. ويعلق المرحوم علال الفاسي على هذا الكلام بما يلي:
ومن هذه السطور نستنتج صدق ما استنتجه الباحثون قبلنا من أن الأب دوفوكو هو صاحب الدعوة إلى فرنسة المغاربة عن طريق تنصيرهم وإبعاد اللغة العربية عنهم، تلك السياسة التي ظهرت في أشكال مختلفة في كل من تونس والجزائر والمغرب فسياسة التجنيس وإخضاع المتجنسين من التونسيين للتبعية الفرنسية والقضاء الفرنسي ((ص12) من المرجع المشار إليه في صلب الحديث))
******
الأحكام والزمان والمكان:
كان الصراع ولا يزال محتدما وقويا بين دعاة استمرار البلاد الإسلامية مستمدة لأحكامها وشرائعها من الشريعة والقواعد الأصولية والفقهية، وبين الذين يرون ضرورة قطع الصلة، وأخذ ما وصل إليه الغير من قواعد قانونية وفقهية غربية منبثة الصلة بشيء اسمه الشريعة أو الفقه الإسلامي، لأن تلك شريعة لزمان مضى وانقضى ونحن في زمان آخر له ضروراته وحاجياته، ولا يستجيب لهذه الضرورات والحاجات إلا قانون يواكب هذه الضرورات والحاجات، وهو في كل الأحوال لن يكون الشريعة التي جاءت للناس منذ أربعة عشر قرنا، فذلك زمان، وهذا زمان وهذا الشبه شيء بمقولات الأولين الذين رفضوا أن يتحاكموا إلى الشريعة وما جاءت به، وما جاء هذا القول وهذا الرد من البعض لأنه لا يومن بالدين أو يلحد فيه كما كان الأولون، وإنما يقول ما يقول عن قناعة اكتسبها مما قرأه ودرسه وما تعلمه من أن الدين موضوعه العلاقة بين العبد وخالقه، ولا دخل لها فيما يجري بين الناس من معاملات، وما يخوضون فيه في الأسواق والمعامل والدواوين، لأن هذه كلها أمور من الأمور الدنيوية وأنتم تعلمون أن الرسول قال أنتم أعلم بأمور دنياكم، ومن هنا القول بأن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان والفتوى تتغير طبقا لهذه القاعدة.
أصل الخطأ:
وهكذا ينصرف الناس عن جزء من الدين وهو الأحكام التي تضبط العلاقات فيما بينهم وهم مقتنعون أنهم لم يتركوا ما يمكن محاسبتهم عليه، فما دخل الدين والشريعة في الأسواق المالية أو غيرها من الأمور المستجدة في حياة الناس والتي بنوا عليها اكتساب معاشهم وتنمية ثرواتهم واقتصادياتهم التي لا تسير الحياة بدونها، وهم يعطون أمثلة كثيرة ببلدان أخرى في الغرب والشرق ولا حاجة لهم بما يقال وينشر من طرف أناس فاتهم ركب الحياة وتقوقعوا على أنفسهم يرجعون إلى كتب تجاوزها الزمان ليستفتونها ويريدون من خلال ما يستخرجونه منها، أن يوقفوا عجلة الزمان، وإن يحمدوا الحياة هم جامدون على هذه الكتب التي يرجعون إليها، والتي كتبها أناس آخرون لحياة غير الحياة التي نحياها، أنه تخلف وتأخر، وجمود وتحجر يراد أن يحكم في رقاب الناس باسم الدين وباسم الشريعة.
حسن الظن:
إن هذا الصنف من الناس الذي يريد أن يأخذ من الدين ما يعتبره عقائد وعبادات ولا شأن له بغير ذلك، وبجانب هذه الشريحة من الناس ترفض ذلك عن قناعة أخرى ووجهة نظر أخرى تعبر عنها في مختلف المناسبات وهي التي تستدعي ما يصدر من رد الفعل يسيء للنقاش ويحوله إلى وجهة أخرى لا تفيد أيا من الطرفين، ونحن لا نريد الخوض فيها لأن الأصل هو حسن الظن بالناس، ولذلك فإن الأمر يتعلق بهذا الذي يفصل بين العقائد والعبادات والمعاملات عن ظن حسن وعن تحرر لا عن جحود ونكران، وفي هذا الحال فإن النقاش يبقى في حدود الإقناع بهذا التوجه أو ذاك.
الجحود أو التفريط:
وبين هذا وذاك فئة لا تريد أصلا القبول حتى بالنقاش في الأمر بل هي وإنما أصلا يرفضون مبدأ النقاش أو الجدل فهو يرفض الحديث عن الجمل وما حمل يرفض النقاش لا في العقائد ولا في الشرائع لأنه أنهى الأمر كلها وهو يخاف أن يمتد إليه هذا الحكم الجائر الذي انبنى على الظلم وعلى أحكام تعود بالناس إلى مرحلة السن بالسن، وهو لا يقبل أن يذهب ضحية هذه الأحكام التي يتحدث عنها هؤلاء الجامدون المتخلفون.
كيف وصلنا:
إنه واقع عندما تتأمله تجد نفسك أمام سؤال كبير يلخص لبس التوجهات التي أشرنا إليها فقط ولكنه يفصح عن الواقع بكامله إنه السؤال كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟ وكيف أصبح الناس في الساحات العمومية يحملون شعارات تهدد الشريعة الإسلامية وأحكامها. كيف حصل هذا بين الناس ومن أوصلهم إلى هذه الحال؟
التنصير والانحراف:
إن هذا التوجه في دنيا الناس لا يعبر عن رأي الأغلبية من المواطنين المؤمنين والملتزمين بأحكام الدين وشريعته، ولكنه الصوت الأكثر صراخا وضجيجا والأكثر سماعا واستجابة لدى الفئة التي بيدها الحل والعقد في كثير من الأمور، لأنها النخبة التي تم إعدادها للوصول إلى هذه الحالة، ولكن كيف تم هذا الإعداد؟ ومن قام به؟ لقد تحدثنا في هذا الركن عن جزء من مخطط هذا الإعداد بصفة عامة، وتحدثنا عن المؤتمرات التنصيرية التي عقدت في بلدان متعددة ولخصنا ما جاء في كلمات وقرارات تلك المؤتمرات التي سعت بوسائل متعددة لتخويف المسلمين من دينهم ومن شريعتهم لقد عملت في البداية من أجل التنصير الكامل وعندما لم تتمكن من ذلك وأدركت أنه صعب المنال لجأت إلى أسلوب ومناهج التوجيه نحو الانحراف عن الدين الإسلامي وشريعته وإعداد النخب من أجل ذلك وفي حديث اليوم نعيش لحظات مع نموذج من هؤلاء الذين سعوا من أجل التنصير والانحراف.
الجواب:
لقد كان المرحوم علال الفاسي من العلماء الذين دافعوا عن الشريعة وكشفوا الكثير من المؤامرات التي دبرت ضدها وضد معتنقيها وفي موضوع الجواب عن تساؤلاتنا نستحضر بعض ما كتبه في بحثه القيم الذي أعده بملتقى الفكر الإسلامي بالجزائر والذي كان مقرر عقده بمدينة “تيزى وزو” بالجزائر في شهر يوليوز 1973 ونشره في كتاب بعنوان: “حديث عن التبشير المسيحي وبعض الوتنيات الطائفية الهندية” وأدرج نشره تحت سلسلة الجهاد الـكبر رقم 12.
وسيلة الاحتلال:
وقد أستهل البحث بالحديث عن الديانات السماوية من حيث الانفتاح والانغلاق ليتحدث في المقدمة عن كون عملية التنصير بالنسبة للدوائر الاستعمارية ما هي إلا وسيلة وأداة لاحتلال البلدان والتسلط الاقتصادي عليها، والحقيقة الثانية التي أثبتها واعتبر أنها واضحة هي موقع العالم الإسلامي من الوجهة الإستراتيجية أما الحقيقة الثالثة فهي التي عبر عنها بقوله
النفاذ إلى الأعماق:
ويمكن أن أضيف إلى هذين الحقيقتين ثالثة لا يجهلها الباحثون، والاجتماعيون منهم على الخصوص وهي أن الإسلام احتل في الغالب معظم المواقع التي كانت قد انتشرت فيها المسيحية، فإذا استثنينا طرفا من بلاد العرب الأصيلة التي كانت وثنية نجد معظم الأماكن التي تدعى اليوم ببلاد العرب قد دخل قسم مهم منها في المسيحية، وقد كان ذلك شديدا على رؤساء النصرانية تقبله ولم يكتموا أبدا تعجبهم من أن يقدر الإسلام على النفاذ إلى أعماق السوريين والعراقيين والمصريين وأهل الشمال الإفريقي وغيرهم دون أن تستطيع الحروب الصليبية والدسائس المسيحية أن ترجعهم عن ذلك أو تعيدهم بمختلف الوسائل إلى ما كانوا عليه من مسيحية ولو كانت هب الاريانية أو غيرها من الفرق التي انبثقت في الشرق أو الغرب دون أن يعترف بها أمير الكنيسة والإيمان.
روح الاسترداد:
يشير المرحوم علال الفاسي في هذه التالية إلى الروح التي تحكم في أوربا قديما وحديثا وهي روح الانتقام والاسترداد، ولا يمكن أن نعزل ما يجري اليوم في أرض العرب والمسلمين عن هذه الروح الانتقامية ولنتذكر ما يقولونه وما يرددونه بين الفينة والفينة:
“ولكل هذا فإنا نرى تاريخ أوربا في علاقتهما بالعالم العربي والإسلامي تعمل بكل ما في استطعتها على استعادة الأرض الإسلامية والهيمنة عليها مستعملة في ذلك كل الوسائل العسكرية والتبشيرية والتغلغل الاقتصادي والثقافي، وقد كتب الأستاذ دوكاريير في مجلة (المغرب الكاتوليكي) سلسلة مقالات عن تاريخ إفريقيا الشمالية المسيحية ختمها بالتعجب من ما سماه بالتعصب الإسلامي الذي أصبح شعار البربر والعرب المستوطنين في الشمال الإفريقي والجهود التي بذلوها هم أنفسهم لاحتلال إسبانيا وجنوب فرنسا، وذكر بأنه طيلة المدة السابقة للاستعمار لم يكن يوجد بالمغرب العربي من المسيحيين إلا بعض الأسارى أو بعض الجنود الذين كان ملوك الموحدين يستكتبونهم للقتال معهم في إسبانيا”.
التطلع نحو الاحتلال:
روح الاحتلال موجودة باستمرار لدى الأوربيين لأنهم يعتبرون ذلك حقا من حقوقهم لاستعادة الصليب من الهلال وواهم من يعتقد أنهم تجاوزوا عن ذلك والفوبيا نتيجة لهذه الروح.
“وبعد أن وقعت هزيمة المسلمين في يوم نافاس دوطولوسا التي كانت ضربة قاسية على امتلاك المسلمين لاسبانيا سنة 1212 بدأ المسيحيون يتطلعون لاحتلال المغرب والتسرب إليه، فقد استغل فرديناند الثالث ملك قشتالة وليون طلب ادريس أبو العلا المامون منه سنة 1229-1242 مساعدته على احتلال المغرب فأمده بجيش قوامه 12.000 مقاتل،وذلك مقابل شروط التزم بها المامون وهي:
شروط الدعم:
إن وضع شروط لدعم الخونة المستنجدين بالعدو وبالاستعماريين الأوروبيين أمر ازدادا عما كان عليه من ذي قبل ولما أن نمعن النظر في وضعية البلدان الذي يستنجد الآن بالأجنبي ضد بعضهم البعض وهو أمر ازداد استفحالا في الظروف الحالية.
- أن يعطي المامون لفرديناند قواعد يختارها ملك قشتالة.
- إذا فتح المامون مدينة مراكش وجب عليه أن يبني كنيسة للمسيحيين.
- يمكن للجنود الإسبانيين أن يتجاهروا بشعائر دينهم ويستعملوا النواقيس لمناداة المصلين معهم.
- إذا أراد بعض المسيحيين أن يسلم لم يسمح له بذلك ويسلم النصارى ليطبقوا عليه أحكامهم.
- وإذا أراد بعض المسلمين أن يتمسح لا يتعرض له أحد في ذلك.
لقد أطلق المرحوم علال الفاسي في هذه القضية والمفروض لديه أن القارئ مطلع على تاريخ المغرب ويعرف من هو هذا المامون الذي استنجد بالإسبان الذي وضعوا الشروط المذكورة لإنجاده ولتوضيح الأمر باحتضان فهذا المامون من أمراء الموحدين كان بالأندلس وتلقى البيعة بعد ما تم قتل أخيه المدعو العادل ولكن بعد البيعة ندموا وقرروا التراجع عن البيعة ويروي صاحب الاستقصاء هذه النازلة كما يلي:
الرواية التاريخية:
“قد نقدم لنا أن الموحدين بمراكش خنقوا العادل وبايعوا أخاه المأمون وبعد انفصال البريد بالبيعة ندموا وبايعوا ابن أخيه يحيى بن الناصر فوصلت بيعة الموحدين إلى المأمون وهو يومئذ بإشبيلية فمر بها وأمر بإقرائها على منابر الأندلس ثم أخذ في التجهيز والحركة إلى مراكش دار ملكهم فسار حتى إذا وصل إلى الجزيرة الخضراء اتصل به الخبران الموحدين قد نكثوا بيعته وبايعوا ابن أخيه يحيى فوجم لذلك وأطرق مليا ثم أنشد متمثلا بقول حسان رضي الله عنه.
لتسمعن وشيكا ديارهم * الله أكبر يا ثارات عثمانا
ثم كتب من حينه إلى ملك قشتالة يستنصره على الموحدين يسأله أن يبعث له جيشا من الفرنج يجوز بهم إلى العدوة لقتال يحيى ومن معه من الموحدين فشرط عليه صاحب قشتالة أن يعطيه عشرة حصون مما يلي بلاده يختارها هو وأن يبني بمراكش إذا دخلها الجيش النصارى الذين معه كنيسة يظهرون بها دينهم يضربون فيها نواقيسهم لصلواتهم وأن من أسلم منهم لا يقبل منه إسلامه ويرد إلى أخواته فيحكمون فيه بأحكامهم إلى غير ذلك فأسعفه المأمون في جميع ما طلب منه (ص198 ج1 الطبعة الأولى).
تهافت:
يتحدث المرحوم علال في الفقرة الموالية عن أن هذا الدعم وشروطه وسيلة من وسائل الاستعمار في القديم، ومن المؤسف أن الأمور عادت إلى ما كانت عليه وأصبحت أرض الإسلام وهي يقاتل بعضهما البعض ويستنجد البعض بهذه الدولة أو تلك وكان الماضي ليس فيه عبرة لهؤلاء.
هذه الحادثة التاريخية تبين كيف أن تهافت بعض الرؤساء على السلطة جعلهم يقبلون مثل هذه الشروط، ومع أن هؤلاء الجنود المرتزقة قد بذلوا مثل هذه الشروط، ومع أن هؤلاء الجنود المرتزقة قد بذلوا جهدا كبيرا لحساب المامون فإن قيام الدولة المرينية والقضاء على بقايا الموحدين في موقعه أم الربيع سنة 1259 قضت على هذه المحاولة، ولو يعد يرى في المغرب جنود مسيحيون.
الخونة أدات:
وليست هذه الحادثة إلا مثالا لبعض الوسائل الاستعمارية القديمة التي كانت تجد في الخونة أداة للوصول إلى التغلغل في بلدان المسلمين بدعوى المساعدة والغرض هو القضاء على الإسلام وسائر الديانات في البلدان الأخرى ليتمكنوا من تملكها والهيمنة على اقتصادياتها.
بشائر النصر:
وإذا كانت الحروب الصليبية ووسائل التغلغل عن طريق المساعدات العسكرية لخونة المسلمين لم تجد شيئا في تغيير التمسك الأهلي بالإسلام ليس في المغرب العربي فقط بل في سائر العالم الإسلامي، فقد اتجه المسيحيون إلى تنظيم الإرساليات التبشيرية التي تطورت في أشكال مختلفة، ويقال أن ريمون لول الإسباني أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها، فتعلم اللغة العربية وأخذ يتجول في بلاد الإسلام ويناقش العلماء ورجال الشريعة الإسلامية، وقد ألف أدين بولس كتابا عن تاريخ التبشير لخصته مجلة العالم الإسلامي وعربه محب الدين الخطيب في أول كتابه (الغارة على العالم الإسلامي).
رائد التنصير:
ونحن لا نريد أن نتعرض لما قامت به الإرساليات المسيحية في العالم الإسلامي منذ تاريخ ما بعد الحروب الصليبية، فإن المرحلة الخالية ابتدأت في المغرب بشارل دوفوكو سنة 1905، وفي المشرق بزويمر الذي كان أول من ابتكر عقد مؤتمر عام يجمع إرساليات التبشير البروتستانية منذ سنة 1906.
إن المرحوم علال الفاسي في الفقرة أعلاه يتحدث بكيفية واضحة عن انطلاقة الإرساليات التبشيرية في المغرب وفي نظره تبدأ هذه الانطلاقة برجل أطلق عليه اسم اليهودي التائه وهذا الشخص هو شارل دوفوكو.
شارل دوفوكو
أو اليهودي المتجول
منذ سنة 1905 استقر الأب دوفوكو في الهكار بتمانرست على بعد 700 كلم من عين صالح وسط الطوارق الذين هم من رجال الصحراء المقاومين لكل تسرب أجنبي داخل أراضيهم، ولكنه استطاع بوسائل الإغواء لرؤسائهم والمجاملة لهم أن يقبلوا جواره ويشاوروه في بعض شؤونه حتى أصبح يعرف فيما يزعم مؤرخون (بالمرابط) وقد قال عنه حكام تلك الناحية وضباط الأمور الأهلية بها (أن يساوي أكثر من طابور احتلال كامل)، ولكن اندلاع الحرب وتقهقر الإيطاليين إلى الداخل في طرابلس الغرب، أعطى للسنوسيين فرصة مضاعفة نضالهم الوطني ضد المحتلين، الذين من بينهم الفرنسيون المستقرون في الطوارق المجاورة لطرابلس، حينئذ خرج دوفوكو من جلده الروحاني الذي كان يظهر به ليصبح الجاسوس الذي يسجل الأخبار ويبلغها لرجال الاستعلامات العسكرية، وإزاء ذلك هجم عليه المجاهدون واعتقلوه، وبعدما انتهت معركة كانت قائمة بين المغاربة وبين الضباط الفرنسيين أطلق مواطن طارقي رصاصة في رأس دوفوكو حيث قضى نحبه.
نهاية دوفوكو:
وإذا كانت هذه نهاية دوفوكو فإن بدايته كانت منذ أن أدرك أن فرنسا لابد أن تحتاج يوما غلى احتلال المغرب حيث أخذ يصور الشمال الإفريقي بصورة طائر صدره الجزائر وجناحه الأيمن في تونس والأيسر في المغرب الأقصى، وطيلة دعوته لاحتلال تونس والمغرب كان يقول لا يمكن للطير الفرنسي أن يبقى بدون جناحيه، فاهتم بالمغرب على الخصوص وبدأ يبحث عن الوسائل التي يصل بها إلى إعداد ما يحتاجه التغلغل الاستعماري من وسائل، وقد أدرك أن المغاربة ليسوا مغفلين إزاء المؤامرات الأجنبية، وهم يتشككون كثيرا في النصارى الذين يدعون أنهم دخلوا للإسلام ويبقون منهم على حذر وإن عاملوهم معاملة المسلمين.
الجواسيس والانتحال:
والجواسيس يتخذون الوسائل الكفيلة بإضفاء السرية على عملهم وهذا ما فعله وفكر فيه هذا الجاسوس جيدا حيث اتخذ من زي اليهود والادعاء الانتماء إلى دينهم أسلوبا لمارسة عمله دون خوف من الكشف والفضيحة وهذا من طبيعة الحال في الماضي أما اليوم فقد أصبح الجواسيس يدعون الانتماء لكل جماعة يقومون بالعمل فيها فكثير منهم ادعوا الانتماء للإسلام ودخلوا المعاهد والمؤسسات التي لا يدخلها إلا المسلمون وعلى أي حال لنواصل ما كتبه المرحوم علال الفاسي في الموضوع.
وبما أن الإسرائيليين كانوا يعاملون في بلادنا معاملة حسنة، فقد اختار دوفوكو إن يستتر بستار اليهودية مرتديا ملابس اليهود التقليدية، وكان في الحجاب الذي يستر اليهودي أثناء صلاته وسيلة لإخفاء الآلات الهندسية التي يحملها، وفي المساء حينما يدخل الملاح يستطيع أن يقوم بالملاحظات الفلكية ويقضي ليله في إتمام النقط التي حصل عليها في النهار، وقد وصف دوفوكو طريقة عمله في الجمعية الجغرافية سنة 1887 فقال:
اعتراف:
أنه يتجول معظم أوقاته في بلاد السيبة، فقد ظهرت منذ خروجي من طنجة بمظهر اليهودي، فلباسي لباس اليهود المغاربة وديانتي ديانتهم، متسميا باسم الربى يوسف، أصلي وأغنى في البيعة، فإذا سئلت عن مولدي أجبت تارة أنني ولدت في بيت المقدس وأخرى في موسكو وأحيانا في الجزائر، وإن سألوني عن سبب سفري أجبت المسلمين بأنني ربي سائل يسعى من مدينة غلى أخرى، أما اليهود فأجيبهم بأنني مومن صادق اخترت مشقة السفر إلى هذه الجهات للبحث عن حالة إخواني في الدين”
أدوات العمل:
أما الآلات التي كنت أحملها فهي البوصلة وساعة وبارومتر الجيب لمعرفة الطريق وآلات أخرى استعملها في الملاحظات والتقويمات، ومعي أثناء السير دائما دفتر لا يتجاوز خمسة سنتمترات مربعة في داخله فلم من سنتيمترين أكتب ما تقدمه لي الطريق مما يستحق التسجيل، وهكذا أكتب تقريبا حالة الطرق وكل الأوتاب في الناحية الغربية، وقد رافقني الربى مردوخ اليهودي الحقيقي الذي يبقى مشتغلا في درج منزلي في المدن التي أسكن بها أحيانا لمنع كل من يريد الوصول إلي.
ذ. محمد السوسي
أستاذ الفكر الإسلامي




