بالشرح والتحليل: دكتور يفضح “رواية” الاعتداء بالسكين على صاحب دور “الخليجي”

د. محمد ناجي

نشرت جل وسائل الإعلام تصريحا مسجلا على شريط فيديو لممثل دور “الخليجي” في فيلم “الزين اللي فيك”، لمخرجه نبيل عيوش، الذي أعتبره ـ وهذا رأي شخصي ـ  الظاهرة الثانية ضمن المخرجين المغاربة، بعد ظاهرة المخرج “نبيل لحلو”، صاحب فيلم “الحاكم العام لجزيرة الشاكر باكر بن” ؛ وهي الجزيرة التي حلمت بزيارتها منذ شبابي، دون أن تتوفر لي حتى الآن تلك الفرصة لضيق ذات اليد .

نبيل لحلو المخرج الذي تمنيت أن ألتقي به يوما ما ليشرح لي ـ إذا أراد ـ معنى «العالم السريالي الساخر الذي حوله من المسرح إلى السينما … وصولا إلى الجمهور بطريقة بعيدة عن السقوط في “المباشرة” »؛ حسب ما جاء في بعض تصريحاته، لأنني لم أتمكن إطلاقا من فهم العلاقة بين السريالية والسخرية، وكيف يمكن الجمع بينهما، في نص مسرحي أو سينمائي من المفترض أن يشترك في كتابته موليير وغروتوفسكي . أولهما يضخم بعض مظاهر الحياة الاجتماعية المستقبحة لنقدها بطريقة ساخرة تجعلها منفرة، وثانيهما يلغي الظواهر إلغاء شبه كلي ليتماهى مع عالم يحكمه اللامعقول أو ما وراء الطبيعة، لاكتناه الطبيعة الروحية بالعودة إلى الأسطورة والطقوسية البدائية؛ سواء سمينا ذلك بالمسرح السريالي ( Théàtre surréaliste ) ، أو سميناه مسرح اللامعقول ( Théàtre de l’absurde ) ، أو أطلقنا عليه مصطلح “البارا مسرحي” ( Para-théàtral ). على كل حال هذا موضوع شائك لا يستطيع أن يشفي الغليل في الحديث عنه إلا المخرج العبقري ، الظاهرة نبيل لحلو .

نعود إلى موضوعنا وتصريح الممثل المذكور بتعرضه لهجوم بالسلاح الأبيض من طرف أحد المعتدين عليه، حيث أصابه بسكين في عنقه، وكانت الإصابة خفيفة والحمد لله. لأؤكد قبل كل شيء بأن تحقيق الشرطة القضائية هو وحده الكفيل بالكشف عن الحقيقة وملابسات القضية، أو الاقتراب منها. ولذلك فإن أي حكم قبل نهاية البحث التمهيدي إنما هو استباق فضولي لنتائج البحث الذي من المنتظر أن يحيط بكل جوانب القضية في محضر قانوني، لتتمكن النيابة العامة بناء عليه من إصدار قرارها بما يناسب الحالة ، ولذلك فإن أي حكم قبل هذا لا يمكن أن يكون قطعيا؛ إذ لا أحد يستطيع أن يثبته أو ينفيه؛ وهو ما يحبذ معه القضاء وهيئات التحقيق امتناع الناس عن إصدار أي حكم قبل ظهور نتيجة البحث .

هذا هو الأصل؛ ولكن مادام الخبر قد أصبح رهن إشارة المواطنين، فقد أصبح لكل واحد أن يتأول ما يراه، دون أن يكون في ذلك أي ضغط على عمل الشرطة القضائية أو توجيه مقصود لنتائج أبحاثها.


على هذا الأساس يمكن القول بأن رواية هذا الممثل تطرح ـ في نظري ـ أسئلة موضوعية كثيرة :

أولها : أن المنطقة التي جعلها مسرحا للواقعة، وهي شارع يعقوب المنصور بالدار البيضاء؛ هي منطقة آهلة بالسكان، ولو كانت قد صدرت من هذا الممثل أبسط استغاثة لكان الناس قد أحاطوا بالمجرم من كل ناحية في رمشة عين . فأين ذهب سكان وعابرو شارع يعقوب المنصور، أو لماذا لم يرفع الممثل صوته طالبا المساعدة، خاصة وأنه كانت لديه الفرصة لذلك، عندما شنق عليه المجرم ؟

السؤال الثاني : عندما جرحه المجرم المفترض ذلك الجرح الخفيف، وتركه؛ لماذا لم يَـجْـرِ وراءه أو يتعقبه؛ لأن حالة الممثل لم تكن من الخطورة بحيث تمنعه عن الحركة، بل هو جرح بسيط، لا يشل حركته إطلاقا، ومن ثم فقد كان بإمكانه أن  يتعقبه ولو بالصراخ، فـيُـلـقَى عليه القبض في حالة تلبس. لأن تتبع المجرم بالصراخ، هو من حالات التلبس في القانون الجنائي؟

ثالثا : ما ذكره الممثل من إقدام المجرم المفترض على سؤاله : هل أنت هو الممثل الذي مثل كذا دور..الخ ؟ فقال له : نعم أنا هو. هذا ليس من سلوكات المجرمين الذين يريدون إصابة هدفهم بطعنة بخنجر أو رمح أو غيرهما، سواء بهدف التصفية النهائية أو بهدف الإعاقة الخطيرة، لأنهم قبل الإقدام على ارتكاب هذه الجريمة أو محاولة ارتكابها، يكونون عارفين بالهدف مقدما، معرفة دقيقة، بوجهه وملامحه ومشيته، وسرعته في المشي أو بطئه، وهل يميشي رافعا رأسه أو مطأطئا.. إلى غير ذلك من الأمور التي لابد من تحديدها والإلمام بها، للتصرف وفقها.

كما أن المجرم (واحدا كان أو أكثر) يكون متتبعا لخطوات هدفه عن بعد، ولتحركاته، ولأماكن مروره والمواضع التي يمكن أن يقف فيها، أو يلتقي فيها بأصدقائه أو معارفه.. وذلك طوال مدة معينة قبل الإقدام على ارتكاب الجريمة، حتى يتلافى المفاجآت التي قد توقعه بيد الشرطة أو الجماهير. وهذا هو ما يصطلح عليه في القانون بالترصد. والترصد لا يكون إلا لهدف معلوم بدقة، لا يمكن أن يُـشـبَّـه للمجرم، أو يختلط عليه .

ثم بعد الترصد، تأتي مرحلة التربص، وهي انتظار الفرصة المواتية للانقاض على الهدف .

وهذه الحالة، تفترض لنجاحها ـ حسب تخطيط المجرمين ـ  أن تنفذ الجريمة بغتة وبأقصى سرعة ممكنة، يعقبها فرار ومغادرة للمكان على أقصى وجه من السرعة أيضا.

ولذلك فإنه يفترض لإنجاح عملية التربص عدم الظهور في المكان بشكل مثير للانتباه؛ لا قبل الجريمة ولا بعدها، وخاصة قبل الجريمة، حتى لا يجعل الناس يتذكرون صورته (ملامح وجهه، وهل هو ملتح أم لا ..الخ )، أو شكله (مظهره الخارجي من حيث اللباس) أو هيأته (طويل ، قصير، نحيف ، بدين، أبيض، أسمر ..الخ) أو جنسه (رجل أو امرأة)، أو عمره (بالتقريب، شاب ، شيخ، في الأربعين في الثلاثين ..) .

فكيف ـ مع العلم بهذا ـ  يستساغ قبول رواية الممثل : أن يأتي المجرم نحوه ويسأله بكل هدوء: هل أنت فلان ؟ ثم ينتظر جوابه. ثم يقول له : لقد فعلت كذا وكذا. ثم يقدم على ما يقدم عليه .

هذه من الأمور التي يصعب تصديقها في نظري؛ ولو أنني أردد دائما : “الله أعلم”. فقد لا يكون المجرم محترفا. ولو أن مثل هذه الاعتداءات تصدر عادة عن محترفين مدربين عليها.

رابعا : أن الذي يكون في نيته أن يطعن هدفه، لا يشنق عليه. وإلا فإنه سيتيح له فرصة التخلص منه والهرب، أو ضربه وإسقاطه أرضا ، إذا كان الهدف رياضيا أو ملاكما أو شجاعا قوي الشكيمة . وهذا شاب يبدو عليه أنه قادر عن الدفاع عن نفسه، مما يجعل المجرم المفترض لا يغامر بأن يشنق عليه تمهيدا لطعنه.

الملاحظة الخامسة: أن الجرح في الجهة اليمنى من العنق؛ حسب الصورة. ومعنى ذلك أن المهاجم استعمل يده اليسرى لتوجيه الطعنة إلى عنق الممثل.

وباستقراء أسباب هذا السلوك، نفهم منه أنه تأثرا بتعاليم إسلامية، وأن صاحبه من المسلمين الغيورين على الإسلام، ومن المواظبين على واجباتهم الدينية. والعادة أن هذه الطائفة من المواطنين، يستعملون يدهم اليمنى، وليس اليسرى. فحتى الذي يولد أو ينشأ على استعمال يده اليسرى، عندما تتشبع نفسه بالتعاليم الإسلامية، يتدرب على استعمال يده اليمنى ويبذل قصارى جهده لذلك، لأن اليسرى في نظرهم لها وظيفة واحدة … (شرف الله قدر القراء). وهذا الإهمال لاستعمال اليد اليسرى، يجعلها بعد سنوات قليلة معطلة عن الاستجابة لتصرفٍ بمثل هذه الخطورة ، يكون بحاجة إلى دقة كبيرة ، وبحاجة إلى السرعة القصوى في الإنجاز.

ومن ثم فقد يكون اختيار مسرح الجريمة، وسؤال المجرم المفترض للمثل هل هو الشخص المطلوب لتنفيذ الجريمة عليه، وموضع الجرح في يمين العنق، وتقبل الممثل للضربة دون رد فهل ولو بالتعقب بالصراخ والاستغاثة.. قد تكون هذه من أخطاء التحضير الكبيرة لهذه اللقطة، التي ربما ـ والله أعلم ـ أريـدَ بها أن تعطي إضافة نوعية إلى مفاجآت الفيلم، التي لم تَـسُـر أحدا؛ لا المخرج، ولا الممثلين، ولا نسبة عريضة من الجمهور، ولا الدولة…. فجاءت هذه الحبكة ـ والله أعلم مرة أخرى ـ كوسيلة لاستدرار عطف الجمهور، وإثارة انتباه الناس ـ داخل الوطن وخارجه ـ إلى ما يتعرض له الممثل المتفتح من خطر على حياته في المغرب؛ خاصة مع ما صرح به غيره من الممثلين والممثلات من تعرضهم لتهديدات بالقتل أو الذبح..

أقول قولي هذا ، وأستغفر الله العظيم إن كنت أسأت ظنا بأحد.

[email protected]


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني