كواليس اليوم: محمد البودالي
هل بدأت أولى إشارات التطهير في جهاز الأمن الوطني، على عهد عبد اللطيف الحموشي، خبير الإرهاب والجريمة المنظمة، بعد الإطاحة بأول رأس من رؤوس الفساد الأمني، في مدينة طنجة، وتلاه في اليوم الموالي مفتش شرطة آخر بمطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء من أجل الارتشاء، والإصرار على مواصلة التحقيقات إلى منتهاها، لتحديد كافة المتورطين المفترضين من قريب أو بعيد؟
أكيد أن الجواب بنعم، ولا نقاش في أن المديرية العامة للأمن الوطني دشنت اليوم عهدا جديدا لا يعرف التساهل مع مظاهر الفساد التي عشعشت في الجهاز منذ عقود عديدة..
إنه عهد الحموشي، الرجل الذي لن تأخذه رحمة أو شفقة بمن تلطخت أيديهم في مستنقع المفاسد والمفاضح، من أجل التخليق وجعل موطئ قدم فسيح للنزاهة الكاملة والمصداقية التامة داخل هذه المديرية الهامة، التي ظل ينخرها الفساد، من بعض جيوب المقاومة، الموزعين هنا وهناك، وإن كنا نستثني الشرفاء من رجال ونساء الأمن الوطني، من أدنى الرتب، إلى أعلاها درجة.
وما يجب على الجميع معرفته، بهذه المناسبة، هو أن عهد الحموشي لن يعرف حملات من الصنف النمطي الموسمي، التي كانت تذر الرماد في العيون، بضعة أسابيع أو حتى شهور، ثم تختفي لتعود حليمة إلى عادتها..
الحموشي لن يدشن حملة تلميع للقشور، تنتهي بمجرد توقف الكاميرا، لتعود المياه النتنة إلى مجاريها بعد ذلك، وإنما سينكب على الجوهر، وسيذهب بعيدا في سعيه وراء الخلل، ووضع الأصبع على مكمن الداء.
ما يجب على الجميع معرفته، أن الرجل جاء بإرادة حقيقية للإصلاح، وبصلاحيات واسعة، مخولة له شخصيا من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، للرقي بالجهاز وتطويره، وهذا الرقي والتطوير، لن يمر هكذا بدون تطهير، وبدون اجتثاث أصل العلة، الذي هو الفساد بشحمه ولحمه. ولذلك فإن أولى الأولويات عند الحموشي، هي “اللي حصل يودي” انطلاقا من الآن.
وأكيد، أن المدير العام الجديد للأمن الوطني لن يذخر جهدا في العناية بعناصره وأطره من نساء ورجال الأمن الوطني، ولن يتوقف فقط عند المقاربة “الأمنية” وحدها في تطهير “الأمن الوطني” من شوائب الأزمنة الغابرة، وإنما ستكون له وبلا شك مقاربات أخرى موازية، تعنى بالجانب الاجتماعي لرجال ونساء الأمن الوطني، وتحسين شروط العمل لديهم، وفق القدرات المتاحة، أو التي ستتوفر لاحقا من الدولة، التي تثق الآن كثيرا في قدرة الحموشي على الإصلاح وتعرف دقة ونجاعة وفعالية استراتيجياته، ولذلك فلا يمكنها إلا أن تدعمه وتوفر له الشروط اللازمة للنجاح.
ولعل الكثيرين الآن يتحسسون رؤوسهم، بعد دنو سيف الحموشي الصارم من رقابهم، لكن أمامهم فرصة ذهبية لـ”التوبة النصوح”، والخروج الفوري من ربقة الخنوع للفساد، وعدم الاستمرار في الرضوخ للإغراءات، والوقوف وقفة رجل واحد إلى جانب المسؤول الجديد، ودعمه في تحقيق سياسة التخليق الشاملة التي يبدو أنه بدأ بالفعل تنفيذ أولى مراحلها.
تجدر الإشارة، إلى أن هناك شيئا آخر لا يقل أهمية في أولويات الحموشي، وهو إعادة الثقة في جهاز الأمن الوطني، شبه المفقودة لدى جزء من شرائح المجتمع المغربي، إلى المواطن، الذي يتخبط منذ سنوات في رعبه من بعض مظاهر البلطجة والشرملة التي تهدد سلامته وأمنه، من جهة، ويعاني الأمرين من سوء الخدمات الأمنية، والتعامل العبثي وغير المسؤول لبعض عناصر ومسؤولي الشرطة من جهة ثانية، وكيف لا، وهو الرجل الذي أفلح في حماية أمن واستقرار المغاربة، لأزيد من 12 سنة، من مخططات الإرهاب التي تعد بالمئات منذ الأحداث الأليمة بتاريخ 16 ماي من سنة 2003.




