خصائص الوضع في علمي الحديث والشعر

د. محمد ناجي

للحديث عن خصائص الوضع في كل من علمي الحديث والشعر، لابد أن نستحضر أربعة عناصر أساسية، هي مكونات الوضع وعليها مداره:
أسباب الوضع ،، وغاياته ،، ثم أصناف الوضاعين ،، والموضوع عليه.
وهي عناصر يصعب في الواقع الفصل بينها، لأنها كلها تتداخل وتتفاعل لتشكل وحدة واحدة هي خصائص الوضع؛ تماما كما تتمازج أربعة ألوان ، لتعطي لونا آخر، لا يشبه واحدا منها، ولكن لا وجود له بدونها.
ومن ثم فإن التفريق بين هذه العناصر في هذا الفصل، ، ليس إلا عملا إجرائيا، لتفصيل القول في كل عنصر في علاقته بالوضع في الشعر أو الوضع في الحديث، أو بهما معا .
وسأقصر الحديث في هذه الحلقة على أوفى هذه العناصر بروزا، وأكثرها وضوحا، في العلمين معا، وهو ما يشار إليه عند القدماء بأسباب الوضع. وهذا العنصر على ما يظهر عليه من وضوح وبساطة على المستوى النظري؛ فإنه عند التطبيق يستعصي في كثير من الأحيان عزله منفردا متميزا عن بقية العناصر التي يلتحم بها، وفي مقدمتها ما يسمى بالهدف من الوضع المقترف؛ من ذلك مثلا الوضع الذي يراد به التقرب إلى السلطان : فهل هو (أي التقرب) سبب أم غاية ؟!
هذا إذا استطعنا أن نعرف ذلك السبب/الغاية من الوضع؛ وإلا فهناك أصناف من الوضع ، في العلمين معا، لا يُدرى ما أسبابها، ومن ثم، ما الغاية منها.
ومع ذلك فقد كانت أسباب الوضع وغاياته، هي العنصر المشترك الأكثر بروزا عند القدماء ، لما جروا على التنصيص عليه ، كلما كان هناك سبب ما وراء عملية الوضع ، أو غاية مرجوة منه.
ثم تأتي بعدها أصناف الوضاعين ، وهذا هو العنصر الأكثر أهمية في كل هذه الظاهرة التي نحن بصددها، لأنهم هم خالقوها ، والمدبرون لأمرها، ولذلك فقد وفاهم علماء الحديث تنقيبا وبحثا، وتوسعوا فيهم تعريفا وضبطا، مما يسر للناس الإلمام بأولئك المتهمين أو المجروحين، وتصنيفهم إلى فئات مختلفة ، بناء على عدة مقاييس: بحسب مستوياتهم العلمية، أو الاجتماعية، أو انتماءاتهم المذهبية أو السياسية، أو معتقداتهم الدينية أو الفكرية إلى غير ذلك مما سيتضح في فصول البحث . بخلاف العلماء بالشعر الذين لم يعيروا لهذا الركن الأساسي أدنى اهتمام إطلاقا، مما ضبب علينا جانبا أساسيا من جوانب هذه الظاهرة، وأبعدنا على التعرف على العنصر الرئيس الفعال فيها بعدا يستحيل معه تدارك ما خلف وراءه من معلومات ومعطيات..
أما الخصائص فهي تمثل جماع كل هذه العناصر بصيغة أخرى.
1 ) فباستقرائنا لأسباب الوضع في الحديث وفي الشعر، يمكن القول أنه نظرا لتعددها في الحديث ، وتشعبها إلى ما لا يكاد يحصى ، يكون من الصعب إيجاد خيط رابط بينها ، لأنها تشمل كل مناحي الحياة؛ من دينية، واجتماعية، وسياسية، ووصولية، وعبثية، وزندقية، وعنصرية، وانتهازية … إلى غير ذلك من الأسباب التي لا يجمع بينها جامع؛ وكلها ترتبط ارتباطا وثيقا بالغايات المرجوة منها ؛ أي أنها هي في نفس الوقت ، الأسباب والغايات : فالوضع لأسباب دينية مثلا ؛ كالحظ على الإكثار من العبادة، أو الترغيب في فعل الخير ،، أو الوضع لتحقيق مآرب اجتماعية؛ مادية أو معنوية،، أو الوضع السياسي … هي كلها أسباب وغايات في نفس الوقت وهو أمر ينطبق على الشعر انطباقه على الحديث سواء بسواء .
غير أننا نجد أن هناك خصوصيات بالنسبة لأسباب الوضع في كل من العلمين، كما أن هناك أسبابا ينفرد بها كل واحد منهما عن الآخر:
فمن ذلك : أن أسباب الوضع في الشعر، يُنظر إليها من ثلاث زوايا : زاوية مرتبطة بالواضع، وأخرى تتعلق بالموضوع عليه، وثالثة تختص بالموضوع. بينما لا ينظر إلى هذه الأسباب بالنسبة للحديث إلا من زاويتين اثنتين: الأولى والثالثة؛ وذلك لتفرد عنصر المحمول عليه في الحديث بشخص الرسول عليه السلام.
أما الواضع ؛ فهو ما سنتطرق إليه في الشق الثاني، في حديثنا عن أصناف الوضاعين ، في هذا الباب .
وأما التي تتعلق بالمحمول عليه في الوضع الشعري خاصة؛ فمنها ما ذكره ابن سلام، من ضياع شعر بعض القبائل، أو قلته في أصله الجاهلي، والرغبة في الزيادة فيه ليضاهي أشعار القبائل المنافسة ” .
ومنها أن يشتهر الشاعر بعشيقة هام بها في شعره، اختص بها دون غيره من الشعراء الغزلين المعروفين، فما يكون من شعر مجهول القائل، ورد فيه اسم تلك العشيقة إلا نسبوه له؛ يقول البغدادي: »ما ترك الناس شعرا مجهولا لقائل فيه ذكر ليلى، إلا نسبوه إلى المجنون، ولا فيه لبنى إلا نسبوه لقيس بن ذريح« . أو قد يكون الشاعر اشتهر بغرض من أغراض الشعر، كالغزل الماجن، أو الشعر الخمري، أو الزهد أو غيرها ؛ مما يجعله عرضة لأن ينسب إليه كل شعر في ذلك الغرض؛ سواء كان شعرا مجهول القائل، أم غلطا ووهما؛ لذلك فقد علق ابن المعتز على أبيات لوالبة بن الحباب، ينسبها الناس لأبي نواس ، بقوله: »وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس، وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر؛ كل شعر فيه ذكر ليلى تنسبه إلى المجنون« …
وقد يوضع الشعر على لسان الموضوع عليه بدافع التحامل، والتحريض عليه ، حيث يراعى في النص الموضوع أن يكون موافقا لبعض صفات المحمول عليه في السلوك أو في الشعر أو غير ذلك، وفي بعض الأحيان للزراية به، أو تأثيمه والإساءة لذكره.
وقد يوضع الشعر على الشاعر بغاية التنقيص من مكانته الشعرية والفنية، بإدخال شعر رديء على شعره الجيد، كما فعلوا بشعر حسان، حتى نعته أبو حاتم باللين ؛ أو فعلهم بشعر ذي الرمة
وقد نجد نوعا آخر من الوضع، لا نستطيع أن نتحقق مما إذا كان مقصودا أو غير مقصود، وهو الناتج عن تشابه أسماء الشعراء، حيث يحمل الشعر على أشهرهم، فإذا سمع السامع شعرا منسوبا لامرئ القيس مثلا، فإنه يحمله مباشرة على امرئ القيس الكندي المشهور، صاحب المعلقة؛ مع أن هناك عددا كبيرا من الشعراء ممن يحملون هذا الاسم.
وأما الأسباب المتعلقة بالموضوع الذي قام عليه الوضع ؛ فمنه لون يكون الداعي إليه تقرير قاعدة نحوية لا يسعف الشاهد النحوي المأثور على تقريرها، كذلك الذي ذكر عن اللاحقي :» سألني سيبويه عن “فَعِلِ” يتعدى، فوضعت له هذا البيت”«.
وأقرب نموذج إلى هذا في الحديث أولئك الوضاعون الذين » يلجؤون إلى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم فيضعون، وقيل إن الحافظ أبا الخطاب بن دحية كان يفعل ذلك، وكأنه الذي وضع الحديث في قِـصَر المغرب« . إلا أنه نادر جدا في الحديث، في مقابل انتشاره بكثرة مفرطة في النصوص الشعرية الموضوعة للاستشهاد بها في اللغة أو النحو أو التفسير أو الغريب أو غيرها. وقد يكون للموقف الذي اتخذه علماء اللغة برفضهم الاحتجاج بالحديث دور مهم في التخفيف من حدة الوضع فيه، في هذا الجانب العلمي على الأقل.. فرغم تعدد موضوعات الحديث الموضوع إلى درجة يصعب حصرها؛ إلا أننا لا نجد حديثا واحدا موضوعا ليكون شاهدا نحويا أو لغويا ..
ومن أسباب الوضع التي انفرد بها الأدب والشعر، ما يرجع إلى الألغاز والأحاجي، ومعظمها بيِّن الوضع، يقول أحمد أمين معقبا على شيء منها: » كالذي زعموا أنه اجتمع يوما عبيد بن الأبرص وامرؤ القيس، فقال له عبيد: كيف معرفتك بالأوابد ؟ فقال : قل ما شئت تجدني كما أحببت، قال عبيد:
ما حيَّـة مَيْـتَةٌ قامت بِمِيـتَتها
دَرْداء ما أنْبَتت نابا وأضراسا
فقال امرؤ القيس: ….الخ
وكالذي زعموا أن امرأ القيس آلى على نفسه ألا يتزوج امرأة حتى يسألها عن ثمانيةٍ وأربعةٍ واثنين…الخ.«
ثم يعقب على هذين المثلين بقوله : »ولم نسق هذين المثلين لاعتقادنا بصحتهما، فإن أثر الصنعة الإسلامية واضح في قوله: تلك السحاب إذا الرحمن أنشأها، و في قوله بعد :
تلك الموازين و الرحمن أرسلها
رب البرية بين الناس مقياسا
هذا فضلا عن ضعف الشعر وإسفافه، وإنما سقناها للدلالة على ما نريد من الألغاز والأحاجي؛ وترى كثيرا منها قد نثر في كتب الأدب كأمالي القالي، والحيوان للجاحظ ، والمثل السائر لابن الأثير، وأمثال الميداني«
وهناك نوع من الوضع وصف قديما بالعبث، دون أن يعينوا نصوصه، أو يبينوا موضع هذا العبث، وهو الذي رموا به خلفا الأحمر، قالوا: “كان يضع على عبد القيس عبثا منه”…
إلى غير ذلك من الأسباب التي لا تطرد في علم الحديث…
أما ما انفرد به الحديث من أسباب فهي لا تكاد تحصى، وهي تنقسم إجمالا إلى أربعة أصناف، كل صنف يحوي جملة منها :
الصنف الأول : وضع أراد به صاحبه خيرا ـ حسب اعتقاده ـ ، ويدخل في هذا الصنف كل تلك الأحاديث الداعية إلى الخير والصلاح، كطلب العلم، ومدح الكرم والسخاء، والإكثار من التجهد، وقيام الليل، وذم البدع… أو تلك التي وضعها صاحبها لتحفيز الناس على الإكثار من تلاوة القرآن… والوضع للتبشير بمبعث الرسول عليه السلام، والوضع في صفات الجنة والنار، وأنواع العذاب والقبر وما جرى مجراها… إلى غير ذلك مما يعج به هذا الصنف من أحاديث لا عدَّ لها ولا حصر، من اليسير الاطلاع عليها في أي كتاب من كتب الموضوعات.
والثاني: أحاديث الخلافات الفقهية، وهي غير الخلافات المذهبية؛ حيث قد يكون الاختلاف بين أفراد عاديين فقط، فيأخذ كل واحد منهم يحتج لرأيه بحديث يصنعه، أو يكون قد سمعه من كذاب، كالأحاديث الكثيرة الموضوعة في مسألة “رفع اليدين في الصلاة”، وكثير من الأحاديث المتعلقة بشعائر العبادات، مما كان يقول به بعض المدعين من غير أن يكون لهم فيه سند فقهي أو أثر سني، كأحاديث الصوم في بعض الأيام من السنة، أو أحاديث الصلوات التفضلية، أو غير ذلك…
والثالث : الوضع التافه السخيف ، ويدخل فيه الأحاديث الموضوعة في تفضيل بعض أنواع الطعام والشراب واللباس، وأحاديث الوصفات الطبية، والمعاملات التجارية ، وذم بعض الحرف والصناعات وأصحابها، أو تفضيل مدينة على أخرى…الخ
أما الرابع فهو الوضع الذي أريد به تخريب الدين، وإفساد الملة، مما كان يأتيه الزنادقة وأشباههم، وقد ورد في هذا الباب أرقام هائلة بعدد الأحاديث التي وضعها هؤلاء الزنادقة ، » فقد وضع الجويباري والكرماني وابن تميم الفارابي وحدهم أكثر من عشرة آلاف حديث« ، ووضع ابن أبي العرجاء أربعة آلاف حديث، زعم انه حلل فيها الحرام وحرم الحلال، وأن الناس بسبب من تلك الأحاديث صاموا في يوم فطرهم، وأفطروا في يوم صومهم ؛ ولو أني لا أميل إلى تصديق هذا الادعاء المفرط في أثر تلك الأحاديث على الأمة الإسلامية.
أما ما عدا هذا من أسباب الوضع الأخرى، كالوضع الشعوبي، والوضع للتفرد بالرواية، والوضع السياسي، أو المذهبي، والوضع القصصي، والوضع الخرافي أو الأسطوري، فقد كان العِلمان معا مجالا له…
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مقتطف من الفصل السادس من الباب الأول .
[email protected]


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني