من ذكريات كاتب صحفي
الـــحــزن الــســري
محمد الوصاف
كلما انتصف شهر ” شتنبر” أيلول ، يعلن انقضاء العطلة الصيفية الجميلة، وحلول الأيام الأولى من فصل الخريف ، وأخذت العوارض الطبيعية تتغير ، والرياح الكثيرة تهب مسرعة حاملة الغبار الذي يعمي العيون ، والغيوم الكثيفة تظهر في الأفق منقطعة ومتلاحقة ، والحرارة تميل نحو البرودة القاسية ،والأمطار الغزيرة تتساقط ، وأشاهد التلاميذ فرادى وجماعات مصحوبين بآبائهم أو أوليائهم حاملين على أكتافهم محفظاتهم الجديدة أو القديمة ، الممتلئة بالأدوات المدرسية المتنوعة الثقيلة ، متوجهين في الصباح الباكر إلى مدارسهم وهم مسرورين جدا . وأوراق الأشجار العالية اليابسة ، تتساقط على الأرض يوما بعد يوم تملأ الشوارع .
تزيد مشكلة عويصة أخرى لسيدات وسادة مستخدمي جمع القمامة الشرفاء ،الذين يستوجب احترامهم ، ويستحقون التكريم والتقدير، لأنهم يطوفون مختلف الأحياء وقي ثغرتهم ابتسامة جميلة، ولو لاهم لغصنا في الوباء ، ولم تفكر الجهة المعنية بقطاع النظافة في محنتهم اليومية ومحنة المواطنين الأبرياء ، الذين يؤدون ضريبة النظافة مرة كل سنة، وتحاول إزالة الأشجار القديمة التي لا تفيد هم في وتستبد لها بأشجار النيم تلك الأشجار التي تساهم في نظافة البيئة لأنها تحتوي على استخدامات عديدة سواء الطبية أو في مكافحة التلوث البيئي لدرجة أن هناك من يستخدمها كمحصول علف تتحمل الغازات المضرة حيث لها القدرة العالية على تحمل التلوث الناتج عن أول وثاني أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وفوق أكاسيد النيتروجين ، وهذه الغارات تنتج من عوائد السيارات والمصانع وغيرها ، وتطرد كذلك الحشرات التي لها علاقة بصحة الإنسان والحيوان ، مثل البعوض والدباب المنزلي والصراصير وغيرها .
و بهذه المناسبة أقدم تحية خالصة لكل الذين يكدحون في الليل والنهار ، يكفيهم أن ينظفوا أحياءنا ، وينشرون في نفس الوقت السلامة .
ندعو الله تبارك وتعالى أن يكون هذا الموسم الدراسي الجديد موسم الخير للجميع يستقبله كافة أطرا التعليم رجالا ونساء بمن فيهم الأساتذة والمدرسون والمربون وكل هيئات التعليم سواء كانوا في القطاع العمومي أو الخصوص بروح المحبة والمودة التي كنت ألمسها فيهم قديما، لأن المدرس بالنسبة لي شخصيا هو الأب الروحي ولب العملية التربوية المتحضرة ، الذي كان يؤدي رسالته النبيلة لمجتمعه وأمته بكل نشاط وحيوية وأمانه ، خلافا لهذا الزمن العصيب الذي أصبح يعيش فيه المدرس في شبه عدم قناعة لا بمهمته ولا برسالته و لا بمسؤوليته ، ولا يشعر بأن مهنته لها المكانة الاجتماعية الني يجب أن تحتلها ، وكثر الحديث عن التعليم ومشاكله ، فهناك من يتذكر الموضوع من باب الروتين السنوي ، والاستهلاك الإعلامي لا أقل ولا أكثر .
وبالنسبة لي فالمدرسة كانت هي الأم الحنون الوفية والأخت الجميلة الصادقة، لأنها كانت تقوم قبل كل شيء بواجب كبير مقدس ألا وهو القضاء على الأمية والجهل ، محاربة كلاهما بنشر العلم والمعرفة الذين يجعلان الفرد ذا قوة وإرادة قادرا على الاسترشاد بعقله ، سالكا طريقا مستقيما ، لا تجره أبدا إلى ارتكاب الجرائم الخطيرة ، وما يتسبب عنها من عقاب وأحكام وسجن .
ورغم سنوات عديدة فرقت بيني وبين عهد التلمذة التي لا زالت محببة إلى قلبي حتى الآن، فإني لا زلت أحتفظ بعدة ذكريات خالدة للعديد من التلاميذ والتلميذات الأذكياء ، الذين كانوا يدرسون معي في مختلف الأقسام ، وأسعدوني خلال أوقات لقاءاتي معهم ، ويسرني أن أذكر بعضا منها.
أثناء نجاحي في اجتياز امتحانات الحصول على الشهادة الابتدائية التي كان لها شأنا كبيرا في ذلك الوقت بمغربنا الحبيب، وجرت في بعض المدن المغربة الكبرى يوم الاثنين 18من شهر أيلول سنة 1965، والتحقت لمتابعة دراستي الثانوية في فاتح أكتوبر، ومنذ بداية الأيام من هذا الشهر، تعرفت على تلميذة اسمها ” رشيدة ” في بداية الموسم الدراسي الجديد ، كنت أحسبها مجرد زميلة لي فقط كباقي الزميلات والزملاء ، الذين بدأوا يدرسون معي في نفس القسم .
لكنني اكتشفت مع مرور الثلاثة الأشهر الأولى، أنني أميل إليها ميلا كثيرا، لا أتصور مثله من قبل، وأعطيها اهتماما كبيرا ، لم يسبق لي أن منحته لأحد آخر.
ـ لست أدري لماذا ؟
كانت الابتسامة لا تفارق شفتيها الساحرتين، تراها دائما هكذا مبتسمة، لا يعرف وجهها الفاتن ألوان الحزن المختلفة ، كأنها خلقت في هذه الدنيا هكذا ، لا تعرف غير الضحك والابتسام أملم الجميع . أما أنا فقد بتت فخورا بمعرفتها غاية الفخر والاعتزاز .
j كانت تخفف عني آلامي بتلك البسمة الجميلة ،ولا تحتاج في نفس الوقت ، إلى كلام كثير أو قليل .
وذات يوم تعذر علي الوصول إلى المؤسسة في الوقت المعتاد ، لأن الحي القصديري الذي كنت أقطن بين أعشابه المؤلمة ، كان يقع موقعه بعيدا عن المدينة بثلاثة كيلومترات ، وكنت مع كامل الأسف أذهب إليها راجلا ، لا أملك دراجة هوائية كباقي رفاقي التلاميذ ، ولا أجد حتى عشرة سنتيما لاستخلاص تذكرة حافلة النقل العمومي ، وصلت متأخرا جدا، ولحسن حظي لم تكن لدينا دروسا من الساعة الثامنة إلى التاسعة صباحا من كل يوم أربعاء ، طرقت الباب الخشبي التاريخي خائفا من بعض المعيدين الذين يخبرون المدير بأسماء شتى التلاميد الذين يأتون بعد الموعد المحدد للدخول ، وجاء الحارس ” أبا المكي “يجري وعروقه تسيل على أكتافه ، لابسا قميصا أبيضا، وفتح لي الباب الأمامي القديم بسرعة ، قبلت يده اليمنى وأنا منحني الرأس احتراما لمكانته المقرة دون أن أجري معه حديثا لا طويلا ولا قصيرا أو أضحك معه ، ولم يطلب مني أن أذهب أيضا إلى مكتب الغياب ، ليسمح لي المعيد بالدخول إلى القسم ، لأنني لم يسبق لي أن تغيبت جئت متأخرا فقط ، دخلت إلى الساحة الفسيحة ، وأول ما وقع عليه بصري هو المقعد الحديدي الأخير المنعزل في الحديقة الشاسعة ذات الأشجار الباهية ، التي تركها المستعمرون بعد خروجهم من البلد بعد رجوع الحرية والاستقلال ، حاولت الاقتراب منه شيئا بعد شيء. فإذا بي أجد زميلتي رشيدة المخلصة جالسة وحيدة لا ترافقها إلا دفاترها وهي شاردة التفكير، لا يعلم إلا العلي القدير فيما كانت تفكر، وفوجئت بذلك في الحديقة ، لأنها المرة الأولى التي أرى صورتها حزينة حزنا عميقا ، وهذا الحزن الكبير ملأ عينيها العسليتين اللتين يدلان على قوة ذكائها، وهي التي لم أعرفها مند بداية الموسم الدراسي إلا التلميذة النشيطة المبتسمة .
أثار هذا المنظر العجيب دهشتي كثيرا، واقتربت منها وكلي إصرار على معرفة سر هذا الحزن العميق، ابتسمت لي عندما وجدتني بجانبها، وسألتها في نفس الوقت:
ماذا وقع بك يا صديقتي رشيدة ؟
قالت ” بصوتها الرخيم ” :
لماذا هذا السؤال يا صديقي محمد العزيز ؟
لكنني ألححت عليها ، وأصررت من جديد على معرفة السر قائلا لها :
لماذا أنت في هذا الحال ؟
سكتت لحظات قليلة، وأغلقت بسرعة عينيها ، بعد أن انهمرت منهما دموع ساخنة ما كان ينبغي أن تسقط على وجهها الدائم الطلق.
أخيرا نطقت وانطلق لسانها الفصيح يحكي ويحكي فصول الظروف المؤلمة والصعوبات الكثيرة التي تمر بها مند ولادتها، تكلمت كثيرا بعد أن انفجرت كقنبلة تطايرت شظاياها في أنحاء هذه الحديقة الفتانة قائلة بصوتها الموسيقي المنخفض جدا :
لا شيء وقع لي أيها الصديق العزيز؟
أما أنا فقد تملكت الدهشة لساني.
قلت في نفسي : رشيدة الزميلة الوفية المخلصة منذ أن عرفتها ما رأيت على وجهها إلا الابتسامة والسعادة ، كل هذا القدر من الهموم والأحزان لم تقل لي شيئا من هذا كله عسى أن أخفف عنها .
إنها احترقت من أجل إسعاد الآخرين ، لا تريد إزعاجهم بصفة نهائية ، وتحاول دوما منحهم أغلى ما تملك ، وهي الابتسامة الجميلة المعهودة ….
وكررت من جديد عليها نفس السؤال
من أحزنك يا رشيدة ؟
أخذت تحكي لي قصتها بتدقيق فصلا بعد فصل ودموعها تنهمر من عينيها مرة ثانية كنزول المطر في فصل الشتاء.
ولما انتهت عاهدتها عهدا من أعماق روحي على أن لا أبوح بأسرارها للغير وقلت لها :
أتبكين يا رشيدة ؟
قالت :
أنا إنسانة لي مشاعر فياضة ، وأحاسيس عاطفية مثل الآخرين ، ولماذا لا أبكي ؟
قلت لها :
ولماذا لا تشتكين همومك ، كما يشكو الآخرون ؟
قات :
لمن ؟
قلت :
لزميلاتك وزملائك الآخرين طبعا
قالت :
ومن هي الزميلة الأمينة في هذه الدنيا التي تتحمل جميع أعباء مشاكلي العويصة ، وأحزاني الأليمة ولو دقيقة واحدة فقط .
قلت لها :
ليس جميع المخلوقات كما تتصورين يا رشيدة ، فما يزال الخير يعم أرجاء هذه الأرض الطيبة ، وما زالت الدنيا بخير إن شاء المبدع الكبير .
وفي هذه اللحظة بالذات ، قامت واقتربت مني كثيرا حتى كاد وجهها الباهي أن يلتصق بوجهي ، وأمسكت يدي اليمنى .
وقالت بصوتها المنغم بكل أشكال الوصف والتعبير والحنان :
أنت أيها الصديق ، إنسان طيب القلب ، فقد قمت فعلا بالواجب عليك من أجلي ، شكرا لك على هذه الاحاسيس الطاهرة ، ومشاطرتك الجياشة لأحزاني ، ولا أريدك أن تهتم بمشاكلي العويصة .
ثم نظرت إلي نظرة حب كبير وعطف وشكر ، وهي متمسكة بيدي وقات :
أعدك أننا سنظل كالوردتين اليانعتين في الحديقة الجميلة ، رغم كل العوائق التي تقاسي منها أسرتينا ، وكل مصائب هذا الدهر الدي لا يرحم .
قالت هذا الكلام المباح ، وانصرفت إلى مكان لا أعلم لي به دون أن تحضر في اليوم الموالي للدروس ، وقد مرت على افتتاح السنة الدراسية سته أشهر ، ولم يبق لنا إلا ثلاثة منها لننتهي الموسم الدراسي ، أما أنا فقد بقيت واجما في مكاني .
ثم قلت في نفسي:
مسكينة رفيقتي رشيدة ، إنها تذوب كالشمعة، التي تسهر الليالي الحالكة ، وتحترق من أجل إسعاد الآخرين، لقد ظلمها كل من قال :
إنها لا تعرف قسوة الحياة ، ولا تعرف غير الابتسام.
لم تتح لي الفرصة في ذلك الوقت ، ولو مرة واحدة لألتقي بها في مكان بعيد عن المؤسسة ، وأجري معها حديثا خاصا في الموضوع الذي كنت أتخيله ، لأن التقاليد والقيم والموروثات كانت لا تسمح بذلك ، والتلميذة التي تعمل مثل ذلك تعاقب من لدى والديها، وتسجن في ركن من أركان البيت ، ويغلق عليها جميع النوافذ ، وتشدد الحراسة من صاحب دكان بيع المواد الغذائية و مصلح الأحذية القديمة و السفج وغيرهم ، وتحرم بالتالي من الذهاب إلى المدرسة ، خوفا من أن تأتيهم بفضيحة أمام مرأى أعين الأحباب و الجيران ، وحتى إذا وقع مثل هذا لا قدر الله ، فإن العائلة تنتقل ليلا من هذأ الحي الذي تقطنه إلى حي آخر بعيد حتى لا يفتضح أمرها .
ومع مرور الكثير من الأيام والأشهر والأعوام على فراقها، وقد صرت الآن شبحا طاعنا في العمر ، أنتظر يد الله تعالى الحانية لتقنني بأنس عارف الرحمة ، إلا أنني لا أخفي عليكم أيها القراء الأعزاء أن ذكراها الخالدة ، مازالت متجانفة أمام عيني ومنقوشة بنقوش الشوق والحنين على قلبي إلى يومنا هذا ، ومازالت صورتها وهي تمسك بيدها الصغيرتين يدي من حين لآخر ، وكلما أستحضرها حتى تسبقني دموعي في الهديل ، أنعزل لوحدي في بعض الأمكنة الخالية البعيدة عن أعين وأذان الناس حتى لا ينظرني أو يسمعني أحد منهم ، لأبكي بكاء حارا مريرا ، وأشعر بقطع ثلج تتساقط على قلبي وبرقرقة روح لطيفة تذكرني بتلك العزيزة التي أحببتها بكل جوارحها وبادلتها الحب بالحب والوفاء بالوفاء ، ومنحتها تاجا ليس كتيجان القصور وذوات المجد .
ورغم سني لازال في ذلك الوقت في مرحلة الطفولة، فقد كان تفكيري متقدما يفكر في المستقبل البعيد ، حيث كنت أسعى في حياتي إلى تحقيق عدة أمنيات :
الأمنية الأولى
تتمثل في أن أستمر في متابعة دراستي رفقتها ، وتدوم صداقتنا زمنا طويلا حتى نصلا مرحلة البلوغ والقدرة على تحمل المسئولية .
الأمنية الثانية
هي أن تتعرف عائلتينا بعضها على بعض ، وتربط علاقة ودية فيما بينهما
الأمنية الثالثة
أتزوج برفيقتي رشيدة على سنة الله ورسوله، وذلك بعد تخرجنا من الجامعة ، وحصولنا معا على منصبين وظيفين في سلك الوظيفة العمومية . كانت هي تبتغي أن تشتغل أستاذة أدب اللغة العربية الفصحى بوزارة التربية والتعليم ، وكانت متميزة في كتابة القصة القصيرة والشعر العربي الفصيح ، وقد ساعدها على ذلك حالتها النفسية التي كانت تعيشها .
الأمنية الرابعة فهي
كنت أتمنى بدوري أن أصبح صحفيا ، لأنني مند صغري أحببت مهنة صاحبة الجلالة ، رغم مصاعبها الخطيرة، ولا زلت أتذكر يوم كان يسألنا معلمونا بالأقسام الابتدائية ، عما كنا نحلم مستقبلا، وعما سترتقي إليه أحوالنا المادية والمعنوية ، بعد سنوات الكد والتعب ، فكنا نجيب الواحد بعد الآخر ، وفي بعض الأحيان نتهافت كلنا في الجواب بسذاجة الأطفال وبراءتهم باختلاف أرقى المهن ، وأنبلها على الاطلاق ، فكان الواحد منا لا يتردد ، ولا يشك في أن يصبح طبيبا يعاين المرضى ، ويشخص لهم مرضهم ، ويعرف لهم وصفة يكتب فيها أسماء الأدوية ، وهذا يريد أن يكون محاميا يقف بجانب المشتكي ، الذي يواجه مشاكلا في حياته الخاصة أو المهنية ، ويساعده في مواجهتها لحلها ، وذلك يختار أن يمارس مهنة الهندسة المعمارية ليصمم المباني من كل الأنواع ، ويدير تقنيتها في أحسن تقنية، وأنا كنت أريد أن أصبح صحفيا ، لأنني في سن مبكر، وجدت نفسي منساقا إلى الكتابة على نحو جدي ، ومعظم كتاباتي الأدبية نشرت بمجلة الحائط التي كان يعدها معلمي محمد الزواوي رحمة الله عليه ن ب ّمدرسة البنين ” سابقا ّذات النطاقين ” حاليا بمدينة سلا الأزلية المغربية سنة 1963 ، وكانت تحتوي هذه المجلة على مواد جيدة من الأخبار المدرسية ونشاطات الأطفال الرياضية والثقافية وعدة موضوعات متنوعة ، وكانت تتيح الفرص للموهوبين في الكتابة وفنون الحط العربي والرسم بجميع أشكاله ، أن يسهموا في تحريرها . كما كان بعض التلاميذ يكتبون قصصا قصيرة أو بعض التعليقات على بعض صور المدن والمآثر المغربية الأصيلة أو بعض الحيوانات الأليفة والمفترسة ، التي كانت بالأبيض والأسود فقط أو ألغاز حكتها لهم جداتهم أو أمهاتهم قبل نومهم ، أو غير ذلك مما يصلح للنشر .
ونظرا لمداومتي في الكتابة أسندت لي مهمة الإشراف على رئاسة التحرير ، فكان التلاميذ يعرضون على موادهم الإنشائية وخواطرهم النثرية ومحاولاتهم الشعرية لمناقشتها معهم .
وبعد هذه المرحلة التدريبية المدرسية ، بدأت أقلم أفكاري تقليما سهلا ، بحيث تذهب مباشرة إلى قلوب جمهور القراء ، تداعب إحساساتهم ثم تطرق بعد ذلك بوقت قصير أو طويل أبواب عقولهم . كنت أفتح عيني في كل مكان حتى أرى الأخبار ، وسمعي ينبسط لكل حركة وأشعر بوجودها في وقتها ومكانها , وكانت أطارد الأخبار التي أبحث عنها وأسأل عنها أينما توجهت وأينما حليت في الشارع أو المقهى أو السينما أو الحدائق العامة أو مراكز الشرطة أو غيرها ، حتى إذا عثرت عليها أدقق في صحتها ثم أصيرها بقلبي من غير أن أضيف إليها شيئا من عندي أو أنقص شيئا يجب أن بظهر .كنت أحاول دوما أن أضيف معلومات جديدة إلى ما لدي ، وأكثر منها عن أي طريق سواء بالمطالعة أو المساهمة أو السماع أو التجربة حتى أصبح باستطاعتي أن أتعرف إلى أي شخص رأيته ولو مرة واحدة .
ويكل اختصار انقطعت عن متابعة دراستي لأسباب قاهرة قصتها طويلة جدا تستحق كتابة موضوع آخر متعلق بها . اعتمدت في عدة صحف مختلفة المشارب حزبية ومستقلة ورقية مغربية وعربية ،و حصلت على بطاقة الصحافة في نفس الوقت ، لكنني قررت أن أغادرها هذه الأيام عن طواعية ، لأنها كانت في ما مضى شريفة لا تسمح لأي أحد أن يدخلها ، أما اليوم فتحت أبوابها على مصراعيها ليلجئها الجميع ، وأصبح كل من يحمل قلما ودفتر اثنى عشرة ورقة أو أربعة وعشرون ورقة، ويركب جملا إنشائيا مفيدة أو غير مفيدة دون مراعات مدى مطابقة مضامين هذه الجمل للواقع ومدى علاقتها بالحقيقة التي هي ضالة لكل صحفي شريف.
كما أنني أنتجت للإذاعة المغربية أكثر من أربعين ” 40 ” أغنية وطنية وعاطفية ودينية واجتماعية ، و كذلك أناشيد تربوية خاصة بالطفولة والشباب ….وغيرها . تغنى بأشعاري جل رواد الأغنية المغربية كالمرحوم الفنان الكبير إبراهيم العلمي ، والفنان المخضرم عبد الواحد التطواني أطال الله في عمره ، والموسيقار المغربي الكبير مصطفى مزواق ، والفنان البشوش الحبيب الإدريسي شفاه الله ، والمطربات الوديعات عفيفة جحفل وسناء فرح ونجاة الحمزاوي والقائمة طويلة جدا . وحصلت على بطاقة الفنان التي تسلمها وزارة الثقافة المغربية للفنانين المهنيين .
الأمنية الغالية الأخيرة التي لم تتحقق في حياتي وهي :
أنني كنت أحلم صباحا ومساء ، أنني سأتزوج بزميلتي رشيدة على سنة الله ورسوله ،
أريد اليوم أن أعرف تمام المعرفة ، أين وصل بها قطار هذه الحياة الفانية ؟
ـ هل هي لازالت عائشة ترزق ، أزورها من حين لآخر بكل تواضع ، وأحيي معها صلة الرحيم ؟ .
ـ هل هي متزوجة من رجل غيري ، أريد أن أتعرف عليه شخصيا ؟
ـ هل أنجبت أطفالا مثلي ، يذهبون إلى المدرسة ؟
أم أنها انتقلت إلى جوار ربها؟
أدعو لها من أعماق قلبي الله أن يغفر لها ويرحمها ، ويعافيها ويعفو عليها، ويفرش قبرها فراشا من أفرشة الجنة.
ولا يسعني إلا أن أقول في الأخير:
الخير فيما اجتباه الله العلي الحكيم سبحانه وتعالى لا يخرج إجلاله عن حكمة ، أو رحمة أو عدل ، أحمده نهارا وليلا ، حقا في كل حال ، وأشكره شكرا جزيلا على نعمه المتعددة التي أسداها لي ، إنه سميع مجيب .
مـــــحـــمـــد الــــوصـــاف
أغنية الأطفال تبحث عن ملحن ومطرب طفل
خـــروفـي صغــيـــر
محمد الوصاف
خـــــــروفــي خــــروف أبـــيــض
جـــمـــيـــل الـطــول والــعـــرض
كــــســـاؤه كـــثــيــف الــــصـوف
ثــــــغـــاؤه نـــاعـــم مـــعــــروف
قـــــرونـــه كــبـــيــرة تـــنــطـــح
رؤوســهـــا مــاضــيـة تــــجـــرح
لــكــنــــه أغـــلـى صـــديـــقـــــي
أحــــبـــه الـــحــب الــحـقــيـقـــــي
لأنـــــــه ألــــيـــــف بــــــديـــــــع
فــــي لـــعـــبه دائـمـا ســـريــــــع
يــهــرب من وسـط فــــريـــــــــق
يــــتــبـــعـــني فـــي طــريـــــــــق
أعـــلفــــــه أحسن أعـــــشــــــــاب
أورده مــــــــــــــاء شـــــــــــراب
محمد الوصاف




