عبد اللطيف مجدوب (لا المجدوبي)
أخلاقيات قبول اللاجئين
المشهد العام
مع توالي ارتفاع وتيرة الحروب ، واشتعال النيران ؛ في العديد من دول الشرق الأوسط ، وشمال افريقيا ؛ ازدادت موجات المهاجرين العرب وغيرهم ، واكتسح تدفقهم معظم الدول الغربية .. مما فجر قضية إنسانية ؛ تجاوزت الحدود الإقليمية ، والقارية لتغدو عالمية بجميع المقاييس .. مع ما سيصاحبها من ” مخاطر وتحديات ” ، باتت تؤرق الحكومات الغربية ، وربما زلزلت كل مواقفها ، وحساباتها الاستراتيجية ؛ في تعاطيها ؛ مع ” الربيع العربي ” ، وقضية الإرهاب إلى درجة أن تحول هذا الربيع العربي لديها إلى ما يشبه ” الرياح الحارقة ” . خرجت من رحمها تساؤلات مضنية من قبيل : أية مسؤولية للغرب في اندلاع شرارة الربيع العربي ..؟ أية جوانب خفية وراء تصعيد نيران الفتن داخل هذه الدول ؟ ، من أوجد داعش ! ولحساب من ؟ .. وأخيرا مكاسب التسليح ، وبيع العتاد العسكري ؛ هل سيصبح وبالا على أمن هذه الدول الغربية نفسها ؟
الربيع العربي ؛ البداية لاغتيال الحلم الشعبي
من كان يعتقد أن ثورة ” الربيع العربي ” اندلعت وفقا لعوامل داخلية بحتة فهو واهم !… لقد خططت لها أدمغة غربية ، سخرت لها كل الطاقات والإمكانيات ؛ بما فيها ؛ وسائل الاتصال الاجتماعي في كل دولة عربية .. بيد أنها سرعان ما حولت سكتها في اتجاه الفوضى العارمة ، والمصير المجهول ، ومن ثم التطاحن على السلطة ، والاقتتال ، وإشاعة سياسة ألاتوافق إلا بلغة السلاح ، وهو الهدف الاستراتيجي الذي كانت تنشده ؛ ولو في الخفاء ؛ بعض البلدان الغربية ، التي كانت مازالت سياستها ، ومواقفها تجاه دول الشرق الأوسط ، وشمال افريقيا تصدر عن قناعة راسخة ؛ رشحت لديها ؛ في أعقاب ضربة 11 شتنبر .. وقد التقطها تجار الأسلحة في العالم فرصة سانحة لتكريس زمن التمزق العربي ، والاقتتال بين العديد من جماعاته ، وتنظيماته “الإرهابية” .
النازحون أو موجات الهاربين من الجحيم
تاجر الأسلحة ؛ لا يرد في قاموسه مطلقا مآل الشعوب في أعقاب الحروب والدمار .. !فكل شيء لديه ؛ في الأخير ؛ يتحول إلى عملة وتجارة … تغدو هذه لتخلفها أخرى ،، وينطلق الإعمار من جديد ، وسط تهافت الشركات ورجال المال ، إلى هنا يصل مدى نظرة صناع السلاح وباعته .
وقد نشأت عن هذه الطفرة الجديدة ؛ في إشعال بلدان بكاملها ؛ ظهور جماعات وتنظيمات ، وتيارات راديكالية ، منبثة داخل نسيج الواقع العربي ، في اقتتال دائم بينها تحت يافطات استقدمت معظمها من التراث الإسلامي . بعض التنظيمات المسلحة ؛ إن لم نقل بمعظمها ؛ تتلقى الدعم العسكري واللوجيستي من الدول الغربية نفسها ؛ عبر بعض دول الخليج بالوكالة ؛ ( فهي صنيعة الغرب بامتياز ) ، كان لظهورها وتغولها على مسرح الأحداث أكبر الأثر في تدمير البنى التحتية لكثير من المدن والقرى ، مما ضاعف من موجات المهاجرين ، من النساء والشيوخ والأطفال … شكلت عبئا ثقيلا على بعض دول الجوار ، مثل تركيا والأردن ، والسعودية .. وامتدت تبعاتها إلى دول بشمال افريقيا كالمغرب والجزائر .
الغرب يستشعر مغبة انصياعه إلى مال السلاح
انفجرت قنبلة إنسانية وراء جحافل وطوفان اللاجئين ؛ الذي شرع يضرب دول غرب أوروبا ، بعد أن ضاقت بهم الملاجئ حينا ، وتقطعت بهم السبل أخرى .. موجات من جنسيات عربية مختلفة ، من سوريا ، والعراق ، ومصر ، وليبيا ، واليمن ، والسودان ، والصومال .. مآت الآلاف باتوا بلا مأموى أو طعام . موجات منهم عبرت البحر ، فاستيقظت دول أوروب على وقع الحادث ؛ وهي تشاهد قطارات ، وناقلات ، وعبارات على متنها ألوان بشرية بسحنات جديدة ؛ تكشف أساريرها على مدى الرعب الذي سكنها ؛ منذ أن غادرت ديارها ..( كانت هذه الدول ؛ وهي ألمانيا والنمسا والمجر وفرنسا وصربيا وانجلترا وأمريكا بالأساس وكندا ، واستراليا … تراقب خلف هذا التسونامي البشري سياستها التنطعية ، والتي استسلمت فيها إلى الربح والمال .. وراء إشعال الحروب وتمزيق جغرافية عديد من الدول ) ، هاهي الآن أصبحت مهددة ، بأن يقف الضمير العالمي ، وأخلاقياته في مواجهة ما يسمى ” بالنظام العالمي الجديد ” ، أو ” العولمة ” ، أو ” الرأسمالية المتوحشة ” ، أو ” الاقتصاد الحر ” ، أو ” العالم الحر ” ؛ كلها أقنعة سقطت لتكشف عن وجه بشع تتصدره أنياب فولاذية للانقضاض على موارد وخيرات الشعوب ، وعيون تتوقد نارا وشررا بالفتك ببني البشر !
الطفل الشهيد “إيلان” الذي هز ضمير الإنسانية !
الطفل إيلان يجسد ؛ بعواطف حارقة ؛ مصير مئات الآلاف من الفارين والنازحين الذين ركبوا البحر ، بحثا عن لقمة عيش ومأوى آمنين ، وفجأة وجدوا أنفسهم في مواجهة غضب البحر بأمواجه العاتية ، وفي لحظات ما .. رمت الأمواج بجثامينهم أو أشلاء منها على السواحل … إنها قصة آلة العذاب التي صنعتها البشرية في القضاء على بعضها البعض !
ولامتصاص هيجان ، وغضب الشعوب ، واستنكار منظمات وجمعيات حقوقية وإنسانية ، إزاء ازدياد موجات المهاجرين واللاجئين ، سارعت بعض الدول الغربية إلى المناداة بفتح حدودها واحتضان هذه التدفقات Refugees Flows مع منح الأسبقية لذوي الديانة المسيحية ؛ بالدرجة الأولى ؛ مسوَقة ؛ عبر الميديا العالمية ؛ أن الضمير الإنساني لم يمت بعد لدى هذه ” الحكومات ” !
هل الغرب عاجز عن إنهاء الحروب تحت ذريعة الإرهاب ؟!
قد يبدو هذا التساؤل غبيا ، وإن كان يطرح بحدة ؛ سيما أمام المآسي التي يعانيها مآت الآلاف من المهاجرين … لماذا يجد الغرب نفسه يوقد نيران الحروب والدمار ، وإخلاء الديار ؛ وفي آن ؛ يسارع إلى مواساة الفارين ، والهاربين من جحيم النيران ؟ إنها لازدواجية مقيتة ؛ ترفضها كل الشرائع السماوية والوضعية ، وأخلاقيات السياسة نفسها ” إن كانت لها بقية منها …” .
بات الغرب يسكنه الهوس المادي الاقتصادي والمالي الصرف … فأيا كانت التبعات ، فهو مستعد لاحتضان أي سفاح طاغية ؛ يحمل في وفاضه صفقات مالية بمآت الملايين من الدولارات . إنه مستعد لترجيح كفة المال على المبادئ والإنسانية كلها … ! ولنا في ألمانيا خير دليل ، لما استقبلت ؛ بالأمس القريب ؛ عبد الفتاح السيسي ، واحتفت به ضيفا مكرما لما يحمله في حقيبته من صفقات يسيل لها لعاب الشركات ، ولما لم تتطهر يداه بعد من دم مقتل الآلاف من الأبرياء عقب اغتصابه للسلطة في مصر ؟؟




