السعيد بنلباه هيئة التفتيش ببنسليمان تكرم متقاعديها
نظمت هيئة التفتيش، أو هيأة المراقبة والتأطير كما يسميها البعض ببنسليمان يوم أمس الجمعة 11 ديسمبر الجاري بمقر نيابة وزارة التربية الوطنية حفلا تكريميا على شرف سبعة من منتسبيها أنهوا سنوات الخدمة الإدارية “أحيلوا على التقاعد” وهم خديجة غربي وإبراهيم عفيف ومحمد كونان عن التعليم الابتدائي، ومحمد الصبار واحمد منصف عن الثانوي التأهيلي، والعربي أنوار مفتش التوجيه، وعبد النبي عبد الخالد مفتش المصالح المالية والمادية، وإذا كانت اللجنة المنظمة برئاسة المفتش عبد الرحيم الماعوني، رغم المجهودات التي بذلت، اعتبرت أن الحفل لا يعدو كونه رمزيا بفقراته الغنائية وضيوفه وتذكاراته التي وزعت، إلا أن الكلمة التي قرأها باسم هيئة التفتيش ببنيليمان المفتش مولاي عمر البداوي جاءت عميقة في شكلها ومضمونها، ودلالاتها، وحفاظا على أمانة اللحظة، لحظة العرفان من الزميل إلى الزميل وحتى نترك للكلمة عذريتها ونوردها كما أتت
أيتها الزميلات .أيها الزملاء.. ـ أيها الحضور الكرام
ـ سئل الخوارزمي عالم الرياضيات عن الإنسان فأجاب:
إذا كان الإنسان ذا أخلاق فهو يساوي رقم1
وإذا كان ذا جمال فأضف إلى الرقم 1 صفرا يساوي 10
وإذا كان ذا مال فأضف إلى الصفر صفرا يساوي 100
وإذا كان ذا حسب فأضف إلى الصفرين صفرا يساوي 1000
وإذا ذهب العدد 1 وهو الأخلاق ذهبت قيمة الإنسان وبقيت الاصفار.
يقول الشاعر فاروق جويدة :عمر الحياة يقاس بالزمن السعيد.
إننا نعيش حياة مضاعفة حينما نعيش للآخرين ، وبقدر ما نضاعف إحساسنا بهم، نضاعف إحساسنا بحياتنا ، ونضاعف هذه الحياة ذاتها في النهاية، لأنه كما يقال حسن المظهر لن تنساه العيون، ولكن حسن الخلق لن تنساه القلوب
بهذا التقديم يشرفنا في هيئة التفتيش أن نرحب بكم جميعا في هذه الأمسية المليئة بمشاعر الحب والتقدير، والتي عبر نسماتها وهوائها الوجداني نرفع صوتنا عاليا لنبوح بكل أعماقنا بصوت المحبة الصادقة لتكريم إخوة لنا قضوا معنا سنين طويلة كانت كلها عطاء ، حلمنا فيها بالكثير ،حلمنا بغزارة المعرفة، حلمنا بأن تصبح المدرسة العمومية ورشا مفتوحا ويحقق أماني المتردد عليها والمشتغلين فيها والمؤطرين ، حلمنا أن نجيء يوما إليها ونسمع الأناشيد الجميلة ، ونجد الابتسامة هنا وهناك، لا نجد التشكي والبكاء ،حلمنا كثيرا ومن حقنا أن نحلم كما قال محمود درويش ” ما دمت حيا فمن حقي أن احلم لان الموتى لا يحلمون”
وإذا كان التكريم في الأعراف الحضارية للأمم ينم عن سلوك حضاري للإنسان تجاه أخيه الإنسان، سلوك تكون فيه الكلمة الصادقة والمعبرة عن الأثر الذي ثم نحته في وجدان الناس من طرف الأشخاص المحتفى بهم ، وكذا عن الأعمال التي قاموا بها أثناء تحملهم المسؤولية ،إذا كان الأمر كذلك ، فإن اللحظة التي نحياها الآن هي لحظة لتكريم أنفسنا ، وتجديد العلاقات فيما بيننا ،لحظة نعيد فيها التفكير في دواتنا لنؤكد أن البعد الإنساني حينما يخترق الوجدان ، وحين يسافر إلى الأعماق النفسية يوحد الجميع للحظة الاعتراف بامتياز، لحظة استكناه الصفحات المشرقة والمضيئة في مسيرة هذه النخبة من المفتشين التي جمعتنا اليوم والتي لهم جميعا خصوصا أننا أصبحنا نعيش زمنا نعاني فيه من الاحتباس الحراري للوجدان وزيادة انتشار ثاني اوكسيد الوحدانية والتفرد والتفكير في الذات بعيدا عن الجانب الاجتماعي ،نلتقي اليوم لنقول لكم لقد جمعتنا علاقات عمل وهم مشترك انصب أساسا على حرقة الأسئلة التي اكتوينا بها من اجل أن نرتقي بالمدرسة العمومية وان تحقق أفق انتظاراتنا جميعا،أنها لحظة تتسم بتدفق المشاعر،لحظة إنسانية يرتقي فيها الوجدان الى مراتب الانبهار والإعجاب أمام القيمة الحقيقية التي يختزنها الإنسان عندما يكون منسجما مع ذاته، ووفيا لمسؤولياته ، ومضحيا من اجل ان يجعل من معاناته أداة لصنع سعادة الآخرين…
واسمحوا لنا ان نقول لكم ـ في البداية ــ بان تكريمكم اليوم هو من زاوية الوفاء لسنوات قضيناها معكم كلها عطاء وأتمرت علاقات إنسانية ،بينت أنكم عرفتم كيف تشيدون وتبنون بتضحياتكم الإنسان الذي راهنتم على تكوينه وتاطيره ،ليكون إنسانا متحملا لكل مسؤولية ، ومؤديا الأمانة التي تحملها وهي تربية النشء، لأنكم كنتم قدوة ومثلا للتاطير والتسيير والمراقبة والتتبع،بدون طمع في امتيازات ، ودون الدخول في حسابات ضيقة،همكم الوحيد أن تتركوا بصماتكم وتوجيهاتك أثرا دالا على مساركم، لم يكن هذا العطاء مفروشا بالورود،بل عانيتم الكثير لتؤسسوا ثقافة جديدة، وسلوكا يليق بالمربي والمربية،كل هذا جاء باقتناعكم بان المفتش والمفتشة إنسان خلاق مبدع، وأظهرتم عبر التجربة كيف يستطيع المؤطر أن يكون إنسانا فعالا ،لا مجرد خيال أو كائن ورقي كما يقول نقاد الرواية.
في تكريمكم اليوم ـ أساتذتنا الكرام ــ نستحضر مسيرة طويلة في تفاصيل حياتكم المهنية ،حياة بنيتم مساراتها بإنسانيتكم التي لم تظهر فيها السلطة الإدارية ،بل خلقتم المسافة بين ماهو إداري وما هو تربوي ، ولم تاستهويكم بل ولم تخدعك إغراءات مزيفة لتعيشوا أوهاما طالما تبين أنها سراب ،عن تحصينكم المعرفي والبيداغوجي
جعلكم توازنون ــ حين تحملتم المسؤولية ــ بين معادلتين صعبتين:معادلة الاحتراق الداخلي لإرضاء رغبات الآخرين من جهة، وعادلة تحقيق حلم ربح الرهانات أمام واقع مر ومؤلم ومتمنع ، واقع متعدد الاكراهات… لقد كنتم تشتغلون بذكاء ، وجعلتم من مهنة التفتيش وظيفة تفكون بها لغز هذه المهنة، وحركتم بها بعض الآلات التي أصابها العطب والعطب او العطل على مستوى التجديد التربوي.
إننا، إذ نحتفي اليوم بمساركم المهني والإنساني ،فإننا نستحضر من خلاله زخم مرحلة كنتم من روادها مرحلة خبرتم فيها المنظومة من عدة مواقع،إذ تدرجتم بفضل جديتكم وسمعتكم الطيبة وكنتم شبابا وولجتم سلك التدريس عن قناعة ، في حين كانت الاختيارات آنذاك متعددة، ومتاحة للرقي الاجتماعي ،متشبعين بآمال وأحلام وطموحات جيل من المدرسين لخدمة المدرسة العمومية وعبر تجسيد الدور التربوي لفعل التدريس، وجعله أداة لشحذ قدرات المتعلمين وسلكا لتحقيق أحلامهم ،وإبراز قيمة الاجتهاد الذي كان أساسا للنجاح والترقي الاجتماعي، وتجسد على نحو أخر في الإسهام في إضفاء الهوية الوطنية للمدرسة ،مرحلة كان من سماتها التضحية والتطوع خدمة للمنظومة التربوية، فاشتغلتم في هذا الأفق بحماس الشباب وإيمان الأساتذة في ترسيخ مقومات مرحلة مهمة في تاريخ المدرسة المغربية، ونحن الجيل الذي تربى في هذه المدرسة والتي ما زلنا نعتز بها وندافع عنها حتى لا تلتهمها أطماع الطامعين وتبخس منها. أنكم مثلتم جيلا ساهم في إصلاح المنظومة التربوية في الثمانينيات، والتسعينيات من القرن الماضي،وبداية هذا القرن، وهنا نذكر الدور الذي قمتم به في محطتكم الثانية والمتعلقة بتاطير الأستاذات والأساتذة، وفي وضع البرامج والمناهج، فاسهمتم في تجديد المدرسة عبر تجديد البرامج وتحديد المقاربات وإضفاء المعنى البيداغوجي للممارسة التربوية. ومن كل تلك المواقع مارستم المهام برصانة علمية وكفاءة مهنية، ونزاهة فكرية والتزام بالضوابط النظامية والقواعد المنهجية والمبادئ الأخلاقية في أداء مختلف المهام من اجل ان تبقى المنظومة التربوية في المكانة التي يجب ان تكون فيها،لذلك يجب تحصينها بمزيد من العطاء والمبادرات مستقبلا .
ايتها السيدات …. أيها السادة…. أيها الحضور الكرام
عن اللحظات التي جمعتنا بكم قد سمحت لنا أن نكتشف فيها مكونات جوهركم الإنساني ،وان نقرا في سيرتكم المهنية تفاصيل أناس نذروا أنفسهم ليكونوا مدافعين عن المدرسة المغربية العمومية، التي نعتز جميعا بالانتماء إليها وعن رجالاتها ونسائها،مشغولين بمالها إلى درجة الهوس ،مقدمين التوجيهات سواء في اللقاءات الرسمية لتظل رافعة أساسا للتنمية والمحافظة على القيم التي بدأت تتراجع مع كامل الأسف في زمن العولمة ،زمن تحول فيه كل شيء إلى سلعة قابلة للتبادل والتسويق ،بما فيه فعل التربية والتكوين ..وفضلا عن ذلك كله اكتشفنا فيكم صفات اللباقة المتزنة ونكران الذات، والصبر والتحمل ومعالجة كل القضايا بكل هدوء وصبر وأناة، لقد كنتم تبحثون دوما عما يفيد المنظومة التربوية،ولم تحد أبدا الاكراهات من طموحاتكم في العمل على إرساء الآليات لتفعيل وتنشيط الحياة المدرسية والتكوين المستمر،لتحسين وتدبير التعلمات بشكل يراعى الجودة في الأداء والتحصيل النوعي لا الكيفي ،متطلعين إلى المستقبل طامحين في تحقيق الأحلام التي كانت نراودكم، لأنكم كنتم تمارسون العمل بدمائكم وبمعاناتكم التي كنتم لا تبوحون بها لأحد معتبرين ذلك من مهام مهنة التفتيش،لأنكم تعشقون هذه المهنة لأنه كما يقال: “عندما ينطفئ العشق نفقد دائما شيئا منا ” . وكأنكم بهذا السلوك كنتم كما يقول محمود درويش ” تربون الأمل في النفوس وتحاربون تسلل الإحباط إليها، كل هذا جعلكم لا تقتنعون إلا بالعمل الذي يشرف لأنه جزء من أحلامكم واذا لم تتحقق كلها فأقول لكم: “لا تحزنوا خلقت الأحلام لكي لا تتحقق
أيتها السيدات…أيها السادة
تلكم بعض من الأفكار التي نسجلها والمشاعر التي نعبر عنها ونبوح بها في حق الأساتذة الكرام في هذا الاحتفاء الرمزي… فلكم الشكر ، ولكم التقدير ولكم الاحترام ولكم المحبة.. وعذرا عن كانت الكلمات لا تقوى أحيانا على التقاط كل تفاصيل العواطف والأحاسيس. معتزين بكم مفتشين وموجهين ، وزملاء.معتزين بما قدمتم من أعمال وإضافات نوعية للحقل التربوي في نيابة بنسليمان وأكاديمية الشاوية ورديغة والوزارة،مفتخرين بالصورة وبالرمزية التي بصمتموها للمفتش والمفتشة ،فخورين أيضا بالرأسمال المعنوي الذي خططتم وهندستم هيكلته، وجعلتم المفتش في مكانته التي ينبغي أن يكون فيها ،لذا نقول لكم تقبلوا منا مشاعر المودة والحب والتقدير والاحترام لشخصكم ولعطائكم المتميز.
ولان الأشجار تعدنا دائما بالاخضرار وتقصدها الأطيار لتغرد أناشيد الفرح والحبور، فتسافر تلك التغريدة إلى عمق الإحساس وتزرع في السامع نشوة الحياة الجميلة فأكيد وجودكم معنا اليوم اخضرت به القاعة من جديد. وبعثتم فيها الدفء دفء اللقاء والتواصل مع أناس قررنا أن ننسى النيان ولا ننساهم أبدا.متمنين لكم الاستمرار والعطاء من مواقع مختلفة،دامت لكم الأفراح والمسرات متمنين لكم ولكل أسرتكم الكريمة عمرا مديدا وصحة جيدة.
ونختم قولنا بما قاله سالم عطير:
ويبقى الأمل :
بأن أجمل الكلمات تلك التي لم تكتب بعد…
وان أجمل الأحلام تلك التي لم تحقق بعد..
وأجمل الأيام، حتما سيكون غذا..
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



