لم تعد الاحتجاجات التي تجتاح فرنسا مجرد تحركات اجتماعية عابرة، ولا مجرد غضب محدود بسبب غلاء المعيشة أو تراجع الخدمات العمومية. ما يجري اليوم يكشف عن أزمة سياسية واجتماعية تتسع رقعتها، وتضع الرئيس إيمانويل ماكرون أمام اختبار صعب، بعدما خرج مئات الآلاف إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم، فيما ارتفعت أصوات تطالب برحيله وتحمّله مسؤولية المأزق الذي تعيشه البلاد.
يوم السبت 24 أكتوبر، شهدت فرنسا مظاهرات واسعة شارك فيها مئات الآلاف عبر مدن مختلفة. وقدّرت وزارة الداخلية عدد المشاركين بنحو 410 آلاف شخص، بينما تحدثت النقابات عن أعداد تقارب 800 ألف. وبينما انطلقت التحركات من مطالب مرتبطة بأوضاع التعليم وظروف التلاميذ والطلبة، سرعان ما اتسعت لتشمل ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع القدرة الشرائية، وتدهور الخدمات العمومية، والشعور المتنامي بأن السياسات الحكومية لم تعد تجيب عن انتظارات قطاعات واسعة من الفرنسيين.
والأخطر بالنسبة إلى ماكرون أن الغضب لم يعد محصوراً في فئة اجتماعية واحدة. فالطلبة والتلاميذ والعمال والمدرسون وفئات أخرى باتوا يلتقون في الشارع حول إحساس مشترك بأن الأوضاع تتجه نحو مزيد من التعقيد، وأن الوعود السياسية لم تعد كافية لإقناع المواطنين بأن السلطة قادرة على تغيير واقعهم.
حين تتحول الاحتجاجات إلى منصة للمطالبة برحيل رئيس الدولة، فإن الأمر يتجاوز الخلاف حول قرار حكومي أو إجراء اقتصادي. إنه تعبير عن أزمة ثقة في القيادة السياسية، وعن رغبة لدى قطاعات من المحتجين في تحميل رأس السلطة المسؤولية عن مسار البلاد.
ولم تعد الدعوات إلى رحيل ماكرون مجرد أصوات معزولة؛ فقد برزت في سياق احتجاجات واسعة، بالتوازي مع دعوات سياسية ونقابية إلى مواصلة الضغط في الشارع. كما دعت قوى احتجاجية إلى تنظيم مظاهرات جديدة يوم 31 أكتوبر، وإلى إضراب وطني في الخامس من نوفمبر، في مؤشر على أن الأزمة مرشحة للاستمرار بدل أن تنتهي بانتهاء يوم احتجاجي واحد.
ويجد الرئيس الفرنسي نفسه أمام معادلة معقدة: كيف يمكنه استعادة ثقة الشارع في وقت تتزايد فيه الضغوط المعيشية، وتضيق فيه هوامش المناورة المالية، بينما لا يملك معسكره الأغلبية البرلمانية التي تتيح له تمرير سياساته بسهولة؟ إنها أزمة لا يكفي معها خطاب سياسي جديد أو اجتماع مع النقابات، بل تتطلب إجابات ملموسة عن الأسئلة التي يطرحها المحتجون في الشوارع.
لم تأتِ هذه الموجة من الاحتجاجات من فراغ. فارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية والقلق بشأن مستقبل التعليم والخدمات العمومية كلها عوامل غذّت حالة الاحتقان، قبل أن تتحول إلى مواجهة مفتوحة مع الحكومة. وما يزيد الوضع تعقيداً أن السلطات واجهت في 17 أكتوبر موجة من أعمال العنف والنهب، أقرت بعدها بوجود إخفاقات في الاستعداد وتقدير حجم الاضطرابات، وهو ما دفع إلى تعزيز الانتشار الأمني خلال احتجاجات نهاية الأسبوع الماضي.
وفي مواجهة هذا التصعيد، نشرت السلطات نحو 70 ألف شرطي ودركي خلال مظاهرات السبت، في محاولة لمنع تكرار مشاهد التخريب والنهب التي شهدتها مدن فرنسية في الأسبوع السابق. ورغم أن الانتشار الأمني ساهم في الحد من حجم الاضطرابات مقارنة بالأسبوع الماضي، فإن ذلك لا يعني أن أسباب الغضب قد اختفت؛ فالأمن قادر على ضبط الشوارع مؤقتاً، لكنه لا يستطيع وحده معالجة أزمة الثقة أو خفض تكاليف المعيشة أو إصلاح الاختلالات التي يحتج المواطنون بشأنها.
وتزداد الضغوط على ماكرون مع اقتراب نهاية ولايته، في وقت تبدو فيه قدرة حكومته على تقديم تنازلات واسعة محدودة بسبب الوضع المالي للبلاد والانقسام داخل البرلمان. كما أن دعوات النقابات إلى مزيد من الاحتجاجات والإضرابات تعني أن الحكومة قد تكون أمام أسابيع من المواجهة الاجتماعية، لا أمام أزمة يمكن احتواؤها بقرارات ظرفية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط كم عدد الذين نزلوا إلى الشوارع، بل إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه الحركة الاحتجاجية، وهل تستطيع السلطة تقديم تنازلات حقيقية قبل أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أعمق؟
فحين يخرج مئات الآلاف للاحتجاج، وتتقاطع مطالب الطلبة والعمال والنقابات، وتُرفع شعارات تطالب برحيل الرئيس، يصبح تجاهل الرسالة مخاطرة سياسية. وقد تنجح الحكومة في تفادي انفلات أمني جديد، لكنها لن تستعيد ثقة الشارع بمجرد نشر المزيد من قوات الأمن أو الدعوة إلى الحوار من دون نتائج ملموسة.
ماكرون أمام لحظة سياسية دقيقة: إما أن يقدم إجابات مقنعة عن الغلاء والتعليم والخدمات العمومية، وإما أن يترك الأزمة تتوسع وتتحول إلى عبء ثقيل على ما تبقى من ولايته. أما الشارع الفرنسي، فقد أرسل رسالة واضحة: الغضب لم ينتهِ، والمظاهرات المقبلة قد تكون امتحاناً جديداً لقدرة السلطة على الاستمرار في مواجهة الاحتقان الشعبي.




