د. محمد ناجي
النقاش المحتدم هذه الأيام حول “استقلال السلطة القضائية” ، لاستكمال مسلسل تنزيل فصول الدستور وتفعيلها بالقوانين التنظيمية المناسبة ؛ هو نقاش يهم كافة المواطنين بدون استثناء؛ ولذلك فهو يستدعي كثيرا من التروي الهادئ والموازنة السديدة، للوصول إلى توافق تكون فيه المصلحة العامة هي المستفيد الأكبر.
لقد انخرطت في هذا النقاش كل السلط الأساسية والجهات المعنية الأخرى، من سلطة قضائية ممثلة في القضاة ـ بحضور بارز لنادي قضاة المغرب ـ ،، والسلطة التنفيذية ممثلة في وزارة العدل والحريات، بحضور بارز أيضا للسيد وزير العدل والحريات المنافح الأول عن مقترح مشروع قانونه التنظيمي،، والسلطة التشريعية ممثلة في مجلسي النواب والمستشارين،، بالإضافة إلى المجتمع المدني من خلال بعض الجمعيات والهيئات ، وكذا بما ينشره بعض المواطنين المستقلين من كتابات أو أشرطة فيديو أو ما يتداولونه في حواراتهم في أنديتهم أو بيوتهم أو في جلساتهم الرفاقية.
وكل هذا يعطي انطباعا بتكون مجتمع حي متحرك، أصبح ينخرط تلقائيا في أي شأن يهمه ويهم وطنه ومستقبل أبنائه ، ويساهم من قريب أو بعيد في إصلاح ما يجب إصلاحه، وتحديث المتقادم الذي لم يعد مناسبا لأحوال المجتمع أو لتقدم الدولة ورقيها، وتدارك ما يجب تداركه لتخليص البلاد من ورطة الفساد الذي عم مرافقها وأرجاءها، على أمل الوصول إلى وضعية سليمة تقوم على فصل السلط فصلا حقيقيا وفعالا، وعلى تحديد المهام وتوزيع الاختصاصات وعدم تداخلها ، ثم ربط المسؤولية بالمحاسبة .
وانطلاقا من هذا فإن رصد المطلب المرفوع من قبل نادي القضاة الداعي إلى استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية يعتبر مطلبا مشروعا؛ وطنيا ودوليا ودستوريا ؛ غير أن كيفية تصور هذا الاستقلال يختلف من جهة لأخرى ، ويمكن أن نقول بالتحديد أنه يختلف ما بين تصور القضاة لكيفية تفعيل استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وتصور الوزارة لذلك التفعيل، مع وجود قاعدة شعبية كبيرة أو صغيرة تساند هذا الطرف أو ذاك .
فالقضاة يطالبون بتـحـييـد وزارة العدل الحريات، ويرفضون أن يكون وزير العدل والحريات رئيسا بالنيابة للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، ويدعون إلى أن يكون الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض منتخبا من طرف القضاة ، باعتباره سيصبح الرئيس المباشر للنيابة العامة بعد تحقق مطلب استقلالها عن وزارة العدل والحريات، ولا يرون جدوى في تقديم تقرير سنوي من طرفه أمام البرلمان، لانعدام وجود أي سلطة للبرلمان على السلطة القضائية.. ولهم حول المسالك التأديبية المقترحة ودواعيها مؤاخذات، وخاصة بالنسبة للمادة 96 من مشروع القانون التنظيمي للنظام الأساسي للقضاة الذي يرون انه يدعو إلى التطبيق الحرفي والآلي للنصوص القانونية؛ ومن ثم فإنه يلغي الاجتهاد القضائي، ولا يبقي للقاضي فرصة للتطبيق العادل للقانون .
كما تطرق بعضهم إلى مسألة الترقيات والتنقيلات وغيرها من الأمور التي يصعب ـ أحيانا ـ فهم كيفية ربط بعضها بالنقطة الجوهرية التي هي استقلال السلطة القضائية؛ لأننا إذا اعتبرنا أن القاضي سيكون مضطرا للاستجابة إلى تعليمات فوقية لإصدار حكم لا يقتنع به ، فيفعل ذلك تفاديا لتنقيل تعسفي مثلا؛ فإنني أعتقد أن في هذا مبالغة كبيرة ، وفيه دليل على عدم قدرة القاضي عن الدفاع عن القانون الأسمى للدولة وهو الدستور الذي ينص في فصليه 108 و 109 على ما يلي :
108
« لا يعزل قضاة الأحكام ولا ينقلون إلا بمقتضى القانون.»
109
« يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء؛ ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات، ولا يخضع لأي ضغط.
يجب على القاضي، كلما اعتبر أن استقلاله مهدد، أن يحيل الأمر إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية.
يعد كل إخلال من القاضي بواجب الاستقلال والتجرد خطأ مهنيا جسيما، بصرف النظر عن المتابعات القضائية المحتملة.
يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة. »
فإذا كان الدستور يحمي القاضي من أي تدخل في القضايا المعروضة عليه، ويمنحه حق إحالة كل ما يهدد استقلاله القضائي على المجلس الأعلى للسلطة القضائية؛ بل يعتبر تجاوبه مع تلك التعليمات أو التدخلات خطأ مهنيا جسيما يعاقب عليه… فإن كل قول بالتوجس من تـعَـرُّضِـه للأوامر أو الإملاءات فيما يتعلق بمهمته القضائية لا مبرر له؛ خاصة إذا كان كل القضاة يرفضون رفضا مبدئيا وقاطعا تلقي أي أوامر أو تعليمات، ويهددون باستعمال هذين الفصلين الدستوريين في مواجهة من يريد أن يتدخل في مهامهم القضائية؛ فساعتها لن يجرؤ أحد أبدا على القيام بذلك ، وسوف تختفي فورا المكالمات الهاتفية الفوقية، أو الدعوات إلى المكتب لتلقي التعليمات، أو غير ذلك مما يعكر صفو قضائنا ويحول دونه ودون نزاهته وشفافيته.
أما النقطة الجوهرية المتعلقة بالمادة 96 في مشروع القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية ،
فالذي عليه كثير من المواطنين أن القضاة يرومون برفضهم لهذه المادة الإبقاءَ على الوضعية الراهنة غير المزعجة، والتي تتسم بعدم إمكانية متابعتهم أو محاسبتهم على ما قد يصدر عنهم من إخلالات أو خروقات ، يعتبرونها هم من باب الاجتهاد القضائي، بينما ينظر إليها المتضررون باعتبارها قرارات منحازة أو أحكاما جائرة عنوة ـ وأنها مؤشر على فساد إرادي متعمد، ضحَّى فيه القاضي بنزاهته وبصالح العدالة وبحقوق المتقاضين من أجل جلب منفعة ذاتية ..
ولذلك فإذا نظرنا إلى الخطأ باعتباره اجتهادا غير مصيب؛ فإن أي تشريع في العالم لا يجيز محاسبة القاضى الذي اجتهد فأخطأ. حتى الفقه الإسلامي يعطي للمجتهد الذي لم يصب أجر الاجتهاد؛ أي أنه لا يكتفي بعدم محاسبته، بل إنه يثيبه على عمله؛ لأنه كان صادرا عن حسن نية.
أما إذا نظرنا إلى أن الخطأ كان متعمدا، ومتحيزا عنوة، وكان في الملف ما يفيد ذلك من وثائق أو حجج تُـبـرِّئ المُـدان، أو تُـدين المُـبَـرَّأ، فإن المحاسبة الشديدة الصارمة، والنزيهة في نفس الوقت، تصبح أمرا لا مندوحة عنه، ولا يعارض التشريعَ لهذه المحاسبة بنصوص قانونية صارمة إلا من يريد أن يبقي على صورة قضائنا الراهن على ما هي عليه من الإسفاف والهشاشة.
وما دام هناك إجماع لا يشوبه استثناء أو تحفظ، بأن أحوال القضاء في المغرب لا تشرف أحدا، وأنه يعاني من فساد يغطي ظلامُه على كل خيط من نور قد يسطع هنا أو هناك مشعا من قاض عادل، أو موظف مستقيم؛ فإننا نستطيع القول بأن السكوت على تلك المجازر التي تعرفها محاكم البلاد بدون رحمة ولا هوادة، وبلا وازع من ضمير ولا داع من داخل الوسط القضائي إلى ضرورة التصدي لها، وحماية الجسم القضائي من العابثين به ؛ أقول : إن السكوت عن كل هذا، أو العمل على إبقاء الوضع على ما هو عليه، يصبح من باب التواطئ أو المشاركة أو الانتفاع المرغوب فيه.
لقد أصبحت صورة القضاء المغربي في العالم كله لا تشرف أي مواطن عادي؛ فأحرى رجالا منتسبين له ؛
فما ينشر من فيديوهات وأشرطة وحلقات استجوابية وتوضيحية، وما يُعرض فيها من نوازل تنتهي بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان، أو تُـحَـفَّـظ بقرارات مجحفة تهضم حقوق المواطنين، وما يُـقَـدَّم بين يديها من تعليلات واهية خرقاء، لا علاقة لها بالواقع ولا أساس لها من قانون.. كل ذلك يجعلنا في مرحلة ؛ يمكن أن نقول عنها أنها مرحلة استثنائية، تفرض علينا أخذ الحيطة لأنفسنا ولمستقبلنا ولمستقبل أبنائنا، وتُـلزمنا بالتشريع لما فيه مصلحة العدالة أولا، ثم لما فيه مصلحة الأمة ثانيا، ثم لما فيه مصلحة القضاة الشرفاء المقسطين ثالثا.
فأما مصلحة العدالة فلا شك أن أقصى غاياتها هو تطبيق القانون بحذافيره، كما ينص على ذلك الفصل 110 من الدستور:
«لا يلزم قضاة الأحكام إلا بتطبيق القانون. ولا تصدر أحكام القضاء إلا على أساس التطبيق العادل للقانون.
يجب على قضاة النيابة العامة تطبيق القانون. كما يتعين عليهم الالتزام بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها.»
وأما مصلحة الأمة، فلاشك أن تطبيق القانون لا يتعارض معها، وكل من يتوجه للقضاء لاسترجاع حق مغتصب، أو إنصافه من باطل ماحق ابـتُـلِـيَ به ، أو حمايته من معتد جبار؛ إنما يتوخى تطبيق القانون بكل نزاهة وحيادية.
وأما مصلحة القضاة النزهاء في التشريع الصارم لمحاربة الفساد، فهي تكمن في أنهم لن يظلوا ضحية سمعة قضاءٍ بعضُ رجاله فاسدون، فينسب الفساد إلى الجميع.
فعندما ينزل شريط في يوتوب أو في موقع إلكتروني، ينقل للناس فسادا قضائيا صارخا ومفضوحا، فإن الشجب والرفض ، سواء من طرف الرأي الوطني أو من طرف الرأي الدولي، لا ينصب فقط على القاضي الذي أصدر ذلك الحكم، أو الأمر أو القرار؛ وإنما يتجاوزه إلى الجهاز القضائي برمته. وكلما ازدادت الأشرطة نزولا وتواردا، وتنوعا للحالات، وتعددا لأنواع المحاكم؛؛ ازدادت صورة القضاء قتامة لدى الرأي العام الوطني والدولي؛ فتتحول مشاعر الناس نحو القضاة إلى كراهية وشجب ورغبة في القصاص، فيصبح القاضي النزيه هو نفسه مبغوضا مشبوها، قد أصيب في شرفه وحسن سلوكه وسمعته التي ذهبت ضحية اغتناء قاض مرتش على حسابه، وعلى حساب شرف المهنة وسمعتها ..
[email protected]




