الشعر المغربي المعاصر جيل البحث عن الذات المبدعة

د. محمد دخيسي أبو أسامة

تقديم
انتهى محمد بنيس وعبد الله راجع إلى خلاصات جوهرية وسَمَتِ الشعرَ المغربي المعاصر من خلال رواده الأوائل. فكان لبنيس وقفاتٌ تنظيرية وإجرائية خَلُصَتْ إلى اعتبار بنيةِ السقوط والانتظار بنيةً دالة عامة “تنسحب على الكل مثلما تنسحب على الجزء” ، وإلى تقسيم مراحل الشعر المغربي المعاصر إلى مرحلة البدايات والامتداد. أما عبد الله راجع فقد لخصها في بنية الشهادة والاستشهاد تحديدا يجعل المتنَ الشعري المدروس “وثيقة نفسية واجتماعية يمكن من خلالها الإحاطةُ بالواقع الذي أنْتَجَ هذا المتنَ مؤثِّرا فيه ومتأثرا به”. إلى جانب ما وصل إليه من قبلُ وبعدُ بعضُ الدارسين كأحمد الطريسي أعراب أو مصطفى الشليح وغيرهما.
إذن بعد هذه النهايات؛ تبدأ الأسئلةُ الراهنة التي تُشَكِّل الأساسَ الذينقَدِّم من خلاله مشروعَنا النقدي. ففي ظل المتغيِّرات التي عرفتها الساحةُ الثقافية، والإعلامية والاجتماعية نلمَسُ أيضا تحولاتٍ جذريةً انعكست آثارُها على المفهوم الخاص للشعر وتجلياته في التجارب الشعرية المعاصرة..
قبل الخوض في متون شعرية جديدة بالبحث والتقصي، لا بد أن نحيط الدراسةَ بمعاييرَ منهجيةٍ ضرورية، وهي:
أولا: اخترت أن أشتغل في هذه الدراسة على متن شعري معاصر، لشعراءَ من الجيل الجديد ممن لم تتناولهم المؤلفاتُ السالفة الذكر، إلى جانب توفرِهم على أعمالَ شعريةٍ مطبوعة.
ثانيا: محاولةُ تغطيةِ المغرب من كل جهاته، طبعا حسب المستطاع والمتوفَّر.
ثالثا: عدم التمييز بين القصيدة العمودية أو التفعيلية أو قصيدة النثر، بقدر ما كان الهدف التركيزَ على أهمية الموضوع وتجلياته الشعرية.
رابعا: محاولة رصد الظاهرة بتسجيل بدايةِ مشروعٍ موسَّعٍ للشعر المغربي المعاصر.
لذلك ستخضع هذه الدراسة الأولية للعناصر التالية:
1- الهروب إلى الذات، أو ذات التصوف؛
2- البحث عن الهوية الإنسانية والإبداعية.

1- الهروب إلى الذات، أو ذات التصوف.
ماذا بعدَ الامتداد الذي وصل إليه شعراءُ الجيل السبعيني وبعدَه الثمانيني؟
استقر الشاعر المغربي المعاصر في بداية الألفية الثالثة عند الجانب الذاتي، وواصلَ بحثَه كما بدأه الرواد من قبل. لكن الملاحظَ أن التعبيرَ عن الذات اختلفَ منْ حيثُ الوظيفةُ؛ فالشاعر الآنَ يقاربُها من حيث موقعُها في المجتمع. كما أنه لم يَعُدِ المغتربَ أو المتأرجح بين الانتظار والسقوط، بقدر ما نجح في التخلص من ضغوط الواقع، فأصبح الواقعُ الذي يعيشه يتآلف والجدارَ الأزرقَ الذي أحكم قبضَتَه على جُلِّ التجاربِ الشعرية، إلا القليلَ ممن خَضْرَمَ تجربتَه وواصلَ تألقَه بناءً على الوجود الاعتباري السالف.
بناء على هذه الفرضية، نستطيع التأكيدَ أن أغلب الشعراء الذي صَدَحَت ألسنتُهُم بالشعر، وعكستها دواوينُهم الشعرية نَبَتوا في الجدار الأزرق ومن خلال المواقع الالكترونية المتراميةِ الأطرافِ جنوبا وشَمالا. غير أن الملتقياتِ الثقافيةَ والعلاقاتِ الشخصيةَ جعلتْ من البعض متألِّقا في الساحة بناء على انتشار صيته في الواقع الافتراضي، بينما بقي الآخر متواريا خلف ستار العزلة والضمور.
فالامتداد طريقُ كثيرٍ من الشعراء، جعلوه أيضا ستارا للوصول، على غرار امتدادِ شعراءِالسبيعينيات الذين وجدوا في رواد الشعر العربي مظلاتٍ تواري تجاربَهُم، ليضعوا أقدامَهم على وقْع أقدامِ تجاربَ شعريةٍ لافتة. لذلك فالشعر العربي المعاصر في المغرب في مرحلة ما بعد الامتداد، أو مرحلةِ الجيل الجديد لم يَخْلُقْ التياراتِ الثقافيةَ ولم يستسغ المدارسَ الشعرية الكبرى؛ بقدر ما سلك سبيلَ شعراءَ مغاربةٍ سبقوهم، فتبنَّوا مواقفَ واتجاهاتٍ سالفةً.
لتقريب المفهوم والنظرية، لا بد أن نقف عند بعض التجارب، وقد انتبهنا إلى كون أغلبِ الشعراءِ حاولوا أن يجدوا في المنحى الصوفي أداةً لإبداعهم، دونَ التوغلِ طبعا في المشارب الأولى للتصوف النِّفَّرية أو لابن عربي أو الحلاج أو السهروردي أو غيرهم كما سلَكها مَنْ قبلَهم، بقدر ما كان الاتباعُ في النهجِ اللغوي والرؤيوي بديلا لتجاربَبدؤوها.
لذلك نلحظ الحضورَ المكثفَ للُغَةِ المتصوفة، كالفراشة والنار والكشف والرؤيا وغيرها… وهذا ما نكتشفه حين اطلاعنا على ديوان (أغسل وجه الماء) لحسن عبيدو، فهو لا يتوانى عن التوغلِ في الفكر الصوفي من بداية مجموعته إلى منتهاها. فنقرأ مثلا في مقطع بعنوان (أحلام) :
جيشُ النومِ يغزو مُدني
وأحلامي تُعلِنُ العصيان
تَضَعُ في كلِّ رُكْنٍ لُغما
يتفجَّرُ كلما وطَأَتْهُ الفراشاتُ
أهمسُ لِجناحيها: سماءُ عيني لا تحتاجُ إلى غمامٍ كي تمطرَ
لا ولا رؤايْ تَتَجلَّى عند انسِدالِ الأهدابْ
يكفي أن تغَرِّدَ في فمي أطيارُ القُبل
حتى تُبَشِّرَ بالخُضرةِ الشفاهْ
فالفراشاتُ في الفكر الصوفي تُسابِقُ الريحَ والنور والنار، وتختَلِق الفرجةَ التي تبعثها من رمادها، فلا تيأس إنْ وَجَدَتِ السبيلَ مسدودا، كما لا يلبث الشاعر أن يجعل منها لبنةَ طفولةٍ مِلْؤُها الحريةُ المشتهاة. يقول الشاعر أحمد زنيبر في قصيدة بعنوان (طفل الفراشات) :
هو ذا الطفلُ
يسابِقُ الريحَ مثل الفراشاتِ
وحيدا يُرَمِّمُ جدارَ الحرفِ
وحيدا يتَّكِئُ على عُمرِهِ
حينَ الحرفُ تماهى
في البياضاتْ..
هو ذا الطفلُ
ينهَضُ من رمادِ الوقتِ،
هو ذا يُصغي لدبيبِ الصمتِ
فالفراشات إذن رمزٌ اتخذه الشاعر المغربي المعاصر أيقونةً ينافس بها الماضي والحاضرَ والمستقبل؛ الماضي من حيث بناؤه الطفولي، والحاضر المُرَفْرِفُ بالحرية، والمستقبَلُ المتوَهِّجُ بنار الهوى. وهنا لا بد من العودة إلى فراشات فريد الدين العطار في منطق الطير، عبْرَ قصةِ الفراشات الثلاثِوالطواف حول النار . وهي كما يقول محمد بنعمارة: “تشير إلى حقيقة الوصول إلى الكمال. فالواصل في التجربة الصوفية هو من يتخلى كُلِّيَةً عن الطبيعة الناسوتية المحفوفةِ بحظوظ الدنيا، والرغباتِ الإنسانية، ويتخلَّصُ من مختلِف العلاقات مع السِّوى والأغيار، ويتَفَرَّغُ للحقِّ ويفْنى فناء تاما في حِماه.”
لذلك نقترب كثيرا من خلال هذه المفاهيم إلى التجلي الصوفي الذي يناجيه الشاعرُ المغربي المعاصر، فيتَتَبَّع طريقَه لكشف ذاته، والبحثِ عنها في خبايا الروح الصوفية. فحَتَّى في أتمِّ صُوَرِ الهوى، وأَدَقِّها وأفصَحِها نجدُ الشاعرَ يتوقُ إلى الفراشة التي تزيد كمالَ منطقِه منطقا روحيا. يقول عبد السلام مصباح في قصيدته (اعتراف) :
وفي الثالثة
اخْضَرَّ الصُّبْحُ
على أعطافِ المرايا باءٌ
فهاجَ الكونُ
وتحلَّقتَتْ فراشاتٌ ظامئةٌ
حول القلبِ
لتُعَمِّدَ دهشَتَها
ونُبوؤتها
وتَسْكُبَ نبيذَها في عروقي
وهي أيضا تعبير عن التيه والضلال بحثا عن القصيدة المنشودة، فالشاعر لا يتخلى عن الإبداع إلا ليغوصَ في ملكوت الشعر الحقيقي، الشعرِ الذي يتوج أكاليلَ جِباهِ الشعراء باللغة الوارفةِ الظلال، والمجازِ المقبول، والتعبيرِ الموجَزِ والمبْلِغِ على الرؤية والرؤيا.
يقول الشاعر عبد العزيز أبو شيار في نصه (قصيدتي) :
جسدي هنا روحي هناك موَزِّعا
ومناجياً بينَ السطورِ ضياءَها
ومطارِدا خيطَ الخيالِ محلِّقاً
مترَقِّباً معراجها وسماءها
وأتيهُ بينَ قطافِها متلَهِّفاً
مثْلَ الفراشِ مقبِّلاً أرجاءها
والإيغال في التصوف، قد يدفع الشاعر إلى النُّزُوح برًّا وجَوّا إلى مرافئ المتصوفة، فيُكثِّفُ دلاليا قصائدَه بألفاظِالمتصوفة وعباراتِهم، وهذا ما نلاحظه لدى الشاعر مصطفى دزيري الذي يجعلُ ديوانه الأخير (نديم الطير) لوحةً فنية تعبيرية وتشكيلية تزخر بموائدِ الروح والرؤيا، يقول مثلا في مقطع من قصيدة (حدائق):
ما لكأسِكَ في الدهشةِ يُغرقُني
كلما من ثغري قرَّبْتُهُ
مِن شذاهُ سبعَ فراشاتٍ
ممشوقاتِ القَدِّ
فالفراشات السبع دليلٌ على التجلي الصوفي في الشعر من خلال دلالة وجودها أولا، إلى جانب رقم (سبعة) الذي يتوزعُ دورُه في النص الشعري بين الحقيقة الدينية (سبع سماوات..) والحقيقة الوجودية (سبعة أيام..)، والحقيقة الصوفية (سبعة ليال، رحلة السبع وغيرها..).
لكن لا يمكنُ أن نُطلِقَ العنانَ للتحليلِ، فنجعلَ كلَّ إيرادٍ للفظِ الفراشِ دليلاً للاشتغالِ على النهجِ الصوفي، إذ قد تحضر اللفظةُ دون دلالتها الصوفية، كما قد نجدُ عند عبد الله المتقي في قوله مثلا:
أتمنى لكِ فراشاتٍ خضراءَ
في الربيعِ
وفي الشتاءِ نبيذا فاخراً
ومَوقدا لا يشبَعُ من النارِ
أو كما جاء عند خديجة العلام في قولها:
كنْ أنتَ كما تشاءُ
ولأَكنْ أنا الجدولَ مملوءاً ولو بقطرةِ ماء …
فراشةٌ أنا أتنقلُ فوقَ الوردِ ولا أخشى الأعداءْ
فالعشُّ يلجأُ إلى عُشِّهِ كلَّ مساءْ
أو قد يجعلها الشاعر مرادفا للشيء الذي يطيرُ ولا يلبثُ على حال، كالنسيانِ الذي يحدُّ من خيالِ المبدعِ ولا يتركُ لهُ هامشَ البحث عن الذاتِ، يقول الشاعر حسن الوزاني في (أنصُبُ فخاخا للشمسِ):
أسماءَ أعدائي الوديعينَ أكثرُ من اللازمِ
كي أصطَنِعَ بطولاتٍ صغيرةً.
بعضَ مكائدي
كي أصطادَ فراشاتِ النسيانِ.
بعيدا عن هذا التوجه المحايدِ، نُقِرُّ أن البحثَ عن الذات دفعَ الشاعرَ المغربي المعاصر إلى استجلاء الروح الصوفية، تشبعا بما اجتمع فيها من رؤى تعبيريةٍ رصينة، تقترب من ذاته الباحثة عن الهوية، ومنَ الذات المبدعة المناجية الآخرَ بأسمى كلماتِ الهوى، معبرةً عنه بتعابيرَ مجازيةٍ وألفاظٍ إما هربا من التصريح المباشر أو طمعا في خلق اللغة الشعرية العليا القريبةِ من التوحد والرؤيا الانزياحية.
لذلك فإلى جانب ما سُقناه من حديث عن اللغة التعبيرية الصوفية من خلال لفظ الفراشات وما يحمله من صيغ الضلال والدلال والدليل الصوفي المحتَرِق والمحترِفِ لنور الشوق والهوى، إلى جانب ذلك نقف في المحور الثاني عند صورٍ مجازية وتعبيرية إيحائية، انبرى لها الشاعرُ المغربي المعاصر للبحث عن الذات المبدعة بين طياتها.
نصل هنا إلى تحديد بعض الملاحظات التي سقناها خلال هذا التحليل الأول، وهي:
أولا: أن الشاعرَ المغربي المعاصر، وجد في الحل الصوفي ملاذا للذات التائهة وسط ركام التيارات والاتجاهات التي طبعت الشعرَ العربي عامة والشعر المغربي المعاصر لدى جيل الرواد.
ثانيا: أن البحث عن الذات أيضا جعل البعضَ يختار التمويهَ الدلالي بلغة مجازية تنهل دائما من التجلي الصوفي دالاتِه ودوالَه ودلالاتِه.
ثالثا: أن الأمر ينعكس على الشعراء الذكور أكثر من الشواعر اللواتي غابَ لديهن هذا التوجهُ، إما بسبب الابتعادِ انتمائيا للمنحى الصوفي، أو رهبتِهِنَّ من خوضِ غمارِه لما يحتاج لدُربة وعناية فائقةٍ بالتنظيرات الأصيلة.
رابعا: عدمُ اعتبارِ كل ما حضرَ من قولٍ يستلهمُ الفراشةَ نزوعاً نحو التصوف، إذ قد يكونُ للدالِّ معنى حقيقيٌّ لا مجازي.
وليستْ-طبعا- المقاطعُ المذكورة سالفا كلَّ ما يطبع الشعر المغربي المعاصر في شِقِّ بحثِ الشاعر عن ذاته المبدعة، انطلاقا من الهُوِّية الصوفية، والبحثِ عن الهوية الإبداعية انطلاقا من لغة الشعر المجازية الإيحائية، إذ كثيراً ما تطالعنا أشعارٌ من رحِمِ شعراءَ ما فتئوا يعبِّرون باللغة الشعرية عن الشعر ذاته، وفي ذاكَ أيضا رمزٌ أيقوني لهوية إبداعية ثانية، لا انطلاقا من المنحى الصوفي وتجلياتِه، وإنما من منطلَقِ البحثِ عن الذات الشاعرة في فضاء القصيد ذاته.

2- البحث عن الهوية الإنسانية والإبداعية.
حينما نطَّلِع على بعض المجموعات الشعرية المغربية المعاصرة للجيل الجديد، نلمَسُ التوغلَ في الإبداع أو الميتاشعر كما يُطْلَقُ عليه حديثا، وهو التنظير للشعر بالشعر ذاته. وفي ذلكَ تأويل للذات المبدعة التي يطغى عليها الحسُّ الشاعري، فتحاولُ تَلَمُّسَهُ من خلال التعبير اللغوي بطاقةٍ إبداعية خلاقة. كما أن الشاعر المعاصر يلجأ إلى هذه الخاصية للترويج لفكرِه وتجربته الشعرية بناءً على معطى أساسٍ وهو أن البحث عن الهوية الذاتية التي رأيناها سالفا أرْخَتْ بظلالها على الشعر نفسه، فأصبح الشاعر تواقا إلى حديث رمزي إيحائي عن التجربة الإبداعية.
2-1- الشعر وطن وانتماء:
يتخذ الشاعر المغربي المعاصر انتماءَه في وطن الشعر ملجأً يجعل منه حياة أخرى غير التي يعيشها، وقد يختار أن يكون وطنُ فلسطينَ أمَّةًوملاذا، ووطنُ القصيدِ فضاءً لذيذا، يقول الشاعر يحيى عمارة في قصيدة (سيدة الخلود) بإهداء إلى فلسطين المقاومة :
أنا لغتي وطنٌ وحبيب
يناديه ربُّ الملكوت
مسجدَ الأقصى
فارحل عن دياري
وفتشْ لك الآن عن مكان شبيه
بفَجِّ مِياهِكْ
بريحِ هوائِكْ
كما يجعل شاعرٌ آخرُ القصيدةَ وطنا كليا، فينبُتُ فيهِ ويستجيرُ به أثناء تَيههِ وضلالِهِ، كما يلجأُ أيضا إلى استحضارِ بعضِ التفاصيلِ اليوميةِ للأمة العربيةِ والإسلاميةِ بتذكرِ أوجاعِ الأمةِ الفلسطينيةِ التي فقدتِ المكان والزمنَ والهويةَ، فيجعلُ القصيدةَ مأوى استثنائيا ووطناً ممكناً. يقول الشاعرُ خليل الوافي في قصيدة (مسالك التيه) في مقطع بعنوان (وطن القصيدة) :
على حائطِ المعبَدِ
خذْ ما تبقى من عروبتي
وعْداً بَعَطَشِ الظباءِ على دمِ الزعتر..
كما قد يتساءلُ الشاعر عن فحوى الكينونة والوجودِ الإنساني في ظل غيابِ أسس الحياة الكريمة، وهو مَشْرَبٌ انتهجَهُ الشعراءُ منذ القديم، ويَنْزِعُ إلى الحفاظ على الكرامة والهوية والنزعة الإنسانية المفْتَقَدةِ.
هي أسئلة مشروعةٌ يبحثُ من خلالها الشاعرُ عن ذاتٍ مبدعة وسط وطنٍ محكوم بالضياع والدم الممزوج بضحايا المواطن الباحث عن ذاته. لذلك نجد الشاعرَ نفسَه يُغْدِق على نفسه من فيض مجازه، ليعبُرَ إلى وطن القصيد ويستعيرَ منه مجاز البلاغة ملجأً للغرباء، يقول يحيى عمارة في قصيدة (تغريبة الأخضر بن يوسف) :
كتابةُ منفايَ أوطانُ نجلٍ
تُفَتِّشُ عن ميلادِ شَهْدٍ
يُجَدِّدُ وكرَ القصيدةْ
كتابةُ منفايَ
استعارة بلاغةٍ من تاريخِ
الغرباءْ
وفي غضون البحث عن الذات الشاعرة، قد يتيهُ الشاعر أيضا وينبجِسُ من بين أضْلُع التيه، مغرِّدا أحاديثَ زهوٍ وأناشيدَ رثاءٍ للذات، وهذا الشاعر نفسه يعلن عِصيانَه على ذات شاعرة تغَرِّد خارجَ السِّرب، فيتوجَّسُ منها خيفَةً، ويعلن عدم انتمائه لذاته أحيانا. ومن منطلَقِ بحثنِا الحالي، نستطيع التأكيدَ أن البحث عن الهوية إن لم يكن من داخل الذات فالأَوْلى أن يتعودَ الشاعرُ على ذاته خارج إطار الشعراء العاديين، بمعنى أن المبدعَ يختارُ بين مُرَّيْنِ، إما البحثُ عن ذاتٍ وسطَ ذوات أخرى أو خلقُ ذاتٍ بديلة لذاته.
يقول محمد غريب ماخوخي في نص بعنوان (إلى شاعر غريب عني) :

سؤالكَ مُر،
غيابكَ مر،،
فراغكَ مر،،،
ووجودُكَ عَلْقَمٌ في الدَّم يمرّ
قَتَلَتْكَ يداك،
هذا تاريخُك
وهذا صوتك المر،،
لِنَقُلْ،
أنتَ تعلِنُ عِصيانَكَ عليكَ من جديد
لنقُلْ
أنكَ تناضِلُ داخِلَكَ من بعيد،،
أو
لنقلْ:
إن وطنَكَ المرَّ لا زال في دمِكَ يمر..
إلى جانب اعتماد الشعر وطنا، قد يلجأ الشاعر المغربي المعاصر أيضا إلى الآخر يجعله وطنا بديلا لذات مبدعة تائهة، يقول محمد بنقدور الوهراني في قصيدة بعنوان (يا أنتَ) وهي إهداء إلى الأديب عبد الإله المويسي :
لأنكَ أنتَ،
ولأنكَ مفرَدٌ أحدٌ
شجرةُنسبِكَ تستهويني
وخارطةُ الوطنِ فيكَ فارغةٌ
إلا من رملٍ وحجَر.
ولأنك وطنٌ وأكثرُ
تمدَّدْ في شراييني
وكن ما شئتَ
أصلا وفرعاً
أو نخيلا في بساتيني..
فالشاعر يجعل من الآخر ذاتا ثانية تعوضه البستان الضائع في حياته، كما يختارُ أن يجعله الوطنَ وأكثر، لأنه يملأ دفئه وكيانه وسكينته وأنه الأصل والفرع كذلك.أو قد يَردِفُ الشاعرُ الوطَنَ والآخرَ في تعبيرٍ موحَّدٍ يشي بالتناغُمِ الدلالي، والإبحارِ في ذاتِ الآخر باعتبارِهِ ذا بُعْدٍ انتمائي واختياريٍّ للدفء والتقرُّبِ، لذا نلحَظُ مثلاً الشاعرة مليكة معطاوي العربي تستلهمُ هذهِ الخاصيَّةَ في شعرها، ونعطي نموذجا لذلكَ من خلالِ نصها (حوارية عشق):
قلتُ لهُ: إذا كانَ للرُّقِيِّ عنوانٌ،
فأنتَ عنوانُهُ،
إذا كانَ للشعرِ رُبَّانٌ،
فأنتَ ربَّانُهُ،
تُتْقِنُ فَنَّ الإبحارِ،
ما بينَ هديرِ بَحْرٍ ثائِرٍ،
وصمتِ ليْلٍ دافئٍ،
في تجاويفِ قلبٍ حائرٍ،
أرهقهُ الانتظارْ.
من هنا نصل للقول إن النماذجَ المستوحاةَ من بعض العَيِّنات التي اخترتُها في هذا الحيز الأول تمثل البعضَ من الكل، إذ أن أغلب الشعراء المغاربة المعاصرين يلجؤون إلى تعويض الذات بالوطن/ الشعر، أو الوطن/ الآخر، وهو دليل على البحث عن الملاذ في الوطن/ الآخر، أو الوجود الأصلي الذي يرتضيه كِيانا ووجودا، بالرغم من أن الزبير خياط ينعتُه وطنا يابسا لا دماء تسري بينه وبين هواه :
بيننا والهوى
وطن يابسٌ
ستكونينَ في عَصفه.
2-2- البحث عن الهوية الإنسانية:
أثناءَ بحثِ الشاعر عن الوطنِ؛ قد يسافرُ بهِ اللفظُ إلى دهاليزِ الرؤى البعيدة، فيحاولُ أن يجِدَ الصيغةَ الملائمة لذاتهِ، ويتوهَّجُ بكبريائه وإشراقهِ الروحي، فنجد الشاعرَ محمد المتقن مثلا في قصيدته (العبور) يعبر من الذات المكشوفة إلى الذات الكاشفة عن هويتها التعبيرية، فيجمع بين التوهجِ الصوفي والبحثِ عن الهوية الذاتية الإنسانية وسطَ ركام الشعر وأنداءِ المجازِ، يقول:
خلعتُ مُعجَمَ الحِدادْ
كوردةٍ رمَتْ حِجارَها الشِّدادْ
في وجهِ غاضِبٍ مُسَلَّحِ الفؤادْ
هوى رِمايَةَ الرصاصْ
فاستعجلَ القِصاصْ
وجُبْتُ جَنَّتي بجُبَّتي المصَوَّفهْ.
فالهروب باللغة إلى أسمى التعبيرِ يجعل الشاعرَ يَتُوقُ إلا البحث عن خلاص الذات من وقْع المعيش اليومي المرير، وتقصي الواقع المتخيَّلِ الذي يتيه فيه بذاتٍ كئيبة، وليستِ الكآبةُ كحال الشاعر المغربي السبعيني الذي يتيه بغربته الذاتية الإليوتية، وإنما تِيهُ الإبداع الذي يَخْرِقُ به الشاعرُ المعاصر كَبِدَ السماءِ روحا جديدة وكَبِدَ الفضاءِ الشعري روحا شعريةً بديلة، ملؤها اللغةُ المستَتِرَةُ وراءَ العشقِالصوفي والتَّوْقِ إلى أبعدِ نقطة في الوجود الإنساني. فنجد الشاعر محمد زروقي يبتهل الله تعالى في قصيدة (قصيدة الوداع) بقوله:
تودِّعني
وفي نفسي كلومٌ لستُ أُخفيها
وسرٌّ لستُ أكتُمُهُ
وحبذٌ كاحتراقِ العودِ فوّارُ
وسيلٌ من عذابِ الروحِ مدرارُ
وصاعقةٌ من الأحزانْ…
تُتَرْجِمُها مواويلٌ وأشعارُ
وتَقطَعُ خاتِمَ الأوتارْ
وفي نفسي، برغمِ الهجرِ، إصرارُ
ولا تَسَلي عن السببِ.
وللكبرياء أيضا روحٌ تجعل الشعرَ مفتاحا للنور الذي يتَوَقَّدُ به الشاعر، ويشتعِل لاحتراق أبدِيٍّ، ينهَلُ منه لغةً شعريةً بسيطة فتتوهَّجُ وتُشرقُ إشراقا. فالشاعر كما سلفنا الذكر باحثٌ عن ذات إبداعية خلاقة، والشعرُ بالنسبة إليه ليْسَ هدفا فقط وإنما وسيلةٌ أيضا يعبِّر به عن رديفِ ذاته الإنسانية. فالشاعرة ثريا لهراري الوزاني تجعلُ من كبرياء ذاتها سبيلا لخلق القصيدة :
علَّمْتَني يا قدري
إطفاءَ لظى الأشواقِ
علمتَني كيف لا أختنِقُ
في صدرِ القصيدة
فتشققتْ حروفاً كبريائي
وتفَجَّرَ الإيقاعُ عشقا
هامساً لِخَطْوِ الدُّجى
رِفقاً بأريج النظمِ رفقاً
فالإشراقُ لوحة فنية يبتهل بها الشاعر إلى الآخر، بحثا عن ذاتٍ شاعرية مبدِعَةٍ، كما يختار اللغةَ الإيحائيةَ والمجازَ كما سبق الذكر، فمِن (نخيل بابل) إلى (الإشراقات) يختارُ الشاعرُ الكاشفُسرَّ التصوف إسماعيل هموني البوحَ المتدفقَ بينَ أغصان البلاغة، باحثا عن مكنون العبارة وهُوِيَّةِ الشاعر في قصيدته (الشاعر) حيث يقول :
هذا الذي يُرَقِّشُ
سُمَّ المعاني
ويصُبُّهُ تِرياقاً
في فَمِ الزمانِ؛
ويرعى
– في غيبتهِ-
أُفولَ السُّكونِ؛
وتهوي
– في أوبَتِهِ-
سقوفَ العبارهْ

2-3- البحث عن الهوية الإبداعية:
تكون الذاتُ المبدعة في الغالب ذاتا متمردةً على الواقع الإبداعي، لذلك نؤكد أن الشاعر المغربي المعاصر في التجربة الجديدة مبدعٌ باحث عن ذاتٍ مبدعةٍ أكثر من بحثه عن الذات الإنسانية. لذلك فالغوص في تكاليفِ الإبداعِ وصيغِ البحثِ عن وظيفةِ الشعرِ وأهميتهِ، والنبشِ في القضايا العالقة بهِ وغيرها من التنظيراتِ الشعرية كانت من صُلبِ التيماتِ التي أثارتْ اهتمامَهُ، فلبى بها منطقَ ذاته، واستطاع أن يكَوِّنَ لبنةً أولى لكثيرٍ من التوجهات الأدبية العامة.
من هنا يبحثُ الشاعر المغربي المعاصرُ عن مرفإ جديدٍ يبحَث من خلاله عنِ الآخرِ، وإن تعدَّدَتِ السبُلُ، تقول الشاعرةُ صباح الدبي في قصيد (لقاء) :
ربما نلتقي في مكانٍ من الأرضِ
في غيمةٍ سافرتْ صوبَ حلمٍ نَدِيٍّ
أجْهَشَتْ بالحينينِ على صدرِ أحزانِها المترعةِ
عَلَّقَتْ ماءها
كما أن الشاعر قد يخاطِبُ الإبداعَ ذاتَهُ، ليَعْبُرَ من خلالهِ إلى الجهة الأخرى حيث الأمانُ، وهنا نستحضِرُ التوجُّهَ نحوَ الآخرِ بديلا للمكانِ الغائِرِ في الفوضى، فالمبدعُ يختارُ أن يناجي ذاتَهُ الشعريَّةَ وهو انتماءٌ ثانٍ بديلٌ لانتماءِ المكانِ. نقراُ في هذا الصدد ما باحَ بهِ رشيد سوسان في نص (ألق الذكرى) :
يا شعرُ ادفِنْ معناكَ المندوفْ..
في أغوارِ الجُبِّ السفلى..
أَلْحِدْ إشراقَتَكَ العطشى..
بغياهبِ أرضِ المعنى
وانثُرْ في أعماقِ ثرى،
آلافَ قصائدِنا الغرقى
نوراً…
لذلك يجعلها الشاعر حروفا أبدية تُغري القارئ بالملكوت الحياتي، فتُلحِقُ روحَهُبروح القصيدِ، وينتشي بالانتماءِ السرمدي دون باقي الأكوانِ الأخرى. فيجمع عبد الله فراجي متلاشياتِ ورَقِهِ ليبنيَ الحكاية والخيال، ثم يكرس هذه الوقفةَ في نص (حروف تنبه زهرا) بقوله:
رفعتُ راحَتَيَّ كالمجنونِ أقطِفُ الحروفَ
وأجمعُ المتلاشياتِ منَ الورَقْ..
أبني الحكايَةَ والخيالْ..
معارجاً في صفحةِ الكتابْ..
لعلَّها القطراتُ في نار الهشيمِ.
كما قدْ يستطلِعُ الشاعرُ المستقبلَ ليبحثَ عن قصيدةٍ تنتظرهُ هناكَ في أفْقِ البحثِ عن الملاذِ والفضاءِ المناسبِ للخلاصِ، تقول الشاعرة نادية القاسمي في هذا الصددِ:
أنا واثقَةٌ تماماً
أنَّ قصيدَةً ما
تنتَظرني
هناكَ
ولنْ تتَكلَّمَ عنِ العشاقِ.
وهذا ما جعل بعضَ الشعراء يفيضون عشقا بالآخر، ويجعلونه قصيداً وشعراً يختارون بحرَهُ وهواجسَهُ، ويتشبثونَ به كي تنغمسَ أرواحُهُم وأفئدَتُهم سواء، وهو ما جعل الشاعرة رحيمة بلقاس تتقيدُ بحبِّ الآخر، وتجعلهُ قصيدا تنتمي إليه في قصيدة (قنديل عرسي) :
بينَ خمائلِ الشعرِ أتيْتُهُ
فوقَ شتائِلِ القصيدِ سَبَتَتْ عينُهُ
تسبِّحُ بلحنِ البلابلِ
من خلال ما سبق ذكرهُ يمكنُ أن ننتبهَ إلى أمر ذي أهمية، وهو استلهامُ الشاعر المغربي المعاصر فكرةَ الانتماء منَ الحقلِ الأدبي، إذ يعتمدُ الشعرَ تيمةً أساسيةً، ويجعلُ منهُ لبنةً لاختياراته الفنية. فالمبدعُ حينئذٍ يكَثِّفُ من الألفاظ الدالة على الشعر كالقافية والبحر والروي والشطر والبيت وغيرها، لكنهُ يشتغلُ عليها في إطارِ البحث عن الملاذِ والملجإ. ولتقريبِ المفهوم نقف عند نموذجين شعريَّيْنِ.

الأول للشاعرة رشيدة فقري من قصيدتها (عضة الوجع) حيث توردُ ما يلي:
والشعرُ غيماتٌ تُرَوّي صدرَنا
تُهدي إلينا سكرةَ الأكوانِ
بينَ الحروفِ تعتَّقتْ أشواقنا
جمرُ الغضى زوَّجْتُهُ نيراني
أضرَمْتُها لهباً بأشعاري متى
أنشدتها كانت شذى ريحانِ
وتقولُ رشيدة الشانك في مقطع من قصيدة (حروف صدق) من مقطع (ديكتاتور الشعر) :
حينما يكتبُ شاعري قصيدةَ حبٍّ
يظنُّ أنهُ البطلُ
وحبيبتُهُ تَفْرِشُ بساطَ القصيدةِ
تتحرَّكُ بحركاتِ حروفِ القصيدةِ
تضُمُّ وتَفتَحُ
كلما أنهى القصيدَ
أطلَّ من شُرفَتِهِ
عادَ مسرعا
لعالمِ القصيدةِ
نصل بعد هذا التحليل والنماذج المستوحاة من اطلاع جزئي على بعض الدواوين الشعرية المغربية المعاصرة نصل إلى تقديم بعض الاستنتاجات، وهي:
أولا: بعد الجانب الصوفي، عَمِدَ الشاعر المغربي المعاصر إلى البحث عن المرادف لحياته، فجعل الوطن أولا، والقصيدة ثانيا، والآخر ثالثا.
ثانيا: عدم الفصل هنا بين الشعراء والشواعر، إذ لا نلمس كثيرا الفرق إلا في استعمال الضمير المتكلم أو المخاطب.
ثالثا: أن الذات الإنسانية حاضرة بقوة من خلال جعل الآخر بديلا للتوهج، ومعوضا عن الهوية الضائعة في المجتمع.
رابعا: انتباه البعض إلى الكينونة العربية والإسلامية بحثا عن الهوية المغيبة.
تركيب:

إنها عوالمُ ذاتية، كتمها الشاعر في حياتهِ ليخَلِّدَ بها شعرَهُ، كما أنه استطاعَ أن يقدمَ صورةً عن واقعٍ معيشٍ يرتضيه أفقا وفضاء حياتيا بديلا للواقع الحياتي المرير. لكن المؤكدَ أنه لم يواصل غربته الوجودية كما انتهى إليها الشعراء الرواد، بقدر ما حاولَ أن يتبنى موقف المدافع عن الحرية الفردية وعن الحياة الكريمة، وإن كان الضحيةُ هو الجلادُ نفسَه.فالضحية هو الشاعر والجلادُ هو نفسه الشاعرُ، لذلك اختار أن يدافع عن الشعر بالشعر ذاته ليبحث عن بديل موضوعي أو معادل موضعي لحياته.

العيون سيدي ملوك 12 أبريل 2016


شارك بتعليقك

شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية
   

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني