كواليس اليوم: زربي مراد
خلق مستخدمو الأطوروت الحدث خلال نهاية الأسبوع الماضي وبداية الأسبوع الجاري، بخوضهم ﻹضراب إنذاري نجح نجاحا باهرا بفعل انخراط الشغيلة برمتها دفاعا عن حقوقها المشروعة.
وتزامن الإضراب الإنذاري الذي دعت إليه نقابة الاتحاد المغربي للشغل مع نهاية الأسبوع، حيث تشهد محطات الأداء إقبالا كبيرا واكتظاظا شديدا لا تشهده في الأيام العادية، مما تسبب في خسائر مالية فادحة لشركة الطرق السيارة بشكل خاص والاقتصاد الوطني بشكل عام، فمن يتحمل مسؤولية الاستهتار بالمال العام؟
جرت العادة أن لا تلجأ النقابة المواطنة المدافعة عن حقوق الطبقة العاملة بعيدا عن الايديولوجيات والمناورات السياسية، (أن لا تلجأ) ﻷبغض الأشكال النضالية وهي الإضراب، إلا بعد استنفاذ كل الحلول الدبلوماسية، واستمرار الشريك الاجتماعي في نهج سياسة الآذان الصماء، وهذا ما فعلته نقابة الأطوروت.
إن المتتبع لقضية مستخدمي الأطوروت وبكل حيادية وموضوعية، ليدرك يقينا أن الاحتقان الاجتماعي الذي أفضى إلى هدر المال العام، ليتحمل مسؤوليته مسؤولو شركة الطرق السيارة وفي مقدمتهم مديرها العام أنور بنعزوز وبطانته وعلى رأسها بنعلي.
فمنذ تسلم أنور بنعزوز مهام تسييره لشركة الطرق السيارة خلفا لعثمان الفاسي الفهري، عين لجنة يرأسها حسن شكار وضمت البروفيسور المعروف، مامون مبارك الدريبي، للدخول في مفاوضات مع نقابة موخاريق، من أجل احتواء الأزمة التي أشعلت الإدارة السابقة نارها وبداية عهد جديد عنوانه الحوار البناء والمسؤول والثقة المتبادلة بين الجانبين.
ثقة نقابيي المستخدمين بملائكة الأطوروت الجدد، أفضت إلى اتخاذ قرار الهدنة الذي كانت لها انعكاسات إيجابية على السير العام للمرفق العمومي، رغم أن الحل النهائي المتداول حوله لم يكن ليستغرق كل تلك الحوارات.
وبعد مفاوضات ماراطونية واجتماعات ينسى المرء عددها من كثرتها ولمدة تزيد عن السنة، وبعد تمديد يتبعه تمديد مع شركات المناولة لغاية التوصل لحل يقضي بالقطع معها في مراكز الاستغلال، تمديد لم تتخلله زيادات في أجور المستخدمين ولا تعويضات، سيفاجئ المدير العام لشركة الطرق السيارة النقابة برفضه تنفيذ الاتفاقية الجماعية التي كانت ثمرة المفاوضات الطويلة والشاقة، ولم يكتف بذلك بل عمل على سد باب الحوار بشكل أحادي وبشكل مفاجئ.
ومن جهتها، انتظرت النقابة أن تعلو حمرة الخجل وجه مدير الأطوروت، فيتحلى بالشهامة والرجولة ويفي بالتزاماته وتعهداته، لكن شيئا من ذلك لم يكن، ما جعل المستخدمين الذين وثقوا في بنعزوز وشعاراته الرنانة والتقاطه صورا مع عمال النظافة، مقدما صورة المسؤول الحضاري المتواضع، (جعلهم) يشعروا بالذهول من سرعة تغيير الرجل لجلده بين عشية وضحاها.
وبالرغم من ارتفاع أصوات الشغيلة مطالبة بالتصعيد في وجه الإدارة العامة لشركة الطرق السيارة، اختارت النقابة أن تنهج أسلوب المهادنة و ” بالتي هي أحسن”، وذلك من خلال عديد المراسلات والبلاغات التي تطالب بتنفيذ الالتزامات والعهود.
وفي موقف ينم عن ازدرائها بشغيلة مراكز الاستغلال وحقوقها المهضومة، لم تكلف شركة الطرق السيارة نفسها عناء الرد على العدد الكبير من تلك المراسلات.
وبعدها وأمام هذا الموقف المتصلب ﻹدارة بنعزوز، لجأت النقابة إلى إصدار بلاغها الأول في 26 غشت 2016، للتنديد والاستنكار بالتراجعات الخطيرة التي تمس استقرار شغل المستخدمين، أتبعته ببلاغ توضيحي للرأي العام تضمن أسئلة موجهة لبنعزوز بخصوص المفاوضات والاتفاقية الجماعية، قبل أن تدخل الأمانة العامة للاتحاد المغربي للشغل على الخط وتراسل وزير التجهير والنقل واللوجييتيك ووزارة التشغيل والشؤون الاجتماعية والمدير العام لشركة الطرق السيارة نفسه.
ولم تجد نقابة الأطوروت من حل للتصدي لسياسة شركة بنعزوز ومخططاتها الرامية إلى تشريد نحو 1500 مستخدم يعيلون عائلات وأسر، غير الدخول في أشكال احتجاجية استهلتها بدعوة مناضلاتها ومناضليها إلى حمل الشارة الحمراء اعتبارا من يومه الأربعاء 02 نونبر 2016 مع القيام بوقفات احتجاجية بجميع المراكز.
ولم يكن الاحتجاج السلمي والحضاري للشغيلة ليحرك ساكنا في مسؤولي الأطوروت الذين ظلوا أوفياء لعادتهم في نهج سياسة الهروب إلى الأمام والتجاهل واللامبالاة.
وﻷن آخر الدواء الكي، لم يكن من خيار أمام نقابة المستخدمين غير اللجوء لخيار الإضراب ردا على تعنت مدير شركة الطرق السيارة في تنفيذ التزاماته وتجاهله لكل المراسلات والبلاغات.
والغريب أن بعض المنابر الإعلامية التي يبدو أنها غير مطلعة على الملف ولم تحط به علما إن أحسنا الظن بها، انتقدت لجوء شغيلة الأطوروت إلى الإضراب، محملة نقابتها نصيبا من الخسائر المالية التي تكبدتها الشركة.
والواضح أن كثيرين لا يعلمون أن مستخدمي الأطوروت الذين يجمعون أموالا لا تعد ولا تحصى للشركة مقابل الفتات ويشتغلون بعقد غير محدد مع شركة الطرق السيارة المتعاقدة مع شركات مناولة مختصة في النظافة والحراسة بموجب عقد مدته أقصاها ثلاث سنوات، في خرق سافر لمدونة الشغل ومخالفة للمنطق لا يوجد لها مثيل في العالم، (لا يعلمون) أن المشكل لم يتم حله بشكل نهائي لحد الآن ولازال يقتصر على حلول ترقيعية ليس إلا، منذ عهد وزير التجهيز والتقل السابق الاستقلالي، كريم غلاب.
والأكيد أن الذين وجدوا حائط المستخدمين قصيرا لتسلقه وظهورهم رطبة لجلدها، لا يعلمون أن مستخدمي الأطوروت الذين قضوا سنوات طوال في خدمة الشركة بأبخس الأثمان، لا هم لهم غير الاستقرار في أماكن عملهم وبأجور محترمة تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية و تضمن لهم العيش الكريم، وهو ما ترفض شركة الطرق السيارة الاستجابة له ويا ليتها اكتفت بذلك، بل إنها تفاوضت معهم لمدة أكثر من سنة والتزمت فلم تنفذ وخرج مديرها في الاستغلال ليصرح لقناة العمومية، مستغربا احتجاج الشغيلة على شركة الطرق السيارة، نافيا علاقتها بهم في موقف حارت العقول على استيعابه.
والغريب أن الإضراب انتهى، مخلفا خسائر مالية كبيرة لو خصصت في تأدية حقوق المستخدمين لكفتهم وكفت المرفق العمومي شر الاحتقان والإضرابات، ولكن يأبى مسؤولو الشركة الغنية إلا أن يهدر المال العام ويضيع سدى ولا تعطى للعباد حقوقهم دون أن يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة ولو كانوا مغاربة من بني جلدتهم.
والأغرب أنه بعد كل هذه الخسائر، لازالت شركة الأطوروت خارج التغطية ولم تتحرك لفتح حوار جاد ومسؤول مع نقابة المستخدمين، ولو من باب المواطنة ووقفا لنزيف احتقانات اجتماعية وضياع ﻷموال عمومية المغرب في غنى عنها، فمن المستهتر والمسؤول عن الإضرار بالاقتصاد الوطني؟!!!
التالي
شاهد أيضا
اشتراك في القائمة البريدية

إشترك بالقائمة البريدية لكواليس اليوم لتتوصل بكل الجديد عبر البريد الإلكتروني



